لم يعد سكان القطاع الخاضعين تحت وقع الحرب والحصار والتجويع، يثقون بما يحدث من مفاوضات، ويعتقدون أنها مجرد محاولات لشراء الوقت من قبل الاحتلال المدعوم بالكامل من الإدارة الأميركية، بهدف استكمال الإبادة، وتحقيق أهدافه في قتل وتهجير الفلسطينيين.
ووفق محللون ومواطنون، فإنه ومنذ انقلاب الاحتلال على اتفاق التهدئة الأخير، بداية شهر فبراير/شباط الماضي، ورفضه الدخول في المرحلة الثانية منه، وكل ما يحدث يؤكد أن الاحتلال يُماطل، ويحاول شراء الوقت، ولا يرغب في الدخول باتفاق جديد، ويحاول جر المقاومة لمربع الاتفاقات المرحلية الصغيرة، عبر معادلة "الطعام مقابل الاسرى"، دون التعهد بإنهاء الحرب.
مفاوضات شراء الوقت
وأجمع العديد من المحليين والخبراء، أن الاحتلال يسعى للمماطلة، فهو يرد على كل مقترح جديد مُقدم من قبل الوسطاء بمقترح آخر، يحمل في جوهره أمرين، إما اتفاق مرحلي صغير، هدفه استعادة الأسرى أو جزء منهم، أو مقترح يحمل في جوهره استسلام المقاومة، والاحتلال يُدرك مسبقاً أن المقاومة سترفض مقترحاته، رغم ذلك يُصر يقدمها، وهي محاولة لشراء المزيد من الوقت، لاستكمال الإبادة.
واستدل محللون على ذلك بأن الاحتلال بات يُرسل وفود تفتقر إلى الصلاحيات الكافية لاتخاذ قرارات جوهرية، وهو ما يعكس سياسة إسرائيلية قديمة تقوم على المماطلة في المفاوضات، بهدف الدخول في جولات جديدة وهكذا حتى تصبح المفاوضات غاية وليست وسيلة.
ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخليل، د. بلال الشوبكي، إن المفاوضات خلال الشهرين الماضيين هي محاولة إسرائيلية لإعادة التفاوض من نقطة الصفر، مما يعني أن النقاشات الحالية منفصلة تماماً عن تلك التي سبقت الاتفاق المبدئي قبل أشهر.
ويشير الشوبكي إلى أن منطلقات حركة "حماس" في المفاوضات الحالية تتمحور حول تحقيق وقف دائم لإطلاق النار وإنهاء الحرب بشكل نهائي، في حين أن إسرائيل تتحدث عن وقف مؤقت لإطلاق النار قد يستمر لعدة أسابيع.
ويؤكد الشوبكي أن الظروف الحالية لا تشير إلى إمكانية تحقيق اختراق في هذه المفاوضات، بل إنها قد تستغرق وقتاً أطول بسبب الخلافات الجوهرية بين الطرفين.
في حين قال رئيس مركز وطن للدراسات وأبحاث المستقبل د. معمر عرابي، إن الاحتلال كان منذ بداية حرب الإبادة الجماعية في غزة، يستخدم مفهوم المفاوضات لشراء الوقت وبيع الوهم، فهو لا يريد أسراه وهو ما عبر عنه زير المالية الإسرائيلي المُتطرف "سيموتريتش"، بأن إعادة الأسرى الإسرائيليين في قطاع غزة ليست أولوية لحكومة "إسرائيل".
وأضاف عرابي، أن الاحتلال لم يحقق شيء في غزة سوى القتل والتدمير، وأن نصف أسراه قتلوا بصواريخ جيش الاحتلال.. منذ 7 اكتوبر حتى اليوم مستمر الكيان في تنفيذ مخططه في القتل والذبح والتدمير بغزة رغم إرساله اشارات للعالم بأنه يقاتل من أجل إعادة أسراه.
وفي أكثر من جولة مفاوضات كانت المقاومة توافق على مقترحات قدمها الوسطاء، ثم تتراجع حكومة الاحتلال، وتضع شروط جديدة، ما يُعرقل التوصل للاتفاق.
