دخل العدوان الإسرائيلي المُستعر على محافظة رفح، جنوب قطاع غزة، مراحل جديدة في الأيام الماضية، مع توسع الاحتلال في إحراق المنازل والمؤسسات والمرافق المختلفة، وتصاعد عمليات التدمير ونسف المربعات السكنية على نحو خطير وغير مسبوق.
فعلى مدار الساعة باتت تُشاهد سحابات من الدخان الكثيف تتصاعد من داخل رفح، جميعا نتجت عن حرق متعمد للمنازل التي أُجبر سكانها على إخلائها، إضافة لإحراق مؤسسات خدماتية، ومساجد، بالتزامن مع دوي انفجارات كبيرة، تنجم عن نسف مربعات سكنية.
حرائق متعمدة
ووفق ما أكدته مصادر "متطابقة لـ"فلسطين بوست"، فإن الحرائق تتركز في الوقت الحالي في مركز المدينة، خاصة محيط ميدان العودة، وحي الشابورة، وحي قشطة، ومنطقة "السوق التجاري"، وجميعها تُعتبر مناطق هامة، وتُصنف بأنها عصب المدينة، ومركز التجارة والتسوق فيها.
وقال المواطن أيمن جبر، واستطاع الوصول لحي الجنينة شرق محافظة رفح قبل عدة أيام، بعد تراجع وإعادة تموضع محدود للدبابات من المنطقة، إن الوضع في رفح كارثي، والاحتلال يحرق كل شيء، موضحاً أنه شاهد العشرات من المنازل تعرضت للحرق، في مشهد كارثي ومحزن.
وأكد جبر لـ"فلسطين بوست"، أنه شاهد أعمدة الدخان تتصاعد من مركز المدينة، موضحاً أن الاحتلال يتعمد عدة أساليب وطرق في إحراق المحافظة، منها صواريخ حارقة محمولة على الكتف، وقذائف حارقة تُطلق من الدبابات، وبمجرد انفجار الصاروخ أو القذيفة تشتعل النار في المنزل او المؤسسة.
وأوضح جبر أن الجنود يُطلقون طائرات مُسيرة محملة بمقذوفات حارقة، يتم إطلاقها عبر النوافذ باتجاه أهداف قابلة للحرق، كالأثاث الخشبي، أو الفراش، وهذا يُسهل إشعال الحرائق، ويجعل خطر امتدادها لمنازل مجاورة كبير.
في حين قال المواطن محمود قشطة، إن الأخبار التي وصلته تشير إلى أن الاحتلال أحرق ودمر معظم منازل الحي الذي يقطنه، وأن الحرائق في "حي قشطة"، كانت كبيرة، وامتدت، وأسنة النار التهمت أغلب المنازل.
وأكد قشطة لـ"فلسطين بوست"، أن الحرائق التي اشعلها الاحتلال تركزت على عصب المدينة ومركزها، وهناك محال تجارية، ومحال ملبوسات جرى إحراقها كلياً، موضحاً أن رقعة النار المشتعلة انتقلت لحي تل السلطان، والحي السعودي، وتُشاهد أسنة النار والدخان تتصاعد من داخل الأحياء المذكورة.
وأوضح قشطة ومواطنون آخرون أن رقعة الحرائق اتسعت بعد الإعلان عن إدخال "الفرقة 98"، التابعة للجيش الإسرائيلي إلى رفح، وهي فرقة سيئة السمعة، تشتهر بالتدمير والحرق، وسبق وعملت في محافظة خان يونس، ودمرت المدينة وأحرقتها بشكل شه كلي.
في حين قال المواطن على عبيد، وتعرض منزله للحرق في مركز المدينة، إن الاحتلال يطبق في رفح ما فعله سابقاً في خان يونس، لكن ربما على نحو أوسع وأخطر، وحاول خلق أكبر قدر من الدمار والخراب في المحافظة، وجعلها غير قابلة للحياة.
وبين عبيد أن كل ساعة تمر من عمر العدوان المستمر تكلف المحافظة مزيداً من الخسائر، وتُحول مئات بل آلاف المواطنين إلى مهجرين لا مأوى لهم، معبراً عن اعتقاده بأن جيش الاحتلال لن ينسحب من رفح قبل إكمال مهمته التي جاء من اجلها، وهي تدمير المحافظة.
جدير ذكره أن الاحتلال لأول مرة يستخدم أسلوب الحرق على هذا النطاق الواسع ضد قطاع غزة، إذ ألمحت وسائل إعلام إسرائيلية في وقت سابق، بوجود جنود متخصصون في إحراق المنازل، ويستخدمون في سبيل ذلك طرقاً متنوعة ومختلفة، منها ما أقر به ضباط إسرائيليون، بأنهم يحرقون البيوت التي مكثوا فيها بمجرد انتهاء مهمتهم، وقبيل مغادرتها.
وأحرقت قوات الاحتلال صالات المسافرين داخل معبر رفح، الذي تسيطر عليه، خاصة الصالة الرئيسية، التي التهمتها النيران بشكل كامل، وتسببت بجعلها غير صالحة للاستعمال.
