أيقونة العملات

العملات

الدولار اليوم
اليورو اليوم
أيقونة الطقس

الطقس

أيقونة الإشعارات

اشعارات

مقالات

من تحت الركام.. تحية لكم، أما بعد

27 أكتوبر 2023

ما زلت هنا أقف في اليوم الحادي والعشرين من معركة طوفان الأقصى التي انطلقت في السابع من أكتوبر، وبعد فرحة استمرت ساعات بصنيع المقاومة وبالصفعة القوية التي تلقاها أطول وأبغض احتلال مر على وجه البسيطة، والتي أثبتت للجميع أنه أوهن من بيت العنكبوت. 
لنعيش بعدها إبادة جماعية، صب الاحتلال غضبه بضوء أخضر غير مسبوق من الدول التي تكيل بمكيالين على المدنيين والعزل ما يوازي ربع قنبلة نووية في الأسبوع الأول من المعركة والحرب التي أعلنها العالم ضد بقعة صغيرة لا تتجاوز الـ360 كيلو متر مربع، وقفت لتقول (لا للاحتلال، نعم للعيش بحرية وكرامة، لا لحصار ظالم أطبق عليها من البحر والبر والجو ما يزيد عن 18 عامًا). 

تعرضت غزة في هذه الأعوام لحروب قاسية منذ عام 2008 حتى 2023، اختلفت مسمياتها وأهدافها وتشابهت في قتل الأطفال والأبرياء والعُزل. 

أعيها جيدا بتفاصيلها بأيامها بشعوري فيها وكنت أنوي توثيق تلك الأيام لكني كل مرة لم أفعل وكنت أنجو في كل مرة مع خدوش في روحي عالقة وجروح تتفتح وتزداد مع كل حرب جديدة.

هذه المرة شيء ما دفعني لأمسك قلمي وأدون بعضًا من تفاصيل هذه المجزرة .. لعل السبب هو الوحشية الغير مسبوقة ورائحة الموت التي تقترب من كل مكان.. وأتمنى أن أنجو هذه المرة أيضًا. 

سأصحبكم أنا زوجة وأم لثلاثة أطفال وابنة بارة لعائلتها وصديقة جيدة لرفيقاتي بقلمي لأنقل لكم ما استطعت حتى يأذن الله لنا بإحدى الحسنيين.

كنت أخطط للسفر قبل الحرب وأعد الأيام التي تقربني لهذا الحلم، وأشتري لأطفالي ملابس الشتاء والكثير من الأشياء العادية والبسيطة، أما اليوم فبتُ أراها حُلمًا بعيد المنال. 

بأيامٍ معدودة.. تحولت مدينتنا الصابرة إلى طفلة خائفة ترتجف على شاطئ البحر يتخطفها العالم من فوقها، ويشيح دعاة السلام بنظرهم عنها، يتجاهلون صرخاتها وألمها ويتنكرون لحقها في الدفاع عن نفسها.

ارتقى أكثر من 7300 آلاف شهيد وأصيب أكثر من 18 ألف جريحًا.

حميعهم كانوا هنا، في هذا المكان الذي يتحول به بيتك الآمن إلى وحش كبير سيبتلعك في أي لحظة.

تنظر إلى زواياه متوجسًا.. أيهما سيبقى صامدًا، أي الجهات ستنهار أسرع.. هل سيحتضنني برفق ويبقيني حيًا في إحدى زواياه.. أم يطبق علي مرة واحدة فلا أشعر بالألم.. 

أم هل سيمنحك الوقت ويلفظك خارجه إلى الشارع حافي القدمين تحمل أطفالك وأثمن أشياءك قبل ثوانٍ من انهياره.
سيخنقك التفكير إن جاءت ببالك صورة الركام تحتجز جسدك وتسمع أصوات الإسعاف وتكبيرات المذعورين فوق الركام والدمار.. ثم ييأسوا من رفع الحجارة ويذهبوا لإنقاذ وتفقد بيت آخر قُصف بعدك.

لا تحاول التفكير بعائلتك وأهلك وأطفالك ماذا سيفعل بهم بيتك الآمن إن اختارته طائرات الاحتلال وصوبت تجاهه قنابلها المتعطشة لدماء الآمنين.

لم تكن هواجسًا كانت حقيقة عاشها آلاف الشهداء والجرحى من أبناء شعبي منذ سنوات، ونعيشها الآن منذ 21 يومًا لحظة بلحظة وخفقة ورجفة. 

يتبع..