أظهرت الاكتشافات الأثرية المتلاحقة، مدى عمق التاريخ الفلسطيني، الممتد لآلاف السنين ما قبل الميلاد، وخاصة قطاع غزة، الذي سكنته وعاشت فيه ست حضارات، أقدمها الكنعانية التي يزيد عمرها على 4600 عام.
غزة: تاريخ عريق
وعلى الرغم من عمليات السرقة الواسعة التي نفذها الاحتلال لكنوز غزة الأثرية في الفترة التي امتدت منذ العام 1967 وحتى الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005، ونقل آلاف القطع التي لا تقدر بثمن، والتي تعود لحقب زمنية متباعدة، ووضعها في متاحف إسرائيلية، ومحاولة نسبها زوراً لليهود، إلا أن هواة وباحثون في التاريخ الفلسطيني، نجحوا بالعثور على آلاف القطع الاثرية، ووضعوها في متاحف صغيرة، استطاعوا من خلالها توثيق التاريخ العريق لقطاع غزة.

ويقول الباحث في التاريخ الفلسطيني وعالم الآثار وليد العقاد، ويمتلك متحف العقاد الشهير بمحافظة خان يونس لـ"فلسطين بوست"، إن قطاع غزة، ونظرًا لموقعه الجغرافي المتميز، كونه ممراً بين قارتي آسيا وأفريقيا، كان منطقة جذب للحضارات المتعاقبة، أبرزها الحضارة الكنعانية، التي يزيد عمرها على 4600 عام، وهم الفلسطينيون الأوائل، بدليل العديد من الاكتشافات، ولديه في متحفه إحداها، وهي عبارة عن رأس تمثال كنعاني قديم.

وكدليل إضافي على أن الكنعانيين سكنوا هذه الأرض، وبنوا عليها أكبر الحضارات، كان التمثال الذي عُثر عليه في شهر نيسان العام الماضي، شرق خان يونس، وقد نحت فوق رأسه ثعبان، وهو يُشير إلى القوة والحب، وهذا بمثابة دليل على قوة الحضارة الكنعانية في ذلك العصر.

ولفت العقاد إلى أن ثمة أدلة على أن الحضارة الفرعونية المصرية كانت موجودة في قطاع غزة، وقد عُثر على آثار فرعونية في تل رفح، ويحتفظ في متحفه ببعضها، وهناك أدلة على أن الملكة الفرعونية كيلو بترا أقامت فترة تل رفح، الذي احتلته (إسرائيل)، وجرى التنقيب فيه، خاصة في عهد وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق "موشيه ديان"، الذي سرق مئات القطاع، ولازالت تتواجد في منزله، وتشرف عليها حفيدته.
وبيّن أنه وبعد العصر الكنعاني، سكنت تلك المناطق الحضارة الفارسية، واليونانية، وكلاهما عاشوا في غزة في فترات ما قبل الميلاد، وقد عُثر العقاد على قطعة أثرية يونانية شرق خان يونس عبارة عن قطعة رخام، كتب عليها باللغة اليونانية "راحة النفس عند الموت"، يبدو أنها كانت عبارة عن شاهد لقبر يوناني قديم، إضافة لتمثال "ابولو الشهير"، وهو تمثال إغريقي جرى اكتشافه في بحر مدينة دير البلح، ثم جاء العصر الروماني وسكن نفس المنطقة، ومن بعده جاء البيزنطيون، وأقاموا شرق القطاع.
الحضارة الرومانية
وأكد العقاد، أن أهم وأعرق الحضارات التي سكنت غزة كانت الرومانية، التي بدأت في فلسطين عام 63 قبل الميلاد، واستمرت لنحو ٤٠٠ عام متتالية، وامتازت تلك الفترة بنهضة عمرانية كبيرة، فقد بدأت الحضارة المذكورة بإعادة ترميم مدن قديمة، وبناء مدن جديدة، وقد تركز وجود الرومان على ساحل البحر الأبيض المتوسط، لذلك نجد معظم المدن الرومانية ساحلية، لانشغال الرومان بأعمال التجارة البحرية، وإرسال واستقبال القوافل عبر السفن.
وبيّن العقاد أن الرومان استخدموا ببراعة الصخور النارية وصخور البازلت، وهي صخور قوية تحتوي على نسب عالية من الحديد، لذلك نجد بعض المصنوعات والمباني صمدت لآلاف السنين، مثل معاصر الزيتون الحجرية التي يمتلك واحدة منها في متحفه، ومعصرة مشابهة تتواجد حالياً في متحف آخر في بلدة القرارة.