تشاؤم كبير
وعلى الرغم من سيل الأخبار التي تتحدث عن محادثات مُكثفة بهدف التوصل لوقف إطلاق نار، وجهود كبيرة يقودها الوسطاء خاصة مصر في هذا الإطار، إلا أن غالبية النازحين في مخيمات غرب خان يونس، ومدينة دير البلح، وحتى شمال القطاع، لم يبدوا تفاؤل حيال نجاح هذه الجهود.
ووفق نازحون فإن مصير الجولة الحالية، وما يتخللها من جهود قد تكون مُشابهة للجولات السابقة، التي عمل رئيس حكومة الاحتلال "بن يامين نتنياهو" على إفشالها، وتهرب حتى من اتفاقات موقعة وواضحة.
وأكد المواطن إبراهيم الملاحي، إن المفاوضات الجارية ستكون كسابقاتها، بلا نتائج، وهي مجرد خدعة إسرائيلية، فمن لم يلتزم باتفاق مُوقع، بوجود ضمانات دولية، لن يدخل في أي اتفاق جديد يلزمه بوقف الحرب، كما تُطالب المقاومة.
وأشار إلى أن الاحتلال يُحاول فرض وقائع جديدة على الأرض، بضم مناطق جديدة من القطاع، والتي بدت تتضح معالمها، كالسيطرة على رفح، وعزلها عن باقي أنحاء القطاع، وتعميق التواجد في مناطق أخرى.
وأكد الملاحي أن الخبراء والمُطلعون في إسرائيل نفسها يعرفون أن نتنياهو يُماطل، فقد قرأ تصريح للواء احتياط إسرائيلي يُدعى "يتسحاق بريك"، قال فيه: إن تصريحات رئيس الأركان والمستوى السياسي بأن الضغط العسكري يهدف إلى تحرير الأسرى، ما هي إلا خدعة كبيرة بهدف كسب شرعية شعبية لمواصلة القتال، بينما الهدف الحقيقي هو الحفاظ على بقاء الحكومة"، وهذا دليل آخر على أن المفاوضات الحالية ما هي إلا محاولة إسرائيلية لكسب المزيد من الوقت"، كما يقول.
بينما يقول المواطن هشام طه، إن رئيس وزراء الاحتلال بن يامين نتنياهو، يماطل، ويعمل على إرضاء وزراء اليمين المتطرف داخل حكومته، من أجل الحفاظ عليها، ومنع انهيارها، وهذا كله يأتي على حساب الدم الفلسطيني، وعلى حساب استمرار الحرب، لذلك لا يتوقع الوصول إلى اتفاق جديد.
وأكد طه لـ"فلسطين بوست"، أنه لا يتوقع نهاية للحرب في ظل المعطيات الحالية، ويخشى من توسيع في العدوان في الأيام والأسابيع المقبلة، فنهاية الحرب لن تكون بإرادة نتنياهو وحكومته، وتحدث في أمرين، الأول حدوث ضغط كبير على نتايهو، سواء من الخارج، عبر أمريكا والدول الداعمة للاحتلال وهذا لن يحدث حتى الآن، أو نتيجة حدث ما يُغير كل شيء، قد يقع في أية لحظة، وهذا أمر إلهي يتوقع أن يحدث وأن يشكل تغير في المعادلة.
ومؤخراً قدّم الوسطاء القطريون والمصريون مقترحاً جديداً يتضمن هدنة طويلة في قطاع غزة تمتد ما بين خمس إلى سبع سنوات، وصفقة تبادل تفرج وفقها حركة حماس عن جميع المحتجزين الإسرائيليين مقابل إفراج إسرائيل عن عدد من الأسرى الفلسطينيين.
وأوضح مسؤول رفيع مُطلع على المفاوضات أنّ المقترح يتضمن نهاية الحرب وانسحاباً إسرائيلياً كاملاً من القطاع المنكوب، مشيراً إلى أنّ حركة حماس أبدت استعدادها لتسليم إدارة غزة لأي كيان فلسطيني يُتفق عليه "على المستويين الوطني والإقليمي"، وأضاف أنّ هذا الكيان قد يكون السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية أو هيئة إدارية يتم تشكيلها.
كتب: محمد الجمل