مع دخول العدوان الإسرائيلي المتواصل شهره السادس، باتت حياة مئات الآلاف من الأطفال في قطاع غزة على المحك، مع تفشي مشاكل وأعراض سوء التغذية، وانتشار مضاعفات الجفاف بين الأطفال، خاصة من هم دون سن الثانية من أعمارهم.
ورغم إطلاق مؤسسات أممية ودولية تحذيرات، ودقها ناقوس الخطر، إلا أن الاحتلال ماضٍ في سياسة التجويع، خاصة في شمال القطاع، ما يزيد من انتشار سوء التغذية.
أطفال يواجهون الموت والمرض
وباتت أعراض ومضاعفات الجفاف وسوء التغذية واضحة على وجوه وأجساد الأطفال في قطاع غزة، ممن باتوا يعانون هزال، وضعف عام، وانخفاض متوالي في أجسادهم.
ويقول المواطن عبد الرحمن حسنين، وهو نازح من محافظة خان يونس، ويقيم في خيمة غرب رفح، إن أطفاله الأربعة يعانون جراء شح الطعام وسوء التغذية، فأكبرهم يبلغ من العمر "13 عاماً"، خسر 11 كيلو جراماً من إجمالي وزنه، والأصغر يعاني هزال، أما الطفلين الأوسطين، فحالهما ليس بأفضل من باقي أشقائهما، فهما يعانيان ضعف عام، وشحوب في الوجه، وتساقط الشعر، ودوار مستمر.
وأكد حسنين لـ"فلسطين بوست" أنه يحاول قدر الإمكان توفير الطعام الجيد لهما، لكن يبدو الأمر صعباً في ظل الحصار، فأطفاله منذ أشهر طويلة لم يتناولو البيض، الحليب، الفواكه، اللحوم، الخضروات، الأسماك، وأصناف كثيرة من الأطعمة، وبات طعامهم محصوراً في المعلبات، وهذا سيشكل خطراً على صحتهم، وربما يؤثر على نموهم السليم في المستقبل.
وبين أن الحال ينطبق على أقاربه وجيرانه، وبدا الأطفال أكثر تأثراً بمشاكل سوء التغذية، وهناك أطفال يصابون باستمرار بالفيروسات، ونوبات البرد، جراء تراجع وضعف مناعة أجسادهم، وعدم قدرتهم على مواجهة الأمراض.
وبين أنه يفكر بالتوجه للمستشفى، أو عيادات وكالة الغوث، عله يحصل من هناك على مكملات غذائية على شكل عقار طبي، ممكن أن تعوضهم نقص التغذية.
وارتفع عدد ضحايا الجفاف وسوء التغذية من الأطفال إلى 28 شهيداً، إذ أكد الناطق باسم وزارة الصحة في قطاع غزة، أشرف القدرة، أن هذا الرقم يعكس ما يصل للمستشفيات فقط، فهناك أطفال يفارقون الحياة في البيوت، ولا يصلون المستشفيات، وبالتالي لا يتم تسجيلهم.
أطفال يموتون
أما المواطنة هدى أبو صالح، فأكدت أنها غادرت شمال القطاع خوفاً على أبنائها من المجاعة، خاصة بعد أن قضى ثلاثة أطفال من أقاربها وجيرانها هناك، مبينة أنها وصلت مدينة رفح، فوجدت الوضع أفضل بقليل، لكن أيضاً في الجنوب هناك نقص حاد جداً في الكثير من أصناف الطعام.
وأكدت لـ"فلسطين بوست"، أنها تحرص منذ وصولها على توفير الطعام لأطفالها، ولا تجد سوى المعلبات، موضحة أنها باتت تخشى على حياة أطفالها، وأطفال أقاربها سواء في الجنوب أو الشمال، فالاحتلال ماضي بإعدام الأطفال والفتك بهم، سواء من خلال القصف المباشر، أو من خلال التجويع، وسوء التغذية والجفاف.
وهو ما أكده المواطن عبد الرحيم فرج، المقيم في محافظة رفح، ويتحدث إلى أقاربه في شمال القطاع، موضحاً أنهم أخبروه بأن أطفالهم باتوا في حالة صحية متردية، ويعانون سوء تغذية حاد، فلا يوجد طعام هناك يمكن أن يُقدم لهم، ويأكلون الحشائش، وخبز مصنوع من أعلاف الحيوانات.
وبين أن الأطفال في سن مبكرة يطاردون المساعدات الشحيحة، التي تسقطها الطائرات رغم مرضهم وارهاقهم، في محاولة للحصول على وجبة تسد جوعهم.
وأكد فرج أن نقصان الوزن، وتراجع صحة الأطفال بات سمة غالبة على سكان تلك المناطق، والجميع يشعرون بهزال وضعف، لدرجة أن ثمة بعض العائلات ترغب النزوح للجنوب، لكن معظم أفرادها لا يقوون على المشي مسافات طويلة، حتى يقطعوا الحاجز الإسرائيلي، ويصلون إلى مخيم النصيرات، وهو أول نقطة ممكن أن يجدوا فيها وسيلة مواصلات.