ولفت إلى أن الرومان برعوا في صناعة واستخدام الأواني الفخارية، ويعود لهم الفضل في تطوير هذا النوع من الاكتشافات، التي استخدمتها حضارات أخرى جاءت بعدها، لذلك هناك اكتشافات فخارية متنوعة، لازال يحتفظ ببعضها في متحفه.
ونوه إلى أن الرومان اهتموا كذلك بشأن الموتى، ودفنوا موتاهم في قبور، والشخصيات الكبيرة في الدولة الرومانية مثل الوزراء، والتجار، كانوا يعاملون معاملة خاصة عند الدفن، ويوضعوا في توابيت من الرصاص، مثل التابوت الذي جرى اكتشافه شمال القطاع مؤخراً، وسبق وعثر العقاد على تابوت مماثل، مصنوع من الرصاص اللين يزن 105 كيلو جرام، وعليه بعض النقوش التي تدل على الحضارة البيزنطية، ما يعني أن هذا الشكل من التوابيت كان حاضراً لدى أكثر من حضارة.
ومن بعده جاء البيزنطيون، وأقاموا شرق القطاع، وبنوا كنائس، وامتاز عصرهم بالنهضة العمرانية، وبالجدران والأرضيات المصنوعة من الفسيفساء
وبين العقاد أن العصور الإسلامية المتعاقبة، مثل العصر الأموي، والعباسي، والفاطمي، والأيوبي، سكنوا تلك المناطق أيضاً، وثمة عشرات القطع الأثرية والنقدية المتنوعة، عثر عليها العقاد خلال تنقيبه شرق محافظة خان يونس، ولازال يحتفظ بها في متحفه، بمدينة خان يونس.
موقع الحضارات المفضل
ويقول إن هناك مواقع كانت مفضلة لمعظم الحضارات التي سكنت غزة، من بينها مناطق شرق القطاع بصفة عامة، خاصة المنطقة التي تمتد من شرق محافظة رفح، جنوباً، وحتى منطقة وادي غزة، والتي تضم كنوز أثرية تعود لأكثر من ست حضارات، بعض هذه الكنوز جرى اكتشافها، وأخرى لازالت مدفونة تحت الرمال.

وبرر العقاد ذلك بأن تلك المناطق امتازت بأنها أكثر ارتفاعاً عن محيطها، وبعضها كانت عبارة عن تلال وتباب رملية عالية، لذل فضلت الحضارات المتعاقبة أن تسكن فيها، نظراً لسهولة كشف الأعداد من بعيد، ولاعتبارها بمثابة حصون حربية، يصعب اختراقها، ويمكن التصدي للغزاة بسهولة من فوقها.
ونوه العقاد إلى أن تلك المناطق تعاني التهميش وقلة الاهتمام، فلو جرى التنقيب جيداً، تحت إشراف الجهات المختصة، لاكتشفت آثار كثيرة، كما أنها كانت عرضة للصوص الآثار في فترات زمنية متعاقبة، وجرى الحفر والتنقيب، والعثور على كنوز أثرية كثيرة، بعضها لا يقدر بثمن.
زوجان حافظا على الآثار
وإلى جانب متحف العقاد، نجح الزوجان محمد أبو لحية، وزوجته المثابرة نجلاء أبو نحلة، وعلى مدار عدة سنوات من العمل المتواصل والدءوب، بإنشاء متحف القرارة الثقافي، الذي أضحى يضم مئات القطع الأثرية الثمينة والنادرة، ليكون بمثابة صرح حضاري، ومزاراً للباحثين والمهتمين، والراغبين بالإطلاع على تاريخ فلسطين عبر العصور.
ووفق ما أكده محمد لـ"فلسطين بوست" فإن المتحف يضم العديد من الأقسام، من بينها قسم العملات النقدية للحضارات المختلفة، بعضها من النحاس والبروز والذهب، وهي تمثل العديد من الحضارات، وتتخذ أشكال مختلفة، وبعضها عليه نقوش طيور وحيوانات، أو صور لزعماء عاشوا في تلك الحضارات.

كما يحرص الزوجان على الاحتفاظ بالزجاج والفخار، حيث اشتهرت بلدة القرارة بصناعة الفخار والزجاج منذ آلاف السنين، وخصصا قسما لها في متحفهما.
بينما يخصص محمد أبو لحية مكاناً لعرض الفسيفساء التي تم جمعها من البلدة، اذ يستعد برفقة زوجته لإعادة صياغتها وترتيبها لعرضها أمام الزوار، كما يضم المتحف لوحات فنية تحكي تراث وتاريخ عريق للشعب الفلسطيني، بعضها نحتها الزوجان على الخشب، وأخرى قديمة.

ونجح الزوجان بالتعاون مع العديد من النشطاء بنقل وإعادة تشغيل معصرة رومانية يزيد عمرها على 200 عام، وتتكون من عدة أجزاء، أهمها "حجر البد"، إضافة الى قطعة معدنية تساعد في دوران الحجر على قاعدة صخرية، موصول بقطعة خشبية طويلة، ويتم استخدام الدواب من أجل دوران الحجر العلوي، ليقوم بهرس وطحن الزيتون، ويخرج منه الزيت، وينزل في مجرى مخصص، ليتم تعبئته في أواني معدنية وفخارية، واستعماله للطعام، أو حتى إنارة السراج الزيتي القديم.
كتب: محمد الجمل