ودع سكان قطاع غزة قبل ساعات العام 2023، الذي حمل مآسي وفجائع طالت كافة أنحاء القطاع ، وقد وُصف بالعام الأسوأ الذي يمر على الفلسطينيين منذ العام 1948.
ففي اليوم الذي يحتفل كل العالم بالعام الجديد، يشعلون الأنوار، ويطلقون الألعاب النارية، تعاني غزة من حرب هي الأشرس والأكثر دموية في تاريخها، خلفت عشرات آلاف الشهداء والجرحى، عدا عن أكثر من مليون ونصف نازح في مراكز الإيواء، الذين رغم نزوحهم وهربهم من القصف إلا أن الموت يلاحقهم ولا مكان آمن في غزة.
فشهدت الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام المذكور، أوسع وأطول حرب تشنها إسرائيل على قطاع غزة، شملت غارات جوية عنيفة لم تتوقف على مدار 86 يوماً، إضافة لقصف من الزوارق، وتدمير أحياء سكنية بأكملها.

ووفق المكتب الإعلامي الحكومي بغزة فقد ارتكب الاحتلال خلال 86 يوماً من العدوان 1,825 مجزرة، سقط خلالها 28,822 شهيداً ومفقوداً، بينهم 9100 طفلاً.
وأكد المكتب الإعلامي أنه تم تسجيل 7000 مفقوداً و56 ألفا و451 مصابا، ثلثي الضحايا من النساء والأطفال.
عام الحرب والدمار
وخلفت الحرب المذكورة دماراً طال كل شيء في القطاع، بدءاً من المنازل، والمزارع، المساجد، المدارس، البنية التحتية، وغيرها.
ووفق شهادات حصلت عليها "فلسطين بوست"، فإن آلة الحرب الإسرائيلية دمرت أحياء سكنية كاملة في عدوانها على القطاع، منها بيت حانون، الشجاعية، خزاعة، وغيرها.

كما تم تدمير مناطق غرب وشرق مدينة غزة، مع التركيز على مناطق بارزة، مثل حي الرمال الراقي، ومنطقة ميناء غزة، منطقة الشاليهات، ميدان فلسطين، السرايا، وغيرها.
وبالإضافة للعدوان الحالي، شهد العام المنصرم أكثر من جولة تصعيد مع الاحتلال، أبرزها استشهاد القيادي في حركة "الجهاد الإسلامي"، خضر عدنان، وما تبعه من تصعيد وإطلاق قذائف صاروخية من غزة.
ثم جولة تصعيد أخرى في التاسع من مايو/أيار، حيث شنت طائرات الاحتلال سلسلة غارات على قطاع غزة، استمرت 5 أيام وأدت إلى استشهاد 34 فلسطينياً، في حين أعلنت الغرفة المشتركة للفصائل الفلسطينية عن قصف العمق الإسرائيلي برشقات صاروخية، آن ذاك.
أوسع دمار منذ قرن
صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية نشرت مؤخراً تقريراً عن أثر الدمار الذي خلّفه العدوان الإسرائيلي على غزة، حيث وصفت أن الحرب خلّفت دماراً يماثل أكثر الحملات تدميرا في التاريخ الحديث.
وأشارت الصحيفة إلى أن إسرائيل قد أسقطت 29 ألف قنبلة، دمرت من خلالها ما يقارب 70% من المنازل بالقطاع، بينما ألحق القصف أضراراً بكنائس بيزنطية، ومساجد تاريخية، ومصانع، ومراكز تجارية، وفنادق فاخرة، ومسارح، ومدارس.

