حول الاحتلال قطاع غزة إلى حقل تجارب لأسلحته، وجرب واستخدم العديد منها ضد المدنيين العُزل، غالبيتها إن لم يكن جميعها مُحرمة دويلاً، ويحظر القانون الدولي استخدامها ضد المدنيين، بعضها جرى الكشف عنه أو معرفته، وأخرى لم يتم الكشف عنها حتى الآن.
وأبرز وآخر الأسلحة التي استخدمها الاحتلال ضد المدنيين العُزل في قطاع غزة، كانت قنابل ذات خواص كيميائية فتاكة، يصدر عنها عند انفجارها درجات حرارة عالية، تزيد على 7000 درجة مئوية، ما خلق ظاهرة تبخر الجثامين واختفائها.
كما بدأ الاحتلال مؤخراً يستخدم طائرات مُسيرة انتحارية، يتم تحميلها كميات كبيرة من المتفجرات، ثم مهاجمة خيام، وشقق سكنية بواسطتها.
طائرات انتحارية
ومنذ تجدد العدوان قبل أكثر من شهر، أدخل جيش الاحتلال سلاح جديد أكثر فتكاُ، وهو عبار عن طائرات مُسيرة صغيرة "انتحارية"، يتم إطلاقها من زوارق حربية في عرض البحر، أو مواقع داخل وفي محيط القطاع، وهي مُخصصة لمهاجمة خيام النازحين المأهولة، وأهداف أخرى.
وجرى خلال الأيام الماضية رصد عدة طائرات انتحارية استهدفت الخيام بشكل مباشر، وجمعيها تسببت باحتراق الجثامين، وتفحمها، وإشعال النار في الخيام المستهدفة، وخيام مُجاورة.
ونجح مواطنون بجمع حطام تلك الطائرات، منها الأجنحة والذيل، وبقايا محركاتها، ما أثبت بشكل قاطع أنها كانت وراء تلك الهجمات.
ووفق شهود عيان، فإن هذه الطائرات يتم تحميلها بكميات كبيرة من المتفجرات، وحشوها بالشظايا والمواد الحارقة، ما يؤدي إلى تمزق الجثامين وتفحمها، وانتشار حرائق في المواقع المُستهدفة.
وبعد كل هجوم بطائرات مُسيرة، يشاهد آثار الدمار والحراق على مساحة واسعة من انفجار الطائرة، كما يؤكد شهود أن ثمة ضحايا وقعوا على مسافات بعيدة نسباً من مكان انفجار تلك الطائرات.
ونقل شهود روايات صادمة عن انفجار تلك الطائرات، منها تأكيدات بحدوث كرة لهب كبيرة تمتد على مساحة واسعة من موقع الانفجار، واشتمام روائح غريبة عند كل هجوم بطائرة انتحارية، عدا عن تغطية الأرض في محيطة الانفجار بطبقة رمادية ناعمة، لا يُعرف ماهيتها.
ويقول المواطن عبد الله سلامة، إنه شارك في انتشال جثامين ومصابين من داخل ومحيط خيمة تعرضت لهجوم بواسطة طائرة انتحارية، موضحاً أنه وغيره من المواطنين شاهدوا تلك الطائرة وهي تحوم في الأجواء لبعض الوقت، قبل انقضاضها على الخيمة وانفجارها.
وأكد سلامة لـ"فلسطين بوست"، أن الطائرة المذكورة بيضاء، ذات سرعة عالية، ولها صوت مُختلف عن غيرها من المسيرات، وعند سقوطها باتجاه الهدف تُحدث صوت صفير، ويعتقد وغيره من المواطنين انها أكثر فتكاً، وأشد قدرة على القتل.
ذخائر مُحرمة دولياً
وإلى جانب المُسيرات الانتحارية، يستخدم الاحتلال قنابل مجهولة، تتسبب قتل وحرق المواطنين، واشتعال حرائق في الخيام، ونشر الموت على مساحات واسعة.
ويقول مدير عام الطب الشرعي والمعمل الجنائي في غزة الدكتور خليل حمادة، إن يستخدم بكثافة القنابل الثقيلة وأبرزها (MK-84) زنة ألفي باوند (حوالي ألف كيلوغرام)، وهي أميركية الصنع ومخصصة لاختراق التحصينات على أعماق كبيرة في باطن الأرض، ويجري استخدامها في أحياء ومناطق سكنية مكتظة، وتؤدي إلى دمار واسع، وقلما ينجو منها أحد، جراء ما ينتج عنها من "عصف انفجاري" هائل، ودرجات حرارة عالية جدا، ويصل تأثيرها لمسافة نحو 100 متر من بؤرة الاستهداف المباشر.
وأوضح المسؤول الصحي أن بعض الشهداء يصلون المستشفيات دون أن تظهر على أجسادهم أي جروح أو إصابة بشظايا الصواريخ والقنابل، غير أنهم فارقوا فمن الحياة نتيجة تهتك شديد بالأنسجة، وخلايا الدماغ والخلايا والأوعية الدموية، جراء قوة الانفجار، فيما تتمزق أجساد شهداء وتختفي جثامين آخرين تماما.
ووفق حمادة فمن ينجو من هذه الأسلحة المحرمة، إنها "نجاة مؤقتة" قد تمتد ساعات أو أياما قليلة بالنسبة لبعض الجرحى، نتيجة الجروح الخطرة وعدم توفر الأدوية والأجهزة الطبية اللازمة لإنقاذهم، فيما البعض الآخر منهم يقضي بقية حياته يعاني من إعاقات أو تشوهات وحروق.
وبحسب مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي بغزة الدكتور إسماعيل الثوابتة، فإن هناك شواهد وأدلة تؤكد استخدام الاحتلال أسلحة غير تقليدية، وأشد فتكا، تتمتع بقدرة تدميرية هائلة، في إطار إستراتيجية إبادة شاملة تستهدف تدمير الإنسان والأرض معا.
وأكد الثوابتة أن "هذه الأسلحة تشمل قنابل عنقودية، وقنابل تحتوي على مواد كيميائية محرمة دولياً، يستخدمها الاحتلال بشكل مكثف على نطاق واسع، وتؤدي إلى دمار شامل في البنية التحتية والمنازل، بل وتتسبب في إصابات خطيرة ومشوهة للمدنيين الذين يبقون على قيد الحياة".
في حين قال وقال المركز الفلسطيني للإعلام في أحدث تقاريره إن الاحتلال الإسرائيلي استخدم أسلحة محرمة دوليا تؤدي إلى حرق الأجساد وتبخرها إلى حد التلاشي.
وأضاف المركز أن "آلاف الشهداء قضوا بقنابل لا تعرف ماهيتها حتى الآن، لكنها تؤدي إلى إذابة الجثث وتبخرها جراء الحرارة العالية التي تنبعث عند وقوع الانفجار وتحول الأجساد الواقعة في (عين الاستهداف) إلى ذرات صغيرة لا ترى بالعين المجردة تتطاير وتذوب في الهواء والتربة".
غزة حقل تجارب
يستخدم الاحتلال قطاع غزة "مختبرا" لتجربة ترسانته العسكرية التي تعتمد بشكل أساسي على الأسلحة والذخائر والقنابل أميركية الصنع، إضافة للمسيرات التي يتم تصنيعها في إسرائيل، وبات قطاع غزة مسرحاً لتجربتها، قبل تسويقها عالمياً.
وكشفت صحيفة "هآرتس" العبرية، أن تجارب شركات صناعة الأسلحة والتكنولوجيات الحربية الإسرائيلية الناشئة (ستارتابس)، تشهد توسعاً ملحوظاً، من خلال استخدامهم الحرب في غزة حقل تجارب لهذه الصناعات الفتاكة. هذا بالإضافة إلى الانتعاش الكبير في أرقام معاملاتها، نظراً لارتفاع مبيعاتها للجيش الإسرائيلي.
وكتبت الصحيفة أن الحرب في غزة توفر فرص توسع في الميزانية العسكرية الإسرائيلية، وبالتالي تتيح فرصاً جديدة للشركات الناشئة في مجال الصناعات الحربية.
ومن ضمن هذه الشركات "SpearUAV" المصنّعة للمُسيّرات الانتحارية، وشركة "InfiniDome" التي تعمل على تطوير أنظمة حماية الطائرات المُسيّرة من التشويش، وشركة "SmartShooter" التي تطوِّر أنظمة ذكية للأسلحة النارية التي تساعد الجنود على إصابة الأهداف المتحركة، وشركة "Axon Vision" العاملة على دمج أنظمة الذكاء الصناعي في المدرعات والمُسيّرات مما يساعد على تحديد الأهداف وتحسين الدقة.
بينما يقول الرئيس التنفيذي لشركة "ستارتاب نايشن" المتخصصة في الصناعات التكنولوجية، إن الحرب في غزة تمثل تحديًا لهذه التقنيا،ت إلا أنه أقر بأنها "فرصة" لاختبار التقنيات الناشئة في هذا المجال.
أما الخبيرة في قسم الأسلحة في منظمة "هيومن رايتس ووتش" ماري ويرهام، فقد صرحت قائلةً: "نواجه أسوأ وضع ممكن من حيث القتل والمعاناة في غزة، وجزء منه تتسبب به التقنية الجديدة".
كتب: محمد الجمل