بات واضحاً أن رئيس حكومة الاحتلال بن يامين نتنياهو، انقلب بشكل مفاجئ على اتفاق التهدئة الذي تم التوصل إليه برعاية ووساطة قطرية، ومصرية، وأميركية، وامتنع عن الدخول في المرحلة الثانية، وحاول فرض رؤية جديدة، واتفاقات جديدة، للتنصل من استحقاقات الاتفاق، لاسيما الإعلان عن وقف الحرب، والانسحاب من قطاع غزة.
ووفق محللون وخبراء، فإن التناقضات الكبيرة داخل حكومة نتنياهو، وتهديدات اليمين الإسرائيلي المُتطرف، بقيادة وزير المالية "سيموتريتش" بالانسحاب من الحكومة وحلها، أجبرت نتنياهو على تجنب الدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق، واستمرار المراوغة السياسية، رغم الضغوط الكبيرة التي يتعرض لها داخلياً.
لكن هذا التنصل، الذي قابلته حركة "حماس"، وفصائل المقاومة، بالتمسك بالاتفاق، والإصرار على الدخول من المرحلة الثانية فيه، ورفضها ما قدمه نتنياهو من بدائل، لا تشمل وقف الحرب، ولا الانسحاب من القطاع، وضع الاتفاق برمته على المحك، وهدد بعودة الحرب إلى غزة من جديد.
هل تعود الحرب؟
وفيما يخص فرص تجدد الحرب في المستقبل، يرى الكاتب والمُحلل السياسي الدكتور طلال أبو ركبة، بأن فرص عودة الحرب صعبة، مُرجعاً ذلك لسببين الاول مرتبط بالضوء الأخضر الأميركي، وهو معطل حتى اللحظة، كون إدارة ترامب تريد إعطاء فرصة للمبادرة العربية، لإيجاد حل ينهي الازمة، ويقصى حركة "حماس"، من المشهد، حيث ترغب إدارة ترامب في إثبات نجاحها في فرض الحل، والمتابع يلحظ ان ويتكوف يتعامل مع كافة الاطراف باعتبارهم ادوات للتنفيذ، وليس مقررين بما في ذلك نتنياهو نفسه.
وأكد أبر ركبة، أن تجربة أميركيا السابقة مع أفغانستان والعراق، تقول ان إدارة ترامب لن يكون لديها مانع في حال استجابت حركة "حماس"، للتحولات المطلوبة منها وفي المقدمة تفكيك قدراتها العسكرية، وابتعادها عن المشهد السياسي، أو قبولها بشروط ربما هي صعبة وقاسية الان نافذة لفرض الرؤية الأمريكية.
أما السبب الثاني بحسب أبو ركبة، يعود الي حاجة نتنياهو تمرير الموازنة في الكنيست، وفي حالة فشله فإن ذلك يعني تفكيك الائتلاف الحكومي، والذهاب للانتخابات مبكرة وهو ما لا يرغب ذلك مُطلقاً.
ويرى أبو ركبة أن السيناريو الأقرب تمديد المرحلة الحالية من التهدئة، وبدء التفاوض حول المرحلة الثانية، ضمن مقاربات أميركية وليست إسرائيلية، وان كانت المقاربة الأمريكية ستأخذ في الحسبان كل احتياجات إسرائيل الأمنية.
وفقاً لرئيس مجموعة الحوار الفلسطيني صادق أبو عامر، فإن "الطرف الإسرائيلي يسعى للإفراج عن الأسرى المخطوفين، بينما ترغب المقاومة الفلسطينية في تسريع الجانب الإنساني وإعادة إعمار غزة هذا التباين في الأولويات قد يعقد تنفيذ الاتفاق، خصوصاً في ظل الضغوط الداخلية الإسرائيلية التي تطالب بحل سريع لهذه القضية.
وأشار أبو عامر أيضاً إلى أن "الاتفاق يعتمد على مبدأ المزامنة، وينتهي بإطلاق آخر الرهائن الذين تحتجزهم حماس"، مما يعني أن أي تعثر قد يؤدي إلى انهيار شامل للاتفاق.
كما لفت إلى أن "استمرار الحرب يتعارض مع فلسفة اسرائيل كملاذ آمن لليهود"، وهو ما يفسر الانقسامات داخل المؤسسة الإسرائيلية بشأن جدوى التصعيد العسكري.
في حين يرى الخبير في الشأن الإسرائيلي حسن لافي أن إسرائيل تتفاوض بشكل غير مباشر عن طريق الأمريكان، وهذا امر مقصود من قبل نتنياهو، الذي يُريد في حال تم التوصل لاتفاق يكون ضمن إطار جديد يختلف عن إطار اتفاق الدوحة الذي يلزمه تنفيذ المرحلة الثانية، الذي يرفضها، وأيضا الإطار الجديد في حال تقديم تنازلات إسرائيلية، مثل الانسحاب من "فيلادلفيا" مثلا، لن يجرؤ أحد من شركاء نتنياهو، وخاصة "سيموتريتش"، بإغضاب ترامب، وبذلك يمرر نتنياهو الاتفاق الجديد دون إسقاط حكومته.
ويضيف لافي في الجانب الآخر فإن الجيش بقيادة رئيس أركانه الجديد "ايال زامير" وضع اللمسات العملاتية للعملية العسكرية في غزة في حال فشلت المفاوضات، والتي ترتكز على الضربة المفاجئة والقصف الجوي المكثف والاجتياحات المحدودة في البدايات، وهذه الخطة تستخذها إسرائيل كنوع من الضغوط في الفترة الحالية.
وأشار لافي إلى أن وجود مبعوث ترامب للشرق الأوسط "ستيف ووتكوف"، في الدوحة يؤكد أنه ربما يكون هناك اتفاق جديد لأنه أجل قدومه لمدة عشرة أيام تقريبا.
مرواغة وتحايل
بينما يرى محللون بأن نتنياهو في أزمة كبيرة، لكنه يعمد إلى إدارة الأزمات بطريقة محسوبة، حيث يعتمد على كسب الوقت والمناورة بين الأطراف المختلفة".
ويرى المُحلل نضال كناعنة أن الاتفاق مع "سيموتريتش" كان بمثابة "تفاهم مؤقت يسمح بتجنب تفكك الحكومة".
وأضاف كناعنة: "نتنياهو يتبنى استراتيجية إدارة الصراعات، التي تهدف إلى إبقاء جميع الخيارات مفتوحة، هذا يشمل ضمان استمرار حكومته من جهة، ومحاولة استرضاء التيار اليميني المتطرف من جهة أخرى".
ضغوط مصرية وقطرية
وبات واضحاً أن مصر وقطر وهما الوسيطان الفاعلان في التهدئة، وكلا الدولتين قادتا محادثات تهدف لوقف إطلاق النار منذ أكثر من 14 شهراً، مازالتا تمارسان ضغوطاً كبيرة على جميع الأطراف، لضمان عدم انهيار الاتفاق.
واكد مصدر مصري مطلع، إن الوساطات المصرية القطرية تسعى لإيجاد مخرج يضمن تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، بشكل متوازن ويحافظ على التهدئة لتجنب تصعيد جديد، مؤكدًا أن القاهرة والدوحة تبذلان جهودًا لتنفيذ قرار وقف إطلاق النار في غزة.
وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على "أهمية تثبيت وقف إطلاق النار في غزة بما يؤدي إلى استعادة الاستقرار الإقليمي"، مشدداً على ضرورة تسهيل إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
من جهته، شدد وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني على أهمية التزام جميع الأطراف ببنود الاتفاق، مشيراً إلى أن "المفاوضات بشأن المرحلة الثانية لم تبدأ بعد بسبب عدم وجود خطة واضحة"، وهو ما يعكس حالة الجمود التي تهدد الاتفاق.
كتب: محمد الجمل