مع دخول العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة شهره السادس، تعمقت أزمة السيولة النقدية في القطاع المحاصر، مع استمرار فرض الحصار المالي، ومنع الاحتلال جلب النقد من البنوك التابعة لسلطة النقد لصالح فروعها في القطاع، ما تسبب باستمرار اغلاق معظم الفروع، وشيوع ظاهرة السحب النقدي من مكاتب فرعية، مقابل عمولات عالية، تصل إلى ١٠%، في بعض الأحيان.
ولم يشهد القطاع خلال هذه الفترة أي عملية إدخال للعملات الثلاث المتداولة بشكلٍ أساسي في غزة، سواء الدولار الأميركي، أو الدينار الأردني، أو الشيكل الإسرائيلي، كما كان الفلسطينيون قد اعتادوا في السنوات السابقة على عمليات إدخال تتم بشكلٍ إما شهري أو على فترات متباينة.
ويعتمد السوق المحلي في الفترة الحالية على ما هو موجود من سيولة نقدية متداولة تنتقل بين الفلسطينيين والصرافين، فيما شحت عملة الدولار من الأسواق، حيث أوقفت بعض البنوك صرفها، فيما يلجأ بعض الصرافين لاستخدام الشيكل في صرف الحوالات المالية الخارجية بدلاً من الدولار أو الدينار الأردني.
وتسبب نقص السيولة الحاد في عجز الموظفين والمودعين من سحب رواتبهم وارصدتهم من البنوك، بينما ظهرت في القطاع عملات نقديه ورقية ومعدنية تالفة وبالية، جراء كثر التعاملات.
أزمة كبيرة
يمتلك الآلاف من الفلسطينيين أرصدة في البنوك العاملة في القطاع، إلا أن الكثيرين منهم لا يستطيعون الحصول على أرصدتهم بحرية، جراء عدم توفر السيولة الكافية لدى البنوك، إضافة للشح الشديد في العملة الأميركية.
وبات المواطنون يجبرون على لاستخدام التطبيقات الإلكترونية الخاصة بالبنوك العاملة في غزة، عبر تحويل الأرصدة فيما بينهم، لسداد بعض التزاماتهمـ أو لتوفير بعض السيولة.
وأصبح الكثيرون يعتمدون على هذه التطبيقات، حيث يتم تحويل المبلغ المراد الحصول على سيولته النقدية مقابل نسبة مالية يحصل عليها الطرف الذي يمتلك الأموالـ تراوح ما بين 3% و10% من قيمة المبلغ، وهو أمر بات مرهقًا.
ويقول المواطن محمود صلاح، وهو نازح من مدينة غزة، إن محافظة رفح التي يتواجد فيها نحو 1.4 مليون مواطن، لا يعمل فيها سوى صرافين آليين فقط، يتزاحم عليهما الألاف، وقد توجه إلى أحدهما على يومين متعاقبين، ولم يتمكن من سحب راتبه الذي جرى إيداعه منذ أكثر منذ نحو 17 يوماً.
وبين صلاح لـ"فلسطين بوست"، أنه اضطر في النهاية للتوجه إلى أحد الصرافين، وسحب راتبه من خلال تحويل الاموال لحساب الصراف من خلال تطبيق بنكي، مقابل عمولة 8%، بمعنى أنه خسر 80 شيكل مقابل كل 1000 شيكل قام بسحبها، وهي عمولة مرتفعة للغاية.
في حين يقول المواطن خالد حماد، وهو تاجر نازح من مدينة خان يونس، إنه في بداية الحرب أودع مبلغ كبير من المال في البنك، خشية أن يفقده أو يتعرض للسرقة، لكن مع تواصل العدوان لأشهر طويلة، بات بحاجة للمال كي يصرف ويلبي احتياجاته المختلفة، وهو الآن يواجه مصاعب في سحب الأموال من رصيده البنكي.
وأكد حماد لـ"فلسطين بوست"، أنه اضطر في النهاية لسحب مبلغ من خلال صراف، بعد دفع مبلغ العمولة، بينما يقوم بنظام تحويل الأرصدة من حساب لحساب لسداد بعض الالتزامات.
وتقدر دورة الحياة التجارية في قطاع غزة بنحو 3 مليارات دولار سنوياً، يتم تقسيمها على أيام العام، ما يجعل الخسائر المالية المباشرة للعدوان الجاري لا تقل عن 10 ملايين دولار يومياً.
يعتمد القطاع على السيولة النقدية التي تتوفر من خلال رواتب موظفي السلطة، ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، إلى جانب المنحة القطرية التي كانت تدفع بنحو 30 مليون دولار شهرياً.
ووفق تقديرات مؤسسات المجتمع المدني في القطاع، بلغ معدل الفقر قبل الحرب 64%، وهو أكثر بمرتين منه في الضفة الغربية، كما أن 33.8% من السكان يعيشون تحت خط الفقر المدقع، في الوقت الذي تعاني فيه 57% من الأسر الفلسطينية من انعدام الأمن الغذائي، أي ما يقارب 6 من كل 10 عائلات في القطاع.
أسباب الأزمة
وأرجع مطلعون وخبراء اقتصاد وصيارفة تحدثوا لـ"فلسطين بوست"، أزمة السيولة، إلى عدة عوامل، أبرزها تهديد مباشر من قوات الاحتلال لعدد من الصيارفة، بعدم الاستمرار في سوق الصرافة في هذا التوقيت، كما قام بقصف وقتل عدد منهم بدم بارد، وحرق مكاتبهم وخزائنهم.
