لم يعد النزوح ومرارته، والقصف واستمراه هما الهاجسان الوحيدان اللذان يؤرقان ويُرهقان النازحين في مخيمات مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة.
فمنذ بدء موجة النزوح الأخيرة أواخر مارس/آذار الماضي، يُعاني النازحون سلسلة من المشكلات والأزمات، منها انتشار القوارض والحشرات، والجوع المستشري، والأمراض التي تتفشى في صفوفهم.
وجهر نازحون يقيمون في المخيمات ذات الاكتظاظ الكبير، مناشدين من أجل مساعدتهم لتلافي المشكلات التي تسببها الحشرات والقوارض، والعمل على مواجهة الأمراض والجوع الذي يفتك بهم.
انتشار الحشرات والقوارض
وبات انتشار القوارض بشكل كبير واحدة من أهم وأخطر المشاكل التي تواجه مئات الآلاف من النازحين، المقيمين في منطقة مواصي خان يونس، جنوب القطاع.
ووفق نازحون فإن القوارض خاصة الصغيرة "فئران"، تغزو خيامهم بأعداد كبيرة، وتسطوا على طعامهم، خاصة البقوليات، والطحين، وتقوم بقرض الأكياس.
وأكد النازح عبد الرحمن سالم، ويُقيم في منطقة مواصي خان يونس، إنه اقام وعائلته خيمة، وبجانبها خيمة أخرى استخدموها كمحزن صغير لوضع حاجياتهم، لكنه فوجئ بانتشار كبير للقوارض، التي تنشط في الليل، وتؤرقهم.
وأوضح أنهم غير قادرين على التعامل مع هذه القوارض، في ظل عددها لكبير، ومحدودية وسائل المكافحة المتوفرة، والتي لا تزيد على الفخاخ التي تصيد فأر واحد فقط في كل مرة، والمشكلة أن القوارص تتخذ من الأرض بيوت لها، إذ حفرت مئات الحجور على شكل سراديب تُشبه المتاهات، التي يصعب تتبعها حال تم الحفر عليها.
بينما قال المواطن بلال حسان، إن الفئران حولت حياتهم إلى جحيم، فكل الطعام الذي يضعونه في الخيمة يتم قرضه وأكله، وتلويثه، وهذا أمر كارثي.
وأكد أنهم باتوا يضطرون لتعليق الطعام بطريقة تُصعب على القوارض الوصول إليه، أو وضعه في أوعية بلاستيكية محكمة الغلق، "جراكل"، موضحاً أنه اشترى ثلاث فخاخ، ويصيد في كل يوم ما بين 3-5 فئران، لكن عددها لم ينقص، وكأنه منبع للقوارض.
وأعرب عن خشيته من التداعيات الصحية الكارثة التي قد تنجم عن انتشار القوارض، خاصة أنها تعتبر ناقل خطير للأمراض.
الأمر في خيم النازحين لا يقتصر على القوارض فقط، بل يواجه النازحون سيلاً من الحشرات الكبيرة والصغيرة، الطائرة منها والزاحفة، إضافة للعناكب.
واشتكى نازحون من انتشار كبير للذباب، والبعوض، والبراغيث، إضافة للعقارب التي باتت تغزو خيامهم مع بدء دخول فصل الصيف، وحشرات زاحفة أخرى منها "أبو مقص"، وأنواع غريبة من النمل.
من جهته أكد الناشط في مجال العمل الإنساني رسمي أبو العنين، أنهم تلقوا مئات الشكاوى من نازحين، ومناشدات من أجل مساعدتهم في مواجهة القوارض، موضحاً أن عددها الكبير جداً يحتاج مكافحة شاملة، ضمن برنامج، ولا يصلح مكافحة فردية في هذه الخيمة أو تلك.
وأوضح أبو العنين أنهم ناشدوا بدورهم بلدية رفح، ووكالة الغوث، ويأملون بأن يتم مساعدة النازحين، ومواجهة هذه الآفة الخطيرة، لاسيما وأن استمرار انتشار القوارض على هذا النحو، وعبثها في طعام النازحين، يمكن أن ينتج عنه أمور خطيرة، كانتشار للأوبئة والأمراض، لذلك يجب التحرك قبل فوات الأوان، لافتاً إلى انهم بدؤوا مؤخرا حملة مكافحة بإمكانات محدودة.
في حين يقول النازح إبراهيم عايش، إنه يضطر لشراء مبيد حشري على نفقته الخاصة، وبأسعار عالية، لرش خيمته ومحيطها، لمكافحة الحشرات، كما اشترى كمية من الكبريت، ورشها حول الخيمة في محاولة لطرد الزواحف السامة.
وأكد عايش لـ"فلسطين بوست"، إن الأمر أصبح مُرهق، فإما رش الخيمة مرتين يومياً، أو المعاناة مع الحشرات، موضحاً أن كل هذا الانتشار للحشرات ونحن مازلنا في فصل الخريف، فكيف سيكون الحال في فصل الصيف القادم؟
تفشي الأمراض
واشتكى نازحون من تزايد إصابات أطفالهم بأمراض الجرب، وأمراض تنفسية وجلدية، إضافة للإسهال الناجم عن تلوث المياه والطعام.
