شهد الأسبوع الماضي سلسلة من التطورات الدراماتيكية، التي من المحتمل أن تُلقي بظلالها على سير الحرب المُستمرة على جبهتي غزة ولبنان.
فقد أقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بن يامين نتنياهو، على إقالة وزير دفاعه "يوآف غالانت"، والذي يُعد شريك نتنياهو في حرب الإبادة على قطاع غزة، وواحد من أكثر وزراء دفاع إسرائيل دموية في تاريخها، ففي عهده قتل الاحتلال أكثر من 50 ألف فلسطيني، وجرح ما يزيد على 100 ألف، وأجبر الاحتلال أكثر من 2 مليون مواطن على النزوح.
لكن إقالة "غالانت"، خطوة تنبئ بتطورات قادمة على مختلف الجبهات، فالأخير كان يدعو وبشدة لإنهاء الحرب، والانسحاب من محور صلاح الدين "فيلادلفيا"، ويشدد على أهمية القيام بصفقة تعيد الاسرى الإسرائيليين، ويعارض توسيع رقعة العدوان باتجاه جبهات أخرى غير غزة ولبنان.
ويرى محللون أن إقالة "غالانت"، ينبئ باستمرار الحرب لفترات قادمة، وتوسيعها، ويبدد كل فرصة لتحقيق الهدوء، خاصة أنه وبعد يومين فقط من تنفيذ الإقالة، صعد إلى سدة الحكم المرشح دونالد ترمب، وهو أكثر رؤساء أميركا تأييداً لإسرائيل، ومعروف بصداقته الكبيرة مع نتنياهو، وتأييده لخططه.
تراجع الآمال بنهاية قريبة للحرب
وبفعل التطورات الأخيرة، تراجعت آمال المواطنين في قطاع غزة بنهاية قريبة للحرب، وسط مخاوف من تصعيد كبير وممتد على جبهة غزة، يتجاوز مناطق شمال قطاع غزة، ورفح، وصولاً لباقي مناطق قطاع غزة.
وأكد مواطنون أن المناخ العام يشير إلى التصعيد، وتعميق الحرب، وربما فتح جبهات جديدة، خاصة بعد اقالة وزير الدفاع الإسرائيلي "غالانت"، الذي كان يُطالب باستمرار بإنهاء الحرب على قطاع غزة، وتحول تشكيل الحكومة الإسرائيلية إلى يمينية مُتطرفة، هدفها تدمير غزة ولبنان، وضرب إيران، وهذا جاء في ظل فوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يدعم ضرب إيران، ويعتبر من أكثر رؤساء أميركا تطرفاً.
وأكد المواطن فادي جمعة أن الوضع صعب، والمستقبل لا يحمل نهاية وشيكة للحرب، فكل المُعطيات تُشير إلى أننا على أعتاب تصعيد كبير، ستتجاوز حدوده الجغرافية غزة ولبنان.
وأشار إلى أن الاحتلال قد يُعمق عدوانه على قطاع غزة، خاصة مُخيم النصيرات، ويزيد من احتلال بعض المناطق، ويوسع حالة النزوح والتهجير.
وبين أن طائرات الاستطلاع تُحلق بشكل مُكثف في أجواء مواصي خان يونس وعموم المحافظة، وكأن هذا يبدو كمقدمة لتنفيذ عمليات جديدة في تلك المناطق.
وأشار جمعة وهو نازح من مدينة رفح، إلى أن العودة لرفح في ظل المُعطيات الجديدة لن تكون قريبة، فاحتلال المدينة سيطول، وتدميرها سيتعمق.
بينما يعتقد المواطن شريف مصطفى أن فرص الهدوء وانهاء الحرب تلاشت تماماً، وأن المرحلة المقبلة هي مرحلة تصعيد وحرب شعواء، وغزة والضفة ستواجه عدوان لا يتوقف.
وأشار إلى أنه وأمام المعطيات الجديدة، يجب على الفلسطينيين التوحد، والصمود في الميدان، فهذا يُمثل طوق النجاة الوحيد لمواجهة مُخططات الاحتلال، وإفشال محاولات تصفية القضية الفلسطينية التي ستحاول إسرائيل وأميركا فرضها في المُستقبل، مع تصعيد محاولات تهجير الفلسطينيين.
وأكد أن المنطقة بأسرها قد تشهد تغيرات جذرية، والأمور قد تصبح أكثر صعوبة، فالتطرف في إسرائيل وأميركا يحكم المنطقة، وهذا لا يُبشر بالخير مطلقاً.
ترمب ومستقبل المنطقة
بينما يري مدير عام مركز القدس للدراسات السياسية، عريب الرنتاوي، أن فوز ترمب يعني بالنسبة للقضية الفلسطينية تشكيل تحالف “أعمق مع اليمين الفاشي في إسرائيل على حساب الفلسطينيين وحقوقهم”.
