أسهم العدوان الإسرائيلي المتواصل لليوم الخامس على التوالي، وما رافقه من غارات جوية عنيفة، وحصار مطبق على قطاع غزة، بحدوث أزمات تنبئ بكارثة إنسانية وشيكة، في حين تواصل الخدمات توقفها بشكل متتابع.
ودمرت الطائرات الإسرائيلية مئات المنازل، ومسحت أحياء سكنية بأكملها، كما خلف الدمار الكبير كوارث في مختلف القطاعات.

وأسهم الدمار الكبير الذي طال مرافق صحية، بيئية، منازل، مدارس، مؤسسات، في تفاقم الأوضاع الإنسانية على نحو غير مسبوق، إذ يقول رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، سلامة معروف، إن الاحتلال ألحق دماراً واسعاً في ١٠ مراكز ومؤسسات صحية، وتسبب بإخراج بعضها عن الخدمة مثل مستشفى بيت حانون، كما توقف ٢٩ مركز رعاية أولية عن العمل بسبب القصف من أصل ٥٢ مركز يتبع وزارة الصحة، بما يهدد حياة آلاف المرضى المزمنين الذين يتلقون المتابعة الطبية والأدوية منها.
وأكد معروف أن عشرات المرافق العامة والمنشآت الخدماتية الحكومية تعرضت لقصف عنيف ومركز، ما ألحق دمارا واسعا في البنى التحتية على مستوى شبكات الطرق والمياه والكهرباء والصرف الصحي.
وأوضح أن الاحتلