مر نحو أسبوعين على بدء العدوان الإسرائيلي الواسع على محافظة رفح، جنوب قطاع غزة، إذ غادر المحافظة مئات الآلاف من المواطنين، باتجاه مناطق مواصي خان يونس، ومناطق وسط القطاع، بعد تعرض الأحياء السكنية لقصف مدفعي وجوي مكثف، وأوامر إخلاء إسرائيلية متتابعة، تلقاها السكان من خلال منشورات أسقطت عليهم، أو عبر رسائل نصية ومسموعة وصلت إلى هواتفهم النقالة.
وفي الوقت الذي يتواصل نزوح المواطنين عن المحافظة، التي بدت شوارعها شبه خالية من المواطنين، ثبت المقاومون في ثغورهم وعقدهم القتالية، وما إن بدأ التقدم البري، حتى شرعوا باستهداف الآليات، خاصة في أحياء التنور، الجنينة، السلام، وشارع "أبو حلاوة"، ومناطق أخرى.
مواجهات من حي لحي وشارع لشارع
وبدت معركة رفح مختلفة عن باقي معارك القطاع، فمن خلال البلاغات المتتابعة التي صدرت عن فصائل من بينها "كتائب القسام"، الذراع العسكري لحركة "حماس"، وسرايا القدس"، الجناح المسلح لحركة الجهاد الإسلامي، جرى تبني استهداف آليات وجنود الاحتلال في جميع مناطق رفح، وبصورة يومية ومتتابعة.
كما أطلق مقاومون قذائف صاروخية، وقذائف هاون، تجاه تجمعات للآليات المتوغلة في مناطق متفرقة من القطاع، خاصة معبر رفح، الذي تعرض لوابل من القذائف الصاروخية وقذائف الهاون، حيث تتمركز قوات الاحتلال بداخله، إضافة لاستهداف بلدات محاذية للقطاع بعدد من القذائف الصاروخية.
ووفق شهود عيان، فإن أصوات الاشتباكات تدور في محاور التوغل برفح على مدار الساعة، خاصة في محيط المقبرة الشرقية برفح، وقرب حي السلام، وفي شارع جورج، وغيرها من المناطق برفح، إذ سُمع دوي انفجارات عنيفة، وشوهدت طائرات مروحية تحلق في الأجواء، وتطلق النار بكثافة تجاه أهداف غير معروفة شرق رفح.
كما أكد الشهود أن طائرات الإخلاء تهبط شرق رفح على مدار الساعة، وتقوم بنقل جنود قتلى وجرحى من مناطق المعارك باتجاه مستشفيات داخل دولة الاحتلال.
توثيق عمليات المقاومة
وبدت فصائل المقاومة حريصة خلال معركة رفح على توثيق عملياتها وهجماتها ضد آليات الاحتلال في مختلف المواقع، إذ عملت على نشر مقاطع فيديو قصيرة، تظهر استهداف مقاومين لقوات الاحتلال المتوغلة في مناطق شرق وجنوب رفح، وبدا من خلال المقاطع المذكورة تمتع المقاومين بدرجات عالية وغير مسبوقة من الجرأة، في الوصول لآليات الاحتلال، ووضع العبوات الناسفة عليها "من نقطة الصفر"، إضافة لتفجير مباني، قالوا إنه تم تفخيخها مسبقاً، ما يشير إلى استعدادهم، وتوقعهم لسلوك وتحرك قوات الاحتلال في المناطق التي سيدخلونها.
كما ظهر مقاوم في مقطع فيديو يلقي كلمة مقتضبة من داخل نفق، يتوعد الاحتلال من خلالها بالمزيد من المقاومة، ويؤكد أن رفح ستكون مقبرة للاحتلال، وأن الدخول للمدينة لن يكون نزهة، وأن المقاومة أعدت نفسها جيداً لتلك المعركة التي وصفها بالحاسمة.
معركة فاصلة
في حين وصف نازحون أُجبروا على ترك منازلهم من محافظة رفح، أن المعركة التي تدور الآن في مناطق شرق وجنوب المدينة، وقد تمتد لاحقاً لمركزها وغربها وشمالها، تعتبر معركة فاصلة في هذه الحرب، والمقاومة تدافع عن رفح ببسالة وشجاعة غير مسبوقة، وفشل الاحتلال في معركة رفح سيجعله يتراجع، ويُجبر على وقف الحرب، دون تحقيق أهدافه التي أعلنها سابقاً.
وأكد المواطن محمد بشير أن المشاهد التي بثتها المقاومة من رفح، وهي تظهر تدمير الآليات وقتل الجنود من مسافة قصيرة، أنسته معاناة النزوح، وبددت مشاعر الحزن والقهر التي تسيطر عليه منذ أجبر على ترك منزله قبل أكثر من 10 أيام، وهو بات يشعر بالارتياح الكبير، بعد أن شاهد وعلم أن رفح ليست خالية، فهناك من يتواجد فيها ويتولى مهمة الدفاع عنها.
وأكد أن رئيس حكومة الاحتلال بن يامين نتنياهو يهدد باجتياح رفح منذ شهر شباط الماضي، والعالم أجمع عارض هذه الخطوة، لكنه أصر عليها، وكأن الله يدفعه للهزيمة، التي بدأت تظهر معالمها بوضوح، بدءاً من رفح، مروراً بمخيم جباليا، وانتقالاً لجبهة لبنان التي ازدادت اشتعالاً.
في حين أوضح المواطن النازح أحمد ربيع، أن معركة رفح كأنها تحمل كلمة السر لنهاية المعركة، وبداية هزيمة الاحتلال، فهو يتابع بشكل جيد تطورات الأحداث في الميدان، ويرصد كل ما يحدث، وتنبه جيداً لما حدث في أكثر من جبهة منذ بدء اجتياح رفح، ففي غضون خمسة أيام أعلنت فصائل المقاومة عن تدمير أكثر من 60 آلية في مخيم جباليا، الذي سبق واجتاحته قوات الاحتلال مرتين، وزعمت أنه تم تطهيره من المقاومين، وفي رفح أعلنت الفصائل عن تدمير أكثر من 20 آلية في أيام معدودة.
أما جبهة لبنان وفق ربيع فقد شهدت تطور لافت منذ بدء اجتياح رفح، فضربات حزب الله باتت أدق وأعمق، وتوقع خسائر غير مسبوقة منذ العام 2006 في الاحتلال، مضاف إلى ذلك كله جبهة اليمن التي تشكل ضغط كبير على حركة الملاحة الدولية، وهذا كله يزيد الضغط على الاحتلال، ويبعده عن تحقيق أهداف الحرب، موضحاً أن كل هذه التطورات حدثت فقط بعد بدء معركة رفح.
وكان رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية، قال في وقت سابق إن سلوك الاحتلال يؤكد نواياه المبيتة بالاستمرار في الحرب على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وهو لا يأبه بأسراه.
وأكد هنية أن إصرار الاحتلال على العدوان على رفح، يضع المفاوضات بأكملها في مهب الريح، وأن جيش الاحتلال يحاول التغطية على فشله بارتكاب المجازر والقتل والتنكيل والتهجير في غزة.
خلافات تنبئ بهزيمة اسرائيل
وأجمع محللون ومتابعون لمجريات الحرب على غزة، بأن إسرائيل بحكومتها اليمينة المتطرفة أبعد ما يكون عن تحقيق النصر الذي ردده نتنياهو على مدار الأشهر الماضية، فبعد 8 شهور من العدوان الواسع، الذي وصل إلى رفح، لم يتم تحرير أي من الأسرى، وبدت حركة حماس قوية ومتماسكة، وهذا ظهر من خلال قدرتها العالية على القتال في جباليا ورفح.
ووفق محللون فإن بوادر شرخ وانقسام كبير بدأت تظهر داخل حكومة الاحتلال، وفي المجتمع الإسرائيلي، وهذا عبر عنه وزير الحرب الإسرائيلي "يوآف غالانت"، من خلال تصريحاته الأخيرة، التي قال فيها بشكل واضح وجلي، إنه من الصعب القضاء على حركة حماس، وأنها ستبقى موجودة في القطاع.
وأجمع محللون إسرائيليون بأن الحرب على غزة باتت كابوس مزعج لإسرائيل، وتسببت بحدوث انقسامات داخل المجتمع، وتسببت بعزلة واسعة لإسرائيل.
وقالت المحللة الإسرائيلية الشهيرة منى عمري، إن دولة إسرائيل وفي أطول حروبها تواجه خلافاً جوهرياً حول مستقبل الحرب، ولو عدنا للوراء ونظرنا للمشهد، فإن ما يحدث هو أن وزير الدفاع في دولة يحرض أهالي الجنود على رئيس الوزراء، ويرسل رسالة مفادها أن أولادكم يقتلون هناك، من أجل مستقبل نتنياهو، وليس خدمة لمستقبل دولة إسرائيل.
بينما ذهب محللون إسرائيليون إلى أبعد من ذلك، مؤكدين أن تبعات الحرب على غزة لن تطيح بحكومة نتنياهو فحسب، بل سيكون لها تداعيات مستقبلية كبيرة على مستقبل دولة الاحتلال، وأن إسرائيل بعد حرب غزة لن تكون كما كانت قبلها، فقد تآكلت قوة الردع، وتضررت سمعتها بشكل غير مسبوق.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بن يامين نتنياهو قال مخاطباً جنوده، إن معركة رفح معركة فاصلة، وسيترتب عليها تبعات خطيرة، في إشارة إلى ما يردده دائماً من عبارة "النصر الحاسم".