وأكدت أن جزءا كبيرا من البنية التحتية، للمياه، والكهرباء، والاتصالات، والرعاية الصحية الخاصة بالقطاع، قد أصبح غير قابل للإصلاح.
كما أفاد التقرير بأن معظم مستشفيات القطاع، البالغ عددها 36 مستشفى، مغلقة، ولا يُقبل العلاج إلا في 8 مستشفيات فقط، بالإضافة إلى أن الاحتلال دمر بساتين الزيتون، وأشجار الحمضيات، والصوبات الزراعية (البيوت البلاستيكية).
وبحسب تقرير البنك الدولي، فإن الحرب بحلول 12 ديسمبر/كانون الأول الماضي، كانت قد دمرت 77% من المرافق الصحية، و72% من الخدمات البلدية، مثل الحدائق، والمحاكم، والمكتبات، و68% من بنية الاتصالات، و76% من المواقع التجارية، بما في ذلك تدمير شبه كامل للمنطقة الصناعية في الشمال.
ووفقا للأمم المتحدة، فقد تضرر ما يقارب 342 مدرسة، بما في ذلك 70 من مدارسها الخاصة التابعة لـ"الأونروا"، وقد تضررت أكثر من نصف الطرق، وفقا للبنك الدولي.
عام سيء وآمال بقادم أفضل
ويقول المواطن محمود المصري، ونزح من بلدة بيت حانون، إنه عاش أسوأ عام في حياته، شهد خلاله الخوف، والقصف، والتهجير، والدمار، وخيبة الأمل، وبكى في وداع أقربائه.
وبين المصري لـ"فلسطين بوست"، أن الثلاثة أشهر الأخيرة من العام المنصرم، تساوي عنده ثلاثين عام، عاش كل لحظة فيها قلقاً نازحاً متنقلاً من منطقة لأخرى، ومن مدينة لمدينة، والأسوأ من ذلك أنه فقد منزله الذي تعرض للتدمير، وهذا يعني أنه بات مهجراً لا مكان يأويه.
وأكد أنه ورغم المآسي التي مرت في الربع الأخير من العام المنصرم، إلا انه يشعر بأن العام 2023 شهد بداية التحرر، وأن الأسابيع والاشهر القادمة لن تكون كسابقاتها، وأنه ورغم المآسي والقتل والدمار، إلا أن غزة ستعود في العام الجديد كما كانت وأفضل، وستلملم جراحها، وتعمر ما خربه الاحتلال.
أما المواطن عبد الله النجار من سكان شرق مدينة خان يونس، فأكد أن سكان غزة ودعوا العام الأكثر دموية في تاريخهم الحديث، فلم يسبق أن سقط هذا العدد الكبير من الشهداء والجرحى، وحدث كل هذا الدمار خلال عام واحد.
لكن النجار أكد أن العام 2023 حمل أهم حدث في تاريخ المقاومة الفلسطينية، المتمثل في هجوم السابع من أكتوبر/تشرين أول، وما يحمله من دلالات كبيرة، لذلك يتوقع أن يكون لهذا الحدث ما بعده على كل الأصعدة.
وأوضح النجار أنه وباقي سكان القطاع يستقبلون العام الجديد بآمال كبيرة، ويتمنون أن تشهد بدايته توقفاً للحرب، وأن يشهد إعمار ما دمره الاحتلال، ويتم خلاله رفع الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة، ويعود الناس لبيوتهم وأحيائهم.
وأكد النجار لـ"فلسطين بوست"، أن الناس في غزة يستحقون حياة أفضل، فهم من صبر على العدوان والظلم، لذلك يجب أن يُمنحوا فرصاً أفضل للحياة في العام الجديد، وأن يشهد هذا العام بداية لنهاية الظلم التاريخي الذي وقع على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
أما المواطن يحيى مسعود، والذي فقد عدد من أقاربه بينهم شقيقه في قصف إسرائيلي استهدفهم بينما كانوا في منزل العائلة الكائن غرب مدينة غزة، قبل أن يضطر ومن نجى من أفراد عائلته إلى النزوح إلى محافظة رفح، فلا زال يتمسك بالأمل، بأن يحمل العام الجديد انفراجات كبيرة ووقفاً للعدوان، وأن يترك خلاله خيمته التي يعيش فيها ويعود ليقيم في منزله بعد إعادة إعماره.. قائلا العام الجديد سيكون أفضل، وسنتمكن من العودة إلى منازلنا وإعادة بنائها، أو حتى العيش في خيمة على الأنقاض.
تحولات هامة
وعلى الرغم من مآسي العام المنصرم، إلا أنه شهد تحولات هامة لصالح فلسطين، بدأت التحولات في الرأي العام العالمي والأمريكي تضغط على الإدارة الأمريكية التي انخرطت عملياً في الحرب مع إرسالها حاملتي طائرات وغواصات نووية، وأكثر من ألفي جندي إلى المنطقة، وتوفير الغطاء السياسي لإسرائيل في كل المحافل الدولية، حيث عرقلت خمس محاولات في مجلس الأمن لاستصدار قرار بوقف إطلاق النار، بما في ذلك استخدام «الفيتو» أكثر من مرة.
لكن الولايات المتحدة وجدت نفسها معزولة في مواجهة المجتمع الدولي الذي كان يدفع باتجاه وقف إطلاق النار، خصوصاً بعدما استخدمت «الفيتو» للمرة الثانية مقابل 13 من أعضاء مجلس الأمن صوتوا لصالح مشروع قرار بوقف إطلاق النار وامتناع بريطانيا عن التصويت.
وبعدها وجدت نفسها مع إسرائيل ضمن 10 دول صوتت ضد مشروع قرار لوقف إطلاق النار، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، مقابل 153 دولة بما فيها الدول الكبرى الوازنة في الساحة الدولية.
هذا التحول في الرأي العام، الذي حدث مع خروج الملايين في مختلف المدن والعواصم العالمية في تظاهرات عابرة للقارات دعماً للفلسطينيين في قطاع غزة، وللمطالبة بإنهاء الحرب، بما يعنيه ذلك من سقوط الرواية الإسرائيلية التي هيمنت على الساحة الدولية لعقود، سبب حرجاً بالغاً للإدارة الأمريكية، ووضع سمعتها على المحك.

وازداد هذا الضغط بعدما شهدت ولايات ومدن أمريكية تظاهرات تندد بالمجازر التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، وتطالب بوقف فوري لإطلاق النار، وبعدما وصلت الاحتجاجات الرافضة للحرب إلى بوابة البيت الأبيض وإلى داخل الكونغرس. وظهرت بوادر انقسام في وزارة الخارجية الأمريكية، سرعان ما امتد إلى طاقم وزارة الأمن الداخلي، ثم إلى موظفي البيت الأبيض، الذين نفذوا وقفات احتجاجية تطالب بإنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة.
ومن المتوقع أن يكون لهذه التحولات التي تتزايد، دوراً مهما لصالح فلسطين وقضيتها، ويدفع في اتجاه وقف إطلاق النار، وإيجاد حلول لمشكلة غزة، التي تعاني من الحصار منذ 17 عاماً.
كتب : محمد الجمل