شهدت الأسابيع الماضية تكثيف الاحتلال عدوانه على قطاع غزة، وسيطرة قواته مزيداً من الأراضي، وطرد السكان منها، في أوسع عملية احتلال للأرض منذ عقود طويلة، تجاوزت حتى الآن مساحة 35% من القطاع.
وبدأ العدوان البري بشكل مُتدحرج، بالسيطرة على مناطق واسعة جنوب رفح، وشرق القطاع، ثم امتد ليشمل مناطق أخرى، مع استمرار توسعته، وتوقعات بامتداده ليشمل مناطق جديدة، خاصة في ظل تصاعد تهديدات الاحتلال.
تعميق السيطرة على الأرض
والمناطق التي تخضع حالياً للسيطرة والاحتلال من قبل الجيش الإسرائيلي، هي النصف الشرقي من محور "نتساريم" حتى شارع صلاح الدين، وسط القطاع، بالإضافة لمدينة رفح بالكامل، وأجزاء من جنوب خان يونس، بمساحة إجمالية تزيد على 75 كيلو متر مربع، وكذلك نحو 20% من محافظة خان يونس، وتشمل المناطق الشرقية منها، خاصة خزاعة، عبسان، وأجزاء من بلدة بني سهيلا، ومعن، والمنارة، والسلام، وغيرها.
كما بدأ الاحتلال مؤخراً بالتقدم التدريجي باتجاه أحياء شرق مدينة غزة، خاصة الشجاعية، التفاح، التركمان، وبدأ بإقامة منطقة عازلة عبر شريط طولي بعمق يتراوح ما بين 700 إلى 1100 متر غرباً.
كما بدأ الاحتلال بحشد قواته البرية في محيط بلدات شمال القطاع، وخاصة جباليا، بيت لاهيا، بيت حانون، مع بدء تقدم بري في اتجاه بعض المناطق، وسط تهديدات إسرائيلية بتوسعة المنطقة العازلة على هذا المحور، ما يعني احتلال ومصادرة المزيد من الأراضي.
وإلى جانب السيطرة الفعلية على مساحة 35% من القطاع، أصدر الاحتلال أوامر إخلاء واسعة، شملت مناطق تزيد مساحتها على 30% من القطاع، ولم يتم احتلالها بعد، لكنها تتعرض لقصف جوي ومدفعي عنيف، ما أجبر السكان على إخلائها، وتشمل تلك المناطق، شرق وجنوب محافظة خان يونس بالكامل، شرق المحافظة الوسطى، بالإضافة لشمال مخيم النصيرات، وشرق مدينة غزة، وجنوبها، أجزاء واسعة من شمال القطاع.
ويعني ذلك أن سكان القطاع يعيشون حالياً على مساحة ربما تقل على 35% من المساحة الإجمالية، ويتكدسون في ثلاث تجمعات رئيسية، وهي غرب مدينة غزة، وغرب محافظة خان يونس "المواصي"، والجزء الغربي من المحافظة الوسطى، خاصة مدينة دير البلح، وبلدة الزوايدة، ورغم ذلك تُلاحقهم الطائرات وتقصف خيامهم وتجمعاتهم بشكل يومي.
تقسيم القطاع
ووفق محللون فإن الجيش الإسرائيلي يعمل على تقسيم قطاع غزة إلى 5 مناطق عبر 5 محاور، تطبيقا لخطة وزير الدفاع الإسرائيلي "يسرائيل كاتس"، لتصبح المناطق أشبه بـ"جزر معزولة" عن العالم الخارجي وعن بعضها البعض، وهي كالتالي من الشمال حتى الجنوب:
ووفق محللون فإن الجيش الإسرائيلي يُخطط لإنشاء مزيداً من المحاور، حيث سيتم إنشاء محور جباليا "ميفلاسيم" الذي يمتد من كيبوتس ميفلاسيم شرقا حتى بحر السودانية غرباً، ويفصل مدينتي بيت لاهيا وبيت حانون ومخيم جباليا عن مدينة غزة.
والمحور الثاني "محور نتساريم" الذي يمتد من كيبوتس "بئيري" شرقا حتى حي الشيخ عجلين على شارع الرشيد غربا، ويفصل مدينة غزة والشمال عن وسط وجنوبي القطاع.
أما المحور الثالث الذي يُخطط الإحتلال لإنشائه، هو محور "كيسوفيم" الذي يمتد من موقع "كيسوفيم" العسكري شرقا حتى مواصي خان يونس غربا، ويستخدم لتسهيل حركة وتنقلات الجيش الإسرائيلي.
هذه المحاور كلها قد تُضاف لمحور "موراج" والذي يواصل جيش الاحتلال إقامته، ويمتد من كيبوتس "نير يتسحاق" شرقا حتى مواصي خان يونس غربا، ويفصل محافظة رفح عن قطاع غزة بالكامل.
بالإضافة للمحور الخامس، وهو محور صلاح الدين "فيلادلفيا" الذي يمتد من موقع كرم أبو سالم شرقا وحتى مواصي رفح غربا، ويفصل قطاع غزة كليا عن مصر.
رفح بداية الخطة
وانتهى جيش الاحتلال مؤخراً من إحكام سيطرته على محافظة رفح بشكل كامل، بعد احتلالها، وطرد جميع سكانها منها، والإعلان رسمياً عن ضمها بالكامل للمنطقة العازلة.
فصباح الأول من شهر نيسان الجاري، بدأت قوات الاحتلال بالتحرك نحو رفح من عدة محاور، وسيطرت الدبابات والمُسيرات على جميع أحياء المدينة، وبدأت بإقامة محور فصل جديدة يُسمى "موراغ"، يفصل المدينة عن جارتها خان يونس، ويعزل رفح عن كامل قطاع غزة.
وأعلن الاحتلال أنه بدأ بتحويل كامل مدينة رفح لمنطقة عازلة، تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، ويمنع السكان من العودة إليها.
من جهتها أكدت مصادر أمنية إسرائيلية أن المنطقة العازلة في رفح ستتكون من مساحة 75 كيلومترًا مربعًا، تقع بين محور "فيلادلفيا" جنوبًا وممر "موراج" شمالًا، وتشمل مدينة رفح والأحياء المجاورة لها، حيث بدأ الجيش الإسرائيلي بهدم جميع المباني فيها.
ونقلت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن مصادر أمنية أن المنطقة أصبحت "شبه مهجورة" في الأسابيع الأخيرة، بعد الدمار الواسع الذي ألحقه بها الجيش الإسرائيلي الذي طالب من تبقَّى منها من السكان بالمغادرة.
ونبَّهت الصحيفة أن توسيع المنطقة العازلة إلى هذا الحد ينطوي على "تداعيات بالغة"، موضحة: "ليس فقط لأنه يضم مساحة واسعة من القطاع، ولكن لأنه سيحوّل غزة فعلياً إلى جيب داخل أراض محتلة، ويعزله عن الحدود المصرية".
ونقلت "هآرتس" عن مصادر دفاعية قولها إن هذا الاعتبار كان له دور في قرار التركيز على رفح.
ووفقا لتقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، صدر أمر بإخلاء 22 حيًا في محافظتي رفح وخان يونس، في 31 مارس/آذار، وبما يشمل مساحة قدرها 97% من محافظة رفح، وتغطي 64 كيلومترًا مربعًا.
ومن المنشآت الموجودة في هذه المنطقة مستشفيان ميدانيان و4 مراكز للرعاية الصحية الأولية و7 نقاط طبية وما لا يقل عن تسعة مطابخ مجتمعية نُقلت إلى خان يونس.
وبين يومي 31 مارس/آذار و1 أبريل/نيسان، أشارت التقديرات إلى نزوح نحو 90 ألفا من رفح، وهم الآن مشتتون في مدينة خان يونس ومواصي خان يونس ودير البلح.
أهداف عزل رفح
وقدم محللون استراتيجيون عدة سيناريوهات وأهداف لعزل رفح، ومستقبل هذه الخطط ما بين النجاح والفشل، إذ أكدوا السيناريو الأول يتمثل في نجاح الاحتلال في إقامة منطقة عازلة لأمد طويل، دون استبعاد السيناريو المضاد بفشل المشروع بفعل المقاومة الفلسطينية، والرفض المصري والدولي، ولطبيعة الموقف الأميركي دور مهم في هذا الصدد.
كما قدم المحللون سيناريو ثالث يأن يكون الأمر مجرد ورقة ضغط لتحسين شروط أي تسوية مستقبلية في الأسابيع المقبلة، وهو ما يتسق مع الأنباء المنقولة عن ترامب، ومبعوثه ستيف ويتكوف بشأن قرب التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار.
وكذلك ما نقلته صحيفة معاريف الإسرائيلية عن وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس أثناء زيارته رفح، إن إسرائيل "أقرب إلى صفقة" من التصعيد العسكري. وتحليل مراسلها "آفي أشكنازي" بأن السيطرة على رفح هي وسيلة ضغط سياسي على حماس لقبول صفقة رهائن تشمل وقف إطلاق نار.
كتب: محمد الجمل