أطفال يصارعون الموت
وفي مستشفيات القطاع عامة، وشماله على وجه التحديد، يصارع عشرات الأطفال الموت، وسط حالة عجز من الأطباء، ممن لا يستطيعون توفير الأدوية، والمحاليل المغذية المنقذة للحياة.
قال مدير مستشفى كمال عدوان الدكتور حسام أبو صفية، إن عدداً من الأطفال في شمال قطاع غزة ماتوا خلال الأيام الماضية بسبب سوء التغذية، ونقص الطعام، وانتشار الأمراض والأوبئة، الناتجة عن العدوان والحصار الإسرائيلي المتواصلين.
وأوضح أبو صفية أن أغلب الحالات كانت تصل إلى المستشفى وهي تعاني أعراض الجفاف الحاد بسبب سوء التغذية، إضافة إلى انتشار العدوى على مستوى الجهاز الهضمي والنزلات المعوية.
وأضاف أبو صفية أن المستشفى دمج قسمي العناية والحضانة بسبب انقطاع الكهرباء، مشيراً إلى أن المواليد الجدد يصلون إلى المستشفى في حالات حرجة جداً، وتظهر عليهم علامات الضعف والشحوب بسبب سوء تغذية الأمهات.
وأشار إلى أن عدم توفر حليب الأطفال يفاقم من هذه المعاناة، واصفا أوضاع الأطفال -خاصة المواليد الجدد- بالكارثية.
وشدد مدير مستشفى كمال عدوان على أنه إذا لم تُقدّم إغاثة عاجلة للمستشفى، فإن مزيدا من الأطفال معرضون للموت.
وهذا الحال بدا مماثلا في مجمع الشفاء الطبي، الذي بات مكتظاً بالأطفال ممن يعانون جفافاً وسوء تغذية، ويواصل الأطباء والطواقم الطبية الجائعين أيضاً، جهودهم من أجل إنقاذ حياتهم، وتقديم لهم الرعاية المتاحة في ظل الحصار.
31% من الأطفال يعانون سوء تغذية
من جهته أكد صندوق الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف" أن طفلاً واحداً من بين ثلاثة أطفال دون الثانية في العمر في قطاع غزة، يعاني من سوء التغذية الحاد، مشيراً إلى أن هذه النسبة التي بلغت 31%، ارتفعت بشكل ملحوظ قياساً مع شهر كانون الثاني الماضي، عندما كانت قد وصلت إلى 15.6%.
وكشفت فحوصات التغذية التي أجرتها هيئة "اليونيسف" وشركاؤها في شمال القطاع في فبراير شباط الماضي، أن 4.5% من الأطفال في الملاجئ والمراكز الصحية يعانون من سوء التغذية الحاد، وهو أكثر أشكال سوء التغذية تهديداً للحياة، ما يعرض الأطفال لخطر المضاعفات الطبية والوفاة، ما لم يتلقوا الغذاء والعلاج العاجل الغير متوفر، وقد ارتفع معدل سوء التغذية الحاد بين الأطفال دون سن الخامسة في شمال المنطقة من 13% إلى 25%.
من جهته أكد مسؤول الأراضي الفلسطينية في صندوق الأمم المتحدة للسكان "دومينيك ألن"، إن "الأطباء ما عادوا يرون مواليد بحجم طبيعي" في غزة، لافتا إلى أن 180 امرأة يعانين الجوع والجفاف يلدن يومياً في القطاع.
وقال "دومينيك ألن": غادرت غزة هذا الأسبوع، وقد انتابني الخوف على مليون امرأة وفتاة في غزة، منهن 650 الفاً (من الإناث) في سن الإنجاب، وخصوصاً على 180 امرأة يلدن كل يوم."
وتابع: إنه تمكن من زيارة مستشفيات لا تزال تقدم خدمات لرعاية الأمهات في شمال قطاع غزة، موضحاً بأن الأطباء ما عادوا يرون مواليد بحجم طبيعي، على العكس، وفي شكل مأساوي، فإنهم يرون عدداً أكبر من المواليد الذي يموتون بعيد ولادتهم"، متحدثاً عن نساء حوامل "أرهقهن الخوف والتنقل مرارا والجوع" والجفاف.
وتابع ألن "حري بتلك الأمهات أن يحضنّ أطفالهن بين أذرعهن، وليس في أكياس الجثث، في إشارة لموت المزيد من المواليد الجدد."
وأشار إلى الافتقار لوسائل التخدير التي تحتاج إليها الحوامل ممن يخضعن لولادة قيصرية، مندداً برفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي السماح بمرور شحنات مساعدة تابعة لبرنامج الأمم المتحدة للسكان.