مع قرب انهاء العدوان البري الإسرائيلي على محافظة رفح جنوب قطاع غزة شهره الأول، بات حجم الدمار والخرب في أحياء رفح كبيراً وواسعاً، مع تركزه على طول ممر صلاح الدين الحدودي "محور فيلادلفيا"، وكذلك حي التنور، وأحياء وسط رفح.
فعلى مدار الساعة تُواصل آلة الحرب الإسرائيلية عمليات التدمير والتخريب في رفح، إما من خلال نسف مربعات سكنية، أو تجريف منازل ومرافق بنية تحتية، أو عبر الغارات الجوية والأحزمة النارية المكثفة، التي تستهدف مربعات سكنية وتتسبب في تدميرها.
دمار واسع وسريع
وتُشاهد يومياً أعمدة من الدخان الكثيف تتصاعد من مناطق في قلب رفح، تنجم عن عمليات التدمير المستمرة للأحياء السكنية، خاصة في حيي السلام والبرازيل، ومخيم يبنا، الملاصقة للحدود المصرية، إضافة لحي التنور شرق رفح، مع الاستمرار في إلى تدمير أحياء وشوارع بأكملها في مركز المدينة.
وقال المواطن خالد حمدان، إنه نزح عن منزله في بلدة مصبح شمال رفح قبل يومين، وخلال فترة تواجده هناك كان يُراقب من على سطح منزله ما يحدث في رفح، فالاحتلال حول المحافظة إلى ساحة للتدمير والتخريب، ووضع كل إمكاناته لمسح ما استطاع من أحيائها عن الخارطة تماماً.
وأشار إلى أنه بمعدل كل ساعة تحدث عمليات نسف لمربع سكني جديد، وهذا يتزامن مع تنفيذ الطائرات غارات مكثفة، وأحزمة نارية، تتسبب في تدمير ونسف مزيداً من المربعات السكنية.
وأكد حمدان لـ"فلسطين بوست"، أنه ومن خلال متابعة سابقة لما كان يحدث في خان يونس من تدمير، لاحظ أن عمليات التدمير والنسف في رفح أوسع وأكبر بكثير، وتنفذ في جميع المناطق في آن واحد.
في حين قال المواطن محمد أبو عمرة، ونزح مؤخراً من منطقة خربة العدس شمال رفح، إنه لاحظ بأن عمليات التدمير في رفح تسير بوتيرة أسرع بكثير عما كان يحدث في خان يونس، والاحتلال لا يُضيع أي دقيقة، فالنسف والتدمير يحدث في كل المناطق بالتزامن، لذلك يمكن تفسير دفع الاحتلال بالمزيد من الألوية، خاصة المشاة، التي يقوم أفرادها بزرع المتفجرات في البيوت تمهيداً لنسفها.
وبين أبو عمرة لـ"فلسطين بوست" أن ما يُشاهده من دمار بدأ في اللحظة الأولى من الاجتياح البري، يشير إلى حقيقة واحدة، وهي أن هدف حملة الاحتلال على رفح هو تدميرها، وتهجير سكانها عنها، وجعلها غير قابلة للحياة بعد ذلك، وهو ذات الهدف لعملية خان يونس، لكن ربما يكون سيناريو رفح أسوأ.
روايات صادمة
نقلت "فلسطين بوست" روايات صادمة، لمواطنين شاهدوا جزء من الدمار الذي تعرضت له الأحياء في رفح، ومنهم الشاب خالد حماد، وقد استطاع الوصول لشارع صلاح الدين الواقع شرق رفح قبل يومين، للحصول على معونات من مخزن مساعدات قصفه الاحتلال وتسبب في فتح أبوابه، موضحاً أنه شاهد دمار كبير في حي التنور، والجهة الشرقية من منطقة تبة زارع، وأجزاء من حي الجنينة.
وقال حماد لـ"فلسطين بوست"، إن الاحتلال يستخدم طريقة "التوالي" في التدمير، إذ يدمر مربع سكني ثم ينتقل إلى المربع الذي يليه وهكذا، حيث بدت مناطق كاملة وكأنها مُسحت عن الخارطة.
وأشار إلى أنه كان ينوي الوصول لمناطق أعمق، خاصة في محيط مستشفى أبو يوسف النجار لكنه لم يستطع، إذ تعرض وباقي الشبان لإطلاق نار واضرطوا للانسحاب، لكنه علم من مواطنين أن كل حي الجنينة تعرض للتدمير.
بينما قال الشاب إياد صلاح إنه نزح من حي البرازيل، لكنه علم من مواطنين وصحافيين استطاعوا الحصول على بعض المعلومات بصعوبة، أن الاحتلال يدمر الحي وكافة الاحياء الملاصقة للشريط الحدودي بشكل غير مسبوق، وأن حجم الدمار في تلك المناطق غير مسبوق.
وقال صلاح لـ"فلسطين بوست"، إن الاحتلال مسح جميع المربعات السكنية المحيطة بعمارة بهلول"، والى الشرق دمر حي قشطة بالكامل، ويدمر حالياً في الأجزاء الجنوبية من مخيم يبنا، بالتزامن مع تدمير واسع لحي زعرب، والأطراف الجنوبية من حي تل السلطان.
