أيقونة العملات

العملات

الدولار اليوم
اليورو اليوم
أيقونة الطقس

الطقس

أيقونة الإشعارات

اشعارات

غزة

تصحر مصطنع.. الاحتلال الإسرائيلي يعدم تربة غزة بصواريخه المُحرمة

25 مايو 2023

مع كل عدوان إسرائيلي جديد على قطاع غزة، تتحول الأراضي الزراعية إلى هدفاً مفضلاً لطائرات الاحتلال، إذ تسقط عليها مئات الأطنان من المتفجرات، التي تتسبب بحرق وقلب التربة، وتحدث حفراً قد يزيد عمق بعضها على 20 متراً، لدرجة أن بعض الحفر تسببت بخروج المياه الجوفية من باطن الأرض.

هذا الشكل الجديد من العدوان أخذ يتزايد منذ صيف العام 2014، وتواصل في عدوان 2021، وخلال جولات التصعيد المتعاقبة، إذ أكد خبراء في المجال الزرعي والبيئي أنه يعتبر كارثة كبيرة، ويهدد بشكل مباشر القطاع الزراعي والحيوي، وأدى لتصحر آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية بشكل متسارع.

الاحتلال يعدم التربة

ووصف المهندس والخبير الزراعي نزار الوحيدي، المدير العام السابق للإرشاد والتنمية في وزارة الزراعة بغزة، لـ "فلسطين بوست" ما يحدث بعملية إعدام ممنهجة ومقصودة للتربة، بهدف ضرب السلة الغذائية الزراعية في قطاع غزة، فما يحدث عند انفجار قنبلة أو صاروخ في عمق الأرض أمر كارثي، فالانفجار يولد حرارة هائلة قد تصل الى 5000 درجة مئوية، وهذا يتسبب في قتل وإبادة العناصر الحيوية الفاعلة في التربة، ويحولها التربة إلى ميتة.

وأوضح الوحيدي أن الحفرة الكبيرة التي يحدثها الصاروخ أو القذيفة التي يطلقها الاحتلال تؤدي إلى قلب التربة رأساً على عقب، وتسبب بتغيير خواصها الكيميائية والفيزيائية، وتحدث عملية تصحر سريعة فيها، وتسببت تراجعاً في مستويات النيتروجين، وكميات الفوسفور، والمغنيسيوم، وهي عناصر مهمة تحتاجها النباتات في النمو، وتعويض هذا الأمر وإصلاح التربة لنفسها يحتاج إلى عشرات السنوات، في حال تعرضت لرعاية خاصة، ولم تتعرض لغارات جديدة.

ولفت إلى أن هناك نوعان من الضرر يصيب التربة جراء تلك القذائف، الأول قصير الأمد، بحرقها وافقادها الخصوبة، وبالتالي عدم صلاحيتها للزراعة، أو نمو بطيء للنباتات فيها، وهذا بدا ملاحظاً في المناطق التي تعرضت للقصف، حيث كان نمو النباتات فيها ضعيف، وأطوالها لا تحقق المطلوب، والأمر الثاني مستقبلي، عبر نشر سموم غير معروفة في التربة، بعضها عناصر ثقيلة سامة جداً غير قابلة للهدم البيولوجي، مثل النحاس، الزنك، الكوبال، الرصاص، وغيرها، يبقى تأثيرها في التربة عقود وربما قرون، إضافة لاحتمال وجود مواد مشعة، لم تسطع جهات الاختصاص اثبات وجودها من عدمه، لمنع الاحتلال دخول أجهزة فحص متطورة، أو حتى إخراج عينات لفحصها في الخارج، لأن ذلك قد يترتب عليها اثباتات يدين الاحتلال الإسرائيلي في محافل دولية، والأخيرة معنية بإخفاء جرائمها وبقائها طي الكتمان.

وبيّن الوحيدي أن الاحتلال حول أراضي القطاع إلى ميادين رماية، وأن معظم الغارات تنفذ عند الساعات الأولى من الفجر، وهذا مقصود، فاتجاه الرياح في هذا التوقيت يكون من الشرق للغرب، ما يعني حمل الرياح غبار الصواريخ بما فيه من ملوثات كيميائية وربما إشعاعية إلى قلب المناطق السكنية المكتظة.

ورصد مختصون وخبراء متفجرات، استخدام الاحتلال لثلاثة أنواع خطيرة ومحظورة من القنابل المسقطة جواً ضد أهداف مدنية في قطاع غزة، أبرزها القنابل المسقطة الموجهة GBU وهي قنابل مخصصة لمهاجمة الحصون والأنفاق تحت الأرض وتسمى "مدمرة الملاجئ"، إضافة إلى قنبلة MPR500 وهي نوع خطير من القنابل ينفجر بعد اختراق الأرض، مع الإفراط في استخدام أوزان ثقيلة من القنابل المسقطة من عائلة MK الأميركية الصنع، يصل وزن بعضها إلى طن.

وحذر الوحيدي من خطورة وصول المواد السامة والمسرطنة للمياه في الخزان الجوفي، فطبيعة التربة في غزة رملية نفاذة، وممكن لمياه الأمطار وحتى مياه الري حمل تلك المواد بسهولة للخزان الجوفي، وهذا يعني امتداد أثر الخطر ليشمل معظم سكان القطاع، اللذين يعتمدون بشكل أساسي على الخزان الجوفي في توفير احتياجاتهم المائية المختلفة.

كشفت دراسة أجراها الباحث عماد أبو كريم، بعنوان "تلوث التربة ومخلفات البناء بالعناصر الثقيلة في قطاع غزة"، مخصصة لنيل درجة الماجستير من معهد المياه والبيئة بجامعة الأزهر بغزة عام 2016، أن الاحتلال ألقى 36,000طن من قذائف المدفعية والقنابل المسقطة جوا على قطاع غزة صيف العام 2014، وتسبب هذا في حدوث 7,473 حفرة في المناطق الزراعية.

وكشفت نتائج الدراسة المذكورة أن الأنشطة العسكرية ساهمت في زيادة تراكيز المعادن الثقيلة في تربة غزة، مثل: الكادميوم، والكوبالت، والكروم، والنحاس، والمنجنيز، والنيكل، والألمونيوم.

حصار من نوع آخر

في حين أكد رئيس المعهد الوطني للبيئة والتنمية، الدكتور أحمد حلس لـ "فلسطين بوست"، أن ما يحدث هو حصار وحرب إسرائيلية على البيئة الفلسطينية بكافة مكوناتها، وهي امتداد للحصار المائي الذي تفرضه إسرائيل على القطاع منذ عقود طويلة، وبدأ في سبعينيات القرن الماضي حين أنشأ الاحتلال سدود وعبارات مياه حرمت القطاع من جريان وديان سطحية كانت تمد القطاع بالمياه مثل وادي السلقا، وادي غزة، وادي بيت حانون، وهذا حجب ما بين 25 – 30 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، ثم بدأت المرحلة الثانية بسلب المياه العذبة من باطن الأرض، عبر 21 مستوطنة كانت تمتد من شمال قطاع غزة حتى جنوبه، قبل الانسحاب الإسرائيلي من القطاع.

ووفق أرقام واحصاءات حصلت عليها "فلسطين بوست" فإن عدوان عام 2014، وحده شمل إطلاق الاحتلال 36,000 طن من قذائف المدفعية والقنابل المسقطة جوا على قطاع غزة، تم إحصاء تصحر نحو 115 ألف دونوم من الأراضي الزراعية، بينما تواصلت عمليات تصحر مزيداً من الأراضي بفعل الغارات التي لم تتوقف على القطاع طوال السنوات الثمانية، اذ تصحر ما بين 40-50 ألف دونم جديدة.

وبيّن حلس أن الأراضي الزراعية التي تتواجد على الشريط الحدودي الشرقي والشمالي للقطاع تمثل 80% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة، من الشجاعية وبيت لاهيا وبيت حانون وصولا لرفح، وهي الأكثر استهدافا وتضرراً.

جهود لمحاربة التصحر

وبعد كل عدوان، يحاول مزارعون التغلب على الحفر التي ملأت أراضيهم بفعل إطلاق الصواريخ والقذائف، اذ قام بعضهم بردم الحفر، وجلب آخرون تربة جديدة ونشروها على السطح، بينما نقل مزارعون كميات من السماد البلدي، وقاموا بتقليبه في الأرض بواسطة محاريث.

وغم ذلك أكد مزارعون أنهم يعانون من ضعف متزايد في التربة، وتراجع حاد في الإنتاج، رغم محاولتهم استبدال التربة، وتنظيف مكان سقوط القذائف، إذ يقول المزارع خالد قديح لـ "فلسطين بوست"، إنه بات يضطر لزيادة الاعتماد على الأسمدة والمخصبات الكيميائية، في محاولة لمواجهة تراجع خصوبة الأرض في المنطقة الشرقية لمحافظة خان يونس، وأن معظم المزارعين باتوا يفعلون الشيء ذاته.

وأكد قديح أن التربة تفقد خصوبتها بشكل مستمر، والإنتاج يتراجع، وبات ثمة قلق في صفوف المزارعين على مستقبل أراضيهم ومزروعاتهم، التي تشكل مصدر دخلهم، وتعتبر بمثابة سلة الخضروات الأساسية لقطاع غزة.

الأضرار التي تلحق بالأراضي الزراعية والتربة والبيئة تشير إلى شبهات قوية تشكل خطرا على الحق في الحياة، والتي تم ترسيخها في البند 6 من الميثاق الدولي بخصوص الحقوق المدنية والسياسية التي حظيت باهتمام واسع يشمل الحق في الوصول إلى الظروف التي تؤمن الحياة المعقولة.

كما أن الاحتلال يخالف بشكل صريح البند 54 من البروتوكول الأول المرفق لاتفاقيات جنيف من العام 1977، والذي يحظر مهاجمة، تدمير، إبعاد أو منع استخدام المرافق الحيوية للسكان المدنيين، بما في ذلك مخازن الغذاء، الحقول الزراعية ومرافق تزويد مياه الشرب.

 

كتب: محمد الجمل

وزارة الاقتصاد بغزة تنشر رابطًا لتسجيل المنشآت المتضررة بالعدوان