تدمر مربعات سكنية
ولم يكفِ الاحتلال بعمليات إحراق المنازل في المحافظة، إذ تعمدت قواته تدمير ومسح مربعات سكنية بالكامل، وتدمير آلاف المنازل.
وقال المواطن أكرم عثمان، من سكان مخيم رفح، إنه اطلع على صوراً حديثة للأقمار الاصطناعية لمناطق مخيم رفح، وتحديداً مخيمي يبنا والشابورة، وقد صُعق بحجم الدمار الذي أحدثته آلة الحرب الإسرائيلية في تلك المناطق.
وأوضح عثمان لـ"فلسطين بوست"، أن خمس مربعات سكنية كاملة مسحت تماماً عن الخارطة في مخيم يبنا، عدا عن دمار فاق 60% باقي المربعات والتجمعات السكنية، موضحاً ان مخيم الشابورة المجاور لم يكن أفضل حالاً، إذ تعرضت مربعات سكنية واسعة في تلك المنطقة للتمير والتخريب.
وبين عثمان، أنه ورغم حجم الدمار الواسع، إلا أن نسف المربعات السكنية لم يتوقف حتى اللحظة، وأسنة النار والدخان تشاهد تتصاعد من مناطق الاجتياح على مدار الساعة.
في حين قال المواطن عبد الله المصري، من سكان شمال المحافظة، إنه استطاع الوصول لحي الجنينة، وصعد إلى شقته في الطابق الثالث، ونظر إلى مركز المدينة فصدم من هو المشهد، وحجم الدمار الكبير في تلك المناطق.
وأكد المصري لـ"فلسطين بوست"، أن مربعات سكنية مسحت عن الخارطة، وكأن زلزال ضربها، وبعض المناطق التي تعرضت للتدمير، جرى مسح المنازل، وإزالة الركام، وتحويلها لمربض للدبابات.
وأكد أن ومن خلال مشاهداته بالعين، وعبر متابعات لصور الأقمار الاصطناعية، لاحظ أن الدمار تركز في مناطق معينة، منها مخيم رفح، ومركز المدينة، والمناطق الأكثر قرباً من الحدود المصرية الفلسطينية جنوب رفح.
بينما قال المواطن شريف مصطفى، إنه سمع عن تدمير مربعات سكينة، وبحث حتى وجد أحدث صورة للأقمار الاصطناعية تظهر منطقة مخيم يبنا بالكامل، وبعض مناطق مخيم الشابورة، وبعد التدقيق اكتشف أن المربع السكني الذي يقيم فيه تم تدميره كلياً، وان الدمار تخطى حدود منزله ومنازل جيرانه، وتوسع باتجاه مسجد الهدى ومنطقة محيط "جمعية الأمل"، وقرب السوق المركزي.
وأشار مصطفى لـ"فلسطين بوست"، إلى ان ما شاهده يظهر أن ما بين 70-80% من منازل ومباني مخيم يبنا جنوب رفح جرى تدميرها ومسحها عن الخارطة تماماً، واكثر من نصف منازل مخيم الشابورة دُمرت، بينما لازال المخيم المذكور يتعرض للتدمير حتى الآن.
وأكد مواطنون وشهود عيان لـ لـ"فلسطين بوست"، أن الاحتلال استخدم في تدميره الواسع لرفح ثلاث طريق رئيسية، الأولى قصف الطائرات باستخدام البراميل المتفجرة، والقنابل الكبيرة، والاحزمة النارية، وهذا الأسلوب تركز في بداية الاجتياح البري، وتسبب بتدمير عدد كبير من المنازل، ثم تبع ذلك أسلوب نسف المربعات السكنية، وهي طريقة إسرائيلية مُستحدثة، تحدث عبر زرع ألغام داخل عشرات البيوت، ثم تفجيرها دفعة واحدة، وتحويلها على ركام.
أما الأسلوب الثالث فهو استخدام واسع للجرافات، إذ دخلت إلى محافظة رفح مئات الجرافات المصفحة برفقة القوات البرية، وتلك الجرافات ومعظمها من نوع "D9"، أميركية الصنع، ذات قوة كبيرة، بإمكانها سحق منزل كامل مكون من طابق واحد في غضون دقائق معدودة.
وتعتبر هذه الجرافات هي المصدر الأكبر للتدمير، إذ هدمت وجرفت آلاف المنازل، واقتلعت طبقة الإسفلت، ودمرت مرافق البنية التحتية، بما في ذلك شبكات المياه والصرف الصحي، وأعمدة الكهرباء.
وقالت مصادر متطابقة إن الاحتلال يعتمد أسلوب التركيز في تدمير الأحياء والمخيمات، إذ يتم الدفع بعدد كبير من الآليات والفرق الهندسية لمنطقة معينة، يتم العمل فيها لأيام، وتدميرها بشكل كامل، ثم تنتقل الآليات للعمل في منطقة أخرى، وهكذا.
كتب: محمد الجمل