ووفق مشاهدات لمواطنين ونازحين، فإن الاحتلال سيطر على محور صلاح الدين من معبر كرم أبو سالم شرقاً، وحتى مشارف الحي السعودي غرباً، بمسافة تصل إلى 10 كيلو متر، بمعدل 80%، بحيث بقي 2 كيلو متر فقط وتصل الدبابات لشاطئ البحر، وتُكمل سيطرتها على هذا المحور الهام.
صور توثق الدمار
وأظهرت صوراً حديثة للأقمار الاصطناعية دمار واسع وكبير في مربعات سكنية محيطة بميدان العودة في مركز المدينة، إذ أظهرت المقارنة بين الصور في نفس المنطقة ما قبل السادس من مايو وبعده اختفاء عمارات سكنية، وتدمير شوارع، حتى مسجد العودة، أكبر وأقدم مسجد في رفح تعرض لدمار كبير بفعل العدوان.
كما أظهرت الصور التي تداولها نشطاء على مواقع للتواصل الاجتماعي، تركيز الاحتلال في إحداث أكبر قدر من الدمار في قلب رفح، وتحديداً مناطق السوق، والمركز التجاري، وغيرها من المناطق التي كانت تشهد حركة ونشطاء كبيرين.
وبالانتقال الى الجنوب حيث الحدود المصرية، أظهرت الصور تدمير شبه كامل لحي السلام، خاصة محيط مسجد ابن تيمية، وشارع الوردة الحمراء، فقد بدت تلك المناطق خالية تماماً من أي شكل من أشكال العمران، وكذلك الحال منطقة "مول العرب"، وشارع الفالوجا، بحي الجنينة.
بينما طال دمار مماثل حي التنور، التي تعرضت مربعات سكنية فيه للتدمير الكامل والإزالة، اما بلدة الشوكة الزراعية، فقد عمد الاحتلال لمسح الغطاء النباتي، عبر قطع آلاف الأشجار، وتجريف وتخريب دفيئات زراعية، إضافة لتدمير مرافق زراعية مثل الآبار وغيرها.
شح في المعلومات الواردة من رفح
وحرص الاحتلال على حصار رفح، وحجب خروج الصورة والخبر منها، وعمل على تهجير سكانها، وحرم الصحافيون من تأدية عملهم، بل وقطع شبكات الاتصالات والانترنت بشكل كامل عن المحافظة.
وعاني مواطنون من شح كبير في المعلومات والأخبار الواردة من قلب محافظة رفح، بعد إجباء الاحتلال أكثر من 98% من السكان على النزوح، وتدمير شبكات الاتصالات الأرضية والخلوية، وقتل كل شخص يحاول الوصول للمحافظة.
وأكد مواطنون أن ثمة شح كبير في المعلومات الواردة من داخل رفح، خاصة التي تحدد مناطق تمركز الآليات، وأماكن التدمير، وعدد الشهداء في الشوارع، وغيرها من المعلومات.
ويعتمد المواطنون في معلوماتهم على بعض النازحين، أو من خلال صحافيين لهم مصادر استطاعت التواصل معها، بينما يستقى آخرون المعلومات من خلال أصوات الاشتباكات، وتصاعد أعمدة الدخان من داخل رفح، إذ يتم تحديد المنطقة على حسب درايتهم بأحياء رفح، وبالتالي يعرفون أن مصدر الدخان الناجم عن القصف أو النسف حي التنور أو مخيم يبنا وهكذا.
وقال المواطن يوسف نصر لـ"فلسطين بوست"، إنه نزح عن منزله في مخيم رفح، وكان يحصل على المعلومات من خلال ما ينشره بعض الصحافيون المتواجدون في المستشفى الكويتي، أو في مخيم الشابورة، إضافة لاتصالات يجريها مع بعض من تبقوا في منازلهم، لكن منذ تعميق العدوان على مناطق غرب رفح، باتت المعلومات والأخبار شحيحة جداً، فرغم أنه يتابع صفحات معظم الصحافيين، والمواقع الإخبارية، إلا أن كم الأخبار الذي يتحدث عن تفاصيل العمليات العسكرية قليل.
في حين أكد صحافيون لـ"فلسطين بوست"، إن الاحتلال يحاول فرض حالة من التعتيم الإعلامي على جرائمه في رفح، إذ أجبر الصحافيين والمواطنين على المغادرة، وحاصر الاحياء، وقطع شبكات الاتصالات، ومنع حتى سيارات الإسعاف من الوصول للمناطق التي يجتاحها، وبالتالي أصبح الحصول على المعلومة أمر صعب، ومحفوف بالمخاطر.
وأوضح صحافيون أنهم ورغم ذلك يجتهدون ويحاولون الحصول على الأخبار والمعلومات قدر المستطاع، وإن كان الاحتلال يعتبرهم هدفاً له، ويستهدف أي صحفي يظهر، فهم عين الناس على الحقيقة التي يسعى الاحتلال لطمسها.
كتب: محمد الجمل