يستعد نحو 2.3 مليون مواطن في قطاع غزة لاستقبال شهر رمضان المبارك، في ظل ظروف عصيبة، وحالة من الجوع والخوف غير مسبوقة.
فالأول مرة يمر شهر رمضان على سكان القطاع في مثل هذه الأوضاع الكارثية، إذ يعيش نحو 1.9 مليون مواطناً حالة نزوح، ويقطنون الخيام، ويعتمدون بشكل شبه كلي على معونات محدودة، يتسلمونها من جهات إغاثية مختلفة بين الفترة والأخرى.
غياب الاستعدادات
ويقول المواطن محمود حرب، وهو نازح من مدينة غزة، ويقيم في خيمة جنوب محافظة رفح، إنه لم يقم بأية استعدادات لاستقبال شهر رمضان هذا العام، بخلاف السنوات الماضية، حيث كان يستعد للشهر الفضيل مبكراً.
وأكد أنه لا يمتلك المال لشراء أية سلع، وإن امتلك فأغلب الاحتياجات غير متوفرة، وكل ما فعلته زوجته، هو ادخار معلبات الفول التي كانت تتسلمها كمساعدات، حتى يتم استهلاكها كوجبات للسحور بشكل يومي.
وقال حرب لـ"فلسطين بوست"، أنه ولأول مرة يتمنى أن لا يأتي رمضان، فهذا الشهر الذي ارتبط بطقوس جميلة، وعادات محببة، يأتي في ظل الحرب، والجوع، والحصار، والخوف، والناس لا يشعرون بفرحة قدومه مطلقاً.
وبين أنه اجتمع مع جيرانه من سكان الخيام، وتحدثوا عن طقوس رمضان، فكان الجميع بائسون يائسون، لم يجهزوا شيئاً لهذا الشهر، ولم يعيشوا أجواء الفرحة التي عاشوها في السنوات الماضية.
وأكد أن اكثر من يتمناه، أن يقضي رمضان في خيمته جنوب رفح، ولا يضطر للنزوح مرة رابعة، خاصة بعد تصاعد تهديدات الاحتلال بشأن شن عملية برية وشيكة في رفح.
ويحل رمضان بينما الأغلبية الساحقة من الغزيين بلا أي "مؤنة" لرمضان، بل بلا روح أو زينة أو فرحة معتادة بقرب حلوله، بينما يعيش مئات الآلاف بعيدين عن بيوتهم، نازحين في منطق أخرى، يئنون تحت وقع الجوع والخوف.
"ناس تأكل قطايف وأخرون قذائف"
بينما يقول المواطن إسلام بشير، من سكان مدينة خان يونس، ونازح يقيم في رفح، إن العرب والمسلمين يستعدون لأكل القطايف في رمضان، والناس في غزة ستأكل الكثير من شظايا القذائف، مع استمرار العدوان، والتلويح بتصعيده في رفح.
وأكد بشير أن رمضان هذا العام يعتبر الأصعب، وكانت ثمة آمال كبيرة بأن يتزامن قدومه مع تهدئة، ولو مؤقتة، لكن خبر فشل مفاوضات التهدئة نزلت عليه وغيره من المواطنين والنازحين كالصاعقة، وبات يستعد للأسوأ.
وأوضح بشير ويقيم في خيمة غرب رفح، لـ"فلسطين بوست" إنه جلب عدد من الأكياس، وطلب من زوجته التجهز لوضع الحاجيات فيها، تمهيداً لنزوح متوقع في الشهر الفضيل، حال نفذ الاحتلال تهديداته، واجتاح محافظة رفح بالفعل.
وأشار إلى أن همه الأكبر في رمضان تامين وجبتي الإفطار والسحور لعائلته، في ظل تزايد حالة الجوع، وندرة المواد الغذائية، وتشابه الطرود التي يتم تسليمها، حيث تحتوي جميعها على المعلبات فقط.
وأوضح أن الناس في شهر رمضان لن يشعروا بتعب الصيام، فأغلبهم لا يتناولون الطعام لفترات طويلة، فعلى صعيد عائلته، تم إلغاء وجبة العشاء، ويتناولون وجبتي طعام يومياً، ما يعني أن رمضان لن يغير من طقوسهم شيء.
بينما قال المواطن عبد الرحمن يوسف، إنه يخشى أن يكون شهر رمضان الأكثر دموية منذ بدء الحرب، فكل ما رشح من تصريحات إسرائيلية تشير إلى نية الاحتلال مواصلة بل تصعيد هجومه على غزة خلال هذا شهر.
وأكد يوسف لـ"فلسطين بوست"، أن المحزن في كل ما يحدث بأن الناس خارج غزة اعتادوا المشهد، وبات القتل والدمار في غزة مشهداً اعتيادياً، لا يحرك في العالم ساكن، ولا يدفع الناس لإبداء تضامن أكثر، فحتى تظاهرات التأييد والتضامن في العواصم العربية والعالمية تراجعت.
وأوضح أن العرب والمسلمين في العالم يحضرون ما لذ وطاب من الطعام والشراب، وفي غزة يجهزون القبور والأكفان، لاستقبال المزيد من الشهداء، بينما تعاني المستشفيات اكتظاظ غير مسبوق بالجرحى.