وأوضح الرنتاوي أن ترمب سيعمل على منح السعودية والإمارات أدوار أكبر في المنطقة على حساب الأردن ومصر.
بينما يرى الأكاديمي الموريتاني محمد المختار الشنقيطي، أن المنطقة قد تكون بحاجة بالفعل إلى ترمب بدلاً من هاريس.
وقال “ربما يكون أهل منطقتنا بحاجة اليوم إلى بلطجة ترمب واستفزازه وابتزازه، أكثر من حاجتهم إلى نفاق هاريس وعصابتها، التي تنافق أهل المنطقة وهي تذبحهم من الوريد إلى الوريد”.
وتابع “فمستوى الغفلة والخذلان وبلادة الإحساس التي كشفتها طوفان الأقصى في صفوفنا لا يعالجه إلا لهيب السياط الحارقة”.
أما المفكر السعودي مهنا الحبيل، فقال إن هاريس ورغم تحفظها النسبي على تأييد بايدن المطلق للإبادة الجماعية في غزة، إلا أنها خضعت لـ”ماكينة الحزب الديمقراطي العميقة” والتي حسمت الأمر بالانحياز إلى الاحتلال في عدوانه على قطاع غزة.
وأضاف الحبيل أن “تغول الليبرالية الاجتماعية على حياة الإنسان الفطري” في الولايات المتحدة، تسببت أيضا بنفور طيف من الأمريكيين عن هاريس وميلهم إلى ترامب، في إشارة إلى أن الأخير اتخذ مواقف حاسمة ضد المثليين، وحق المرأة في الإجهاض.
أما الرئيس التنفيذي لمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية نهاد عوض، فأكد أن دعم العدوان على غزة ساهم بشكل كبير في سقوط هاريس.
وقال عوض “حذرنا إدارة بايدن/هاريس مرارا خلال حرب الإبادة على غزة بأننا سنتذكرهم في نوفمبر، أي يوم الانتخابات، في حال لم يطالبوا و ينفذوا قرار وقف الحرب على غزة. واليوم تذكرناهم. و نفذنا ما وعدنا به.. و لا ندم”.
مزيد من التطرف
في حين يقول المحلل والكاتب الاسرائيلي "تائير ألتشولر" أنّ: "ولاية ترامب الثانية قد تؤدي لدعم أمني قوي لدولة الاحتلال، واتخاذ موقف أمريكي حازم ضد إيران، والسعي لتوسيع اتفاقيات التطبيع مع دول عربية إضافية".
وأضاف "ألتشولر"، أنه: "رغم ذلك فإن سياسة "أمريكا أولاً" قد تؤدي أيضًا لزيادة العزلة الدبلوماسية، وتؤثر على علاقات الاحتلال مع الديمقراطيين وحلفاء الولايات المتحدة في أوروبا".
وتابع: "التأثير المباشر لفوز ترمب على العلاقات الإسرائيلية الأمريكية يعيد للأذهان أن ولايته الأولى قد أسفرت عن قرارات مهمة للاحتلال، أهمها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، والاعتراف الأمريكي بسيادة الاحتلال على هضبة الجولان، وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، وكل ذلك عزّز علاقته مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووفّر للاحتلال الدعم الدبلوماسي".
وأشار: "ترامب قد يعمل على العودة لسياسته "أمريكا أولا"، ما يعني انخراطا أقلّ في الشرق الأوسط، لكنه في الوقت نفسه سيدعم فرض عقوبات أكثر صرامة على إيران، والتعبير عن موقف صارم ضد منظمتي حماس وحزب الله، الأمر الذي يدفع للحديث عن التأثير المتوقع لفوزه على مستقبل الحرب الجارية".
تلاقت المصالح..
في حين يقول المحلل السياسي محمد القيق، إن نتياهو حلمه ضرب إيران، وترامب حلمه تدمير الصين.. التقت المصالح والأمنيات، والمشهد تصعيدي بعكس ما يروَّج له من هدوء..
وتابع القيق: "لا تستعجلوا القراءة بناء على الدعاية.. لو كان الأمر بالدعاية لكانت الدولة الفلسطينية أقيمت في عهد أوباما أو قبله.. الميدان تغير كثيرا والتوقيت لم يعد كذاك الزمان، وأي تسويات لن تكون إلا على حساب أحادية القطبية التي تهتز أمام المتغيرات لا يملك ترامب تجاوزها إلا في حالتين فقط؛ إما التصعيد الكبير أو الانصياع لعالم متعدد الأقطاب".
كتب: محمد الجمل