وأكد المواطن باسل صيام، ويعيش وعائلته في خيمة في مواصي خان يونس، أنه ومنذ الأيام الأولى من نزوحه بدأت الأمراض تتفشى في صفوف أطفاله، إذ عانى بعضهم من أمراض جلدية، فيما يعاني آخرون من إسهال مزمن.
وأكد أنه وعائلته يشربون مياه مستخرجة من أحد الآبار الزراعية، دون أن تخضع لتعقيم، أو حتى فحوصات.
وأوضح صيام لـ"فلسطين بوست"، أنهم يعيشون وسط منطقة مُلوثة، مليئة بالحفر الامتصاصية والمياه العادمة تحيط بهم من كل جانب، وهذا كله تسبب في ارتفاع التلوث في محيطهم، وبالتالي زيادة الأمراض.
بينما أكد نازحون أنهم يشعرون أن الأمور من حيث انتشار الأوبئة والأمراض عادت للمربع الأول من العدوان، وهذا تزامن مع وضع صحي حرج في القطاع، حيث تعاني المشافي من نقص كبير في الإمكانات الطبية، وندرة في الادوية، ما يزيد من صعوبة الأمور.
بدورها، أشارت منسقة الفريق الطبي لدى منظمة أطباء بلا حدود في غزة "كيارا لودي"، إلى أن الأمراض الجلدية التي يعانيها الأطفال "نتيجة مباشرة لتدمير غزة والحصار الإسرائيلي المفروض عليها".
وتابعت: "يعالج طاقمنا عددا متزايدا من الأطفال الذين يعانون أمراضا جلدية مثل الجرب، الذي يسبب معاناة كبيرة، وفي الحالات الشديدة يؤدي إلى خدش الجلد حتى ينزف"
وأرجعت لودي إصابة الأطفال الفلسطينيين بالجرب إلى "عدم قدرتهم على الاستحمام".
وأشارت منظمة "أطباء بلا حدود" إلى أن "اليرقان والإسهال والجرب" من أكثر الحالات التي تعالجها طواقمها في خان يونس (جنوب) وهي ناتجة عن نقص إمدادات المياه الآمنة.
من جهتها حذرت المنظمة من أن نفاد الوقود الموجود في القطاع من شأنه أن يتسبب بـ"انهيار نظام المياه المتبقي بشكل كامل ما سيؤدي إلى قطع وصول الناس للمياه".
في حين أكد المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن خطر تفشي الأمراض المعدية في غزة يزداد مع انعدام مرافق الصرف الصحي وقلة مياه الشرب.
وأشار الى أن عمليات اللجنة في غزة مستمرة لكنها تخضع لقيود شديدة، مؤكدةً على أن عدم دخول الوقود إلى غزة يهدد بانهيار أنظمة تنقية المياه والمستشفيات.
انتشار المجاعة
مع مرور الوقت، واستمرار إغلاق المعابر التجارية، ومنع وصول المُساعدات الإنسانية، تتعمق المجاعة في القطاع بشكل أكبر، وتنفذ المواد الغذائية من الأسواق، وترتفع الأسعار، ويزيد الوضع سوءاً.
ويعاني سكان القطاع من الجوع والفقر، ويواجهون مخاطر جمة منها سوء التغذية، وسط مناشدات بضرورة العمل من أجل مساعدتهم.
ويقول المواطن إسماعيل طالب، من سكان شمال مدينة رفح، إنه اضطر للنزوح وعائلته تحت القصف والغارات، ولم يتمكن من أخذ شيء معه، وبقيت المُعلبات والطحين في منزله، وحين وصل محافظة خان يونس، توجه للسوق لشراء طعام لأبنائه، وقد صُدم بشح السلع وارتفاع الأسعار على نحو كبير، فثمن شوال الطحين الواحد وزن 25 كيلو وصل إلى 350 شيكل.
وأكد أن ما تبقى من مُعلبات في خيمته على وشك النفاذ، ولا يستطيع توفير مواد غذائية، فالأسعار، والأمور تتجه نحو الأسوأ.
وأشار إلى أنه عاش المجاعتين، خلال الأشهر الماضية، لكن المجاعة الحالية هي الأسوأ، ورافقها نقص وشح في مياه الشرب، وهذا الأمر كارثي.
واتجهت ما تُعرف بـ"التكيات الخيرية" في قطاع غزة، إلى تقليص عملها لأدنى الحدود، ووقف توزيع الطرود الغذائية للسكان المتضررين من الحرب، وذلك على إثر إغلاق إسرائيل لجميع معابر القطاع.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، فإن "منع إدخال المساعدات يؤدي لتدهور الواقع الإنساني على الصعيد المعيشي والصحي والبيئي"، مبينًا أن ذلك تسبب في نفاد السلع التموينية والمواد الغذائية الأساسية.
وأشار المكتب الإعلامي إلى أن التكيات توقفت عن العمل بسبب عدم توفر المواد التموينية، الأمر الذي حرم آلاف الأسر التي كانت تعتمد عليها في توفير قوت يومها، إلى جانب عودة آلاف الأسر لاستخدام الحطب بدلًا من عن غاز الطهي.
كتب: محمد الجمل