وبين يوسف أن قدر غزة أن تعيش هكذا، ورغم الألم والفقد والجوع، إلا أن الناس لديهم ثقة بأن الله لن يضيع هذه التضحيات، وسيعوضهم خيراً في قادم الأيام.
وكانت مصادر مصرية أكدت بأن قطر تعتزم استضافة مباحثات جديدة بين إسرائيل وحركة "حماس" بغية التوصل إلى اتفاق لهدنة خلال شهر رمضان.
وأشارت المصادر إلى أنه تم الاتفاق على انعقاد لقاء في قطر خلال الأيام القليلة المقبلة بين الأطراف المتناحرة، لإتمام الاتفاق النهائي، قبل أن يجتمعوا مرة أخرى في مصر لاحقاً، لوضع اللمسات النهائية لتفاصيل الهدنة المنتظرة.
مقاعد شاغرة على موائد الإفطار
ويبدو أن شهر رمضان سيكون صعباً وقاسياً على الأسر التي فقدت أحبتها، مع الرجوع بذكرياتهم الى الأعوام الماضية، حين كانت الأسرة تجتمع على مائدة الإفطار، ويتشاركون سوياً في صناعة الطقوس الجميلة.
ومن بين هؤلاء عائلة أبو عبيد، التي استشهد 12 من أفرادها دفعة واحدة، جراء قصف منزلهم في محافظة رفح، مطلع شهر ديسمبر/كانون أول الماضي، إذ تقول فاطمة أبو عبيد، إنها فقدت والدها وأشقائها، وأبناء شقيقها، وآخرون، لذلك تعتبر أن شهر رمضان هو الأصعب الذي يمر عليها وعائلتها منذ ولدت.
وأكدت أبو عبيد أن شهر رمضان في كل عام كان له طقوس عائلية جميلة، إذ تجتمع الأسرة على مائدة الإفطار، ويتبادلون الولائم والعزائم، وكذلك الزيارات، لكن هذا العام كل شيء اختفى وأنطفئ، وسكن الحزن القلوب، وعشش الألم في النفوس.
وقالت أبو عبيد لـ"فلسطين بوست"، بعض العائلات فقدت شخص أو اثنين أو ثلاثة، لكنها فقدت 12 من أحبتها، ولا ترى للحياة بهجة ولا طعم، ولا ترى في رمضان سوى شعائر دينية ستؤديها، مبينة أنها ستستغل تلك الطقوس بالدعاء لأفراد عائلتها الشهداء، بأن يتقبلهم الله، ويجعل قبورهم روضة من رياض الجنة.
خلق الفرح من قلب الألم
ورغم الحزن والخوف، ومعاناة التشريد، إلا أن الكثير من الأسر أصرت على صنع البهجة لأبنائها، عبر صناعة بعض الزينة المتواضعة في الخيام، وتعليق فوانيس، ومصابيح تعمل بواسطة بطاريات.

فقد شهدت بعض الخيام غرب رفح، تعليق زينة رمضان، بينما احتفل أطفال بقدوم الشهر، بحمل الفوانيس المضيئة والوقوف أمام خيامهم.
ويقول المواطن عبد الرحمن رضوان، إنه كان في الأعوام الماضية يولي قدوم شهر رمضان اهتمام كبير، ويحضر الزينة قبل قدومه بأسبوعين على الأقل، موضحاً أنه هذا العام ورغم أنه يقيم في خيمة، وفي ظل الحرب والظروف الصعبة، إلا أنه يحاول إضفاء البهجة على أبنائه قدر الإمكان.
ولفت على أنه اشترى بعض الأدوات البسيطة، وبدأ بمعاونة زوجته بتصميم مجسمات من خلال ورق الكرتون، على شكل هلال رمضان، وكذلك فانوس رمضان، ووضع زينة داخل الخيمة، ليضفي بهجة على اطفاله.
وقال المواطن عبد الله صلاح، إنه يحاول خلق البهجة والفرحة من قلب الحزن والحرب، لذلك توجه واشترى مصابيح صغيرة ملونة، يتم إضاءتها من خلال البطارية، واشترى تمر، وبعض احتياجات رمضان، وعلق فانوس كبير وسط الخيمة التي يقيم فيها.
في حين قال المواطن محمد جمعة، وهو مقيم في رفح، إن أبنائه عاشوا الكثير من الخوف والرعب خلال الأشهر الخمسة الماضية، ويعتبر ان شهر رمضان فرصة كي ينسيهم بعض الخوف، ويضفي عليهم بهجة، لذلك توجه على أحد المحال واشترى زينة، وفوانيس، وحاول خلق أجواء جميلة.

وبين أن أكثر ما أثر فيه حين سأله ابنه الذي يبلغ من العمر 8 سنوات سؤالاً عفوياً قائلاً: "بنفع يصير حرب وقتل في رمضان مش حرام؟، حينها صمت ملياً ولم يجد جواباً يقنعه، سوى أنه قاله له .. اليهود كفار..".
ويأتي شهر رمضان هذا العام، وثمة شح كبير في السلع الغذائية الأساسية، وارتفاع كبير على أسعار المتوفر منها في الأسواق، وسط آمال بتوزيع طروداً بشكل مكثف على الأسر النازحة والمقيمة في غزة.
كتب: محمد الجمل