أما السبب الثاني يتمثل في تهريب نحو مليوني دولار يوميًا على شكل بدل تنسيق من خلال معبر رفح، ليتمكن دافعوها من السفر عبر معبر رفح إلى مصر، بواقع ٤٠٠ مسافر كل يوم، وكل مسافر يدفع خمسة آلاف دولار
والسبب الثالث يكمن في استقبال البنوك مبالغ مالية كبيرة من مواطنين بداية الحرب، جرى إيداعها في حساباتهم، دون التمكن من سحبها.
هذا كله تزامن مع توقف الحوالات المالية، بالتزامن مع وجود شبكة من التجار، ممن تتعاملون مع الموضوع بمنطق "مافياوي"، وهي تظهر في كل الحروب، وتسعى للتكسب من الناس بأكبر قدر ممكن، من خلال التلاعب بالأسعار، وفرض عمولات، وغيرها.
فوضى في أسعار الصرف
ثمة تعطش كبير وغير مسبوق من قبل الصرافين لجمع أكبر كمية ممكنة من الدولارات من القطاع، لاستخدامها في عملية الصرافة، إلى جانب التباين الكبير في الأسعار مع بداية الحرب غزة.
ومع استمرار العدوان بات ثمة حالة من الفوضى في أسواق العملات، بحيث تسبب الطلب الكبير على عملة الدولار في ارتفاع سعره، وانخفاض أسعار العملات الاخرى، مثل الدينار الاردني، والشيكل الإسرائيلي.
ويقول المواطن عيسى شاكر لـ"فلسطين بوست"، إنه توجه للسوق لاستبدال مبلغ من المال إلى عملة الدولار، وتابع أسعار صرف العملات على شاشات العرض الرسمية، فكان السعر حوالي 3.62 حينها، لكنه صدم حين أخبره الصراف أنه يبدل كل دولار مقابل 3.91 شيكل، بمعنى أن ثمة حوالي 30 شيكل فرق في كل 100 دولار.
وأكد أنه في المقابل هناك انخفاض في سعر الدينار، فبعض الصيارفة يأخذون الدينان مقابل 4.8 شيكل وآخرون 4.9 في حين أن ثمنه في البنوك يتجاوز 5 شيكل أو أكثر بقليل.
وأوضح شاكر أن أسواق العمولات تعيش حالة فوضى عارمة، ولا يوجد جهة تقوم على تنظيمها، ونقص السيولة بات يؤثر على الجميع.
ووفق ثلاثة صيارفة أكدوا ل"فلسطين وست"، أن توقف البنوك الفلسطينية ساهم هو الآخر في زيادة الضغط على السوق السوداء، وعزز استهلاك السيولة المالية، ولا سيما أن إجمالي ما تم توفيره من سيولة نقدية كان عبارة عن 50% من الرواتب صرفتها السلطة لموظفيها عبر فروع البنوك في وسط القطاع وجنوبه.
واقترح مواطنون وخبراء بتفعيل نظام المبيعات من خلال بطاقات الفيزا، كبديل عن نقص السيولة النقدية، لحين جلب النقد من بنوك الضفة.
أما في ما يتعلق بالتحويلات الخارجية، فإن هناك أزمة أخرى في الحصول عليها، سواء بعملة الدولار الأميركي أو الدينار الأردني، ويضطر المعنيون لاستبدالها بالشيكل الإسرائيلي مقابل نسب مرتفعة، ما يتسبب في فقدان أصحاب هذه الأموال مبالغ مالية.
انهيار الاقتصاد
من جانبه، يقول الصحافي والباحث في الشأن الاقتصادي محمد أبو جياب إن أسباب الأزمة ترجع إلى تعطل الدورة الاقتصادية، وتوقف عمل النظام المصرفي والتجاري، بالإضافة إلى تأثير الحرب، والسحوبات الكبيرة من المواطنين والتجار من البنوك، وعدم قدرة النظام المصرفي على فتح فروعه في قطاع غزة، وبالتالي، فإن الدورة المالية غير مكتملة، وهناك سحوبات كبيرة بدون إيداع كاف.
وأكد أبو جياب أن توقف إدخال الأموال من خارج القطاع منذ بداية الأزمة، يفاقم حدة نقص السيولة، علاوة على أن السيولة النقدية المتوفرة يتم تدويرها في السوق بنسق مغلق للغاية فقط.
وحسب تقرير حديث للبنك الدلي، فقد انكمش اقتصاد غزة بأكثر من 80% في الربع الأخير من العام 2023، مشيراً إلى أن الحرب على غزة كانت لها عواقب “كارثية” على البنية التحتية في القطاع.
وأوضح البنك أنه بالإضافة إلى الخسائر البشرية الفادحة، فإن "جميع الأنشطة الاقتصادية تقريباً في غزة توقفت تماماً". وأضاف أنه "منذ بداية النزاع، شهد الاقتصاد الفلسطيني إحدى أكبر الصدمات المسجلة في تاريخ الاقتصاد المعاصر".
كما أشار البنك الدولي إلى التقديرات الأولية الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني، الذي ذكر أن إجمالي الناتج المحلي في غزة “انخفض بأكثر من 80%”، من نحو 670 مليون دولار في الربع الثالث إلى 90 مليوناً فقط في الربع الأخير.
كانت صحيفة معاريف الإسرائيلية، إن قوة إسرائيلية استولت مؤخراً على 200 مليون شيكل (54.3 مليون دولار) بعد اقتحامها بنك فلسطين في مدينة غزة.
ونقلت عن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي قوله إن "القوات الإسرائيلية عملت قبل أسبوع في بنك فلسطين في غزة لمنع وصول الأموال إلى حركة حماس"، وإن هذه الخطوة "كانت بناء على قرار المستوى السياسي، والاحتفاظ بالأموال والجهة التي ستحول لها خاضعان لقراره.
كتب: محمد الجمل