أيقونة العملات

العملات

الدولار اليوم
اليورو اليوم
أيقونة الطقس

الطقس

أيقونة الإشعارات

اشعارات

غزة

مرضى "الفشل الكلوي" في ظل العدوان.. موت بطئ يختطفهم تباعاً وعجز عن إنقاذ حياتهم

16 فبراير 2024

يتواصل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وما يرافقه من حصار، واقتحام للمستشفيات، وتدمير متعمد للمنظومة الصحية، مخلفاً أوضاعاً صحية وإنسانية قاسية، تاركاً عشرات الآلاف من المرضى والجرحى يواجهون مصيراً محتوماً بالموت.

ومن ضمن الفئات الأكثر تضرراً جراء الاعتداءات المذكورة، مرضى الفشل الكلوي، اللذين يبلغ عددهم نحو 1200 مريضاً في قطاع غزة، ممن باتت حياتهم رهن جلسات منتظمة لغسل دمائهم، على أجهزة خاصة لا تتوفر إلا في المستشفيات.

مرضى يموتون ببطء

بدأت أولى فصول معاناة هؤلاء المرضى في شهر تشرين أول الماضي، بعد موجة الاستهدافات العنيفة والمركزة لمستشفيات شمال قطاع غزة، ومستشفيات مدينة غزة وعلى رأسها مستشفى الشفاء، وخروجها تباعاً عن الخدمة، ما حال دون تمكن نحو 700 مريض كانوا يقطنون تلك المناطق، دون إجراء جلسات غسيل منتظمة، وعرض حياتهم للخطر.

ولجأ بعض المرضى لمجمع الشفاء الطبي، وأقاموا فيه، حتى يكونوا على مقربة من أجهزة الغسيل، لكنهم لم يعلموا أنهم سيرتقون داخل المستشفى، الذي استهدف وتوقف عن الخدمة، ما تسبب باستشهاد 12 على الأقل منهم، حيث مات المرضى وهم يجلسون داخل أقسام الكلى، وأمام الأجهزة التي توقفت بسبب نفاذ الوقود، وانقطاع الكهرباء، وانعدام المواد الطبية.

ووفق المواطن أحمد عبد الحميد، فإن والده كان يعاني حتى يحصل على جلسة غسيل كلوي في مستشفيات غزة والشمال، وهذا دفعه للنزوح باتجاه الجنوب، وأقاموا عند بعض الأقارب قرب مجمع ناصر الطبي، بمحافظة خان يونس، وأصبح يقوم بعمليات غسيل كلى منتظمة، لكنها كانت أقل من المطلوب، بسبب الازدحام هناك.

وبين عبد الحميد أنه غادر محافظة خان يونس نازحاً باتجاه رفح، بعد اجتياح الاحتلال للمحافظة، حيث جرى اقتحام مستشفى ناصر، وتدمير جزء كبير من الأجهزة الطبية داخله.

وأوضح أن الوضع في رفح كان كارثياً، فساعات غسيل الكلى الأسبوعية تم تقليصها لأقل من النصف بسبب الازدحام، وحالة والده الصحية تدهورت إلى حد كبير، وبات يعاني مشاكل صحية متفاقمة.

ذات الامر أكده المواطن يوسف حمد، والذي نزح برفقه والده المريض من محافظة خان يونس باتجاه رفح، مبيناً أن معاناة غسيل الكلى في مستشفى النجار برفح كبيرة، فالأجهزة عددها محدود جداً، والمرضى كثر، وهذا تطلب إعداد جداول للمرضى بحيث يحصلون على ساعات أقل.

ولفت حمد إلى أن الأمر لا يقتصر على ذلك، فوالده مقعد، فرحلة الذهاب إلى المستشفى والعودة منه شاقة جداً، في ظل ندرة المواصلات، وينتظرون ساعات وساعات، حتى يحين دوره، وينتهي، ثم يعيدونه، وكل هذا فيه معاناة كبيرة لهم.

وأكد أن وضع والده الصحي بات متدهوراً، وثمة خطورة حقيقية على حياته كما اخبرهم الطبيب الذي يتابع الحالة، لكنهم لا يجدون طريقة لإنقاذ حياته، وقد حاولوا نقله للعلاج في مشافي خارج القطاع، لكنهم لم يستطيعوا.

وقال مريض آخر يدعى "محمد" لـ"فلسطين بوست: " "كنت أخضع لجلسات غسيل في غزة تصل إلى 12 ساعة أسبوعياً، موزعة على ثلاث جلسات، أما الآن أغسل 4 ساعات فقط موزعة على جلستين في الأسبوع"، موضحاً أن تقليص الساعات جاء بسبب تزايد أعداد المرضى، وقلة مراكز الغسيل، بعد خروج مستشفى الشفاء الأكبر في استيعاب المرضى عن الخدمة.

مرضى فارقوا الحياة

تفاقمت معاناة مئات المرضى جراء قلة ساعات الغسيل، ما تسبب بوفاة بعضهم، ومنهم الحاجة وجيهة الجمل "67 عاماً"، إذ يقول ابنها حازم، إن والدته أصيبت بفشل كلوي كامل منذ أكثر من عامين، وكانت تخضع لجلستي غسيل أسبوعياً يصل مجموعهما لحوال 10 ساعات.

وبين أنه ومنذ بدء العدوان وتوافد النازحين على رفح، باتت ساعات الغسيل التي تتلقاها والدته تقل، حتى وصلت إلى أقل من ثلاث ساعات أسبوعياً، وبدأت تعاني تدهور حاد في حالتها الصحية، ما تطلب نقلها إلى المستشفى أكثر من مرة، حتى توفيت في المنزل، وهي تنتظر جلسة الغسيل المقبلة.

ولفت إلى أنه وأشقائه يثقون بأن والدته هي ضحية للحرب والحصار، فلو كانت ساعات الغسيل متاحة لها كالسابق، لما تدهورت حالتها الصحية، ولما توفيت.

الحال ذاته لاقاه العديد من مرضى الكلي، منهم أحد أقرباء الشاب محمد حسين، قائلاً لفلسطين بوست"، "كان خالي يخضع لجلسات غسيل منتظمة في مدينة غزة، وكانت حالته الصحية جيدة، فهو من النوع الذي يحافظ على صحته، ويتبع تعليمات الأطباء، حتى جاءت الحرب، ونزح إلى الجنوب، وبدأ يتلقى ساعات غسيل أقل، ما تسبب بتراجع حالته الصحية، حتى توفى قبل أسبوعين".

ضغط كبير

ويقول مدير مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار برفح الدكتور مروان الهمص، إن المستشفى يواجه العبء الأكبر في موضوع مرضى الكلى، موضحاً أن وحدة غسيل الكلى الوحيدة في مدينة رفح، كانت تتعامل مع 110 مرضى قبل العدوان، وارتفع هذا العدد إلى 525 مريضاً جراء النزوح الكبير من جميع مدن القطاع إلى مدينة رفح.

وأكد الهمص أن هذا الوضع شكل ضغط هائل جداً، على مستشفى أبو يوسف النجار الحكومي الوحيد بالمدينة، الذي يقدم خدمة غسيل الكلى، ويمتلك 18 جهازاً فقط، ما اضطر إدارة المستشفى إلى تقليص مرات الغسيل الأسبوعية لكل مريض إلى مرتين فقط، رغم أنها غير كافية من الناحية العلاجية.

وبحسب الهمص فإن أجهزة غسيل الكلى في مستشفى النجار قديمة وبالية، ومنتهية الصلاحية، فعمر الجهاز ينتهي ببلوغه 20 ألف ساعة عمل، وقد تجاوزت الأجهزة في المستشفى 50 ألف ساعة، ورغم ذلك لا تكاد تتوقف عن العمل للحظة، بسبب الضغط الكبير عليها من المرضى، وعدم توفر البديل.

بينما قال الطبيب محمد النقلة، ويعمل في قسم غسيل الكلى إن "ألف مريض كلى حُكم عليهم بالموت البطيء، جراء نقص المستلزمات الطبية والوقود، حيث يتم تقليص جلسات غسيل الكلى للمرضى في مستشفى الشفاء، الذي عاد للعمل جزئيا مؤخراً، بسبب نقص الإمكانيات اللازمة".

 وأكد أن "الحد الأدنى لغسيل الكلى للمريض 3 جلسات أسبوعياً، بواقع 4 ساعات في كل مرة، لكن في وضعنا هذا، أصبح المريض يغسل مرتين أسبوعياً، بمجموع ساعات أقل وهذا لا يكفي للمحافظة على حياته.

في حين قال محمد الحاج مدير العلاقات العامة في مستشفى شهداء الأقصى، وسط القطاع، إن "المستشفى يعاني من خطر التوقف نتيجة نقص الوقود اللازم لتشغيله بفعل انقطاع التيار الكهربائي"، حيث أن المستشفى يتلقى يومياً أعداداً من المصابين والشهداء نتيجة العدوان على قطاع غزة.

وأوضح الحاج أن طاقة المشفى لا تتحمل هذا الكم من المصابين والجرحى نتيجة للأعداد الكبيرة التي تصل بشكل يومي، وهذا يؤثر على قسم غسيل الكلية الصناعية وغيرها من الأقسام، ويهدد حياة من فيها بالخطر.

ارتفاع عدد الوفيات في رفح

ولا يقتصر الأمر على مرضى الكلى فحسب، إذ يواجه أصحاب الأمراض المزمنة في قطاع غزة عامة، ومدينة رفح على وجه التحديد، خاصة أمراض الضغط، السكري، السرطان، أمراض الغدد، وغيرهم، مصيراً مشابهاً، نظراً لنفاذ الادوية والعلاجات الخاصة بهم، والضغط الكبير جداً على المستشفيات في المحافظة.

وبحسب توثيق لجنة الطوارئ الصحية بمدينة رفح، فإنها تشهد من 30 إلى 40 حالة وفاة يومياً، فيما كان معدل الوفيات قبل الحرب 5 حالات في اليوم فقط.

وكانت وزارة الصحة بغزة، حذرت، في وقت سابق، من أن عدم إدخال الوقود إلى المستشفيات يشكل خطراً حقيقياً على حياة المرضى.

كتب: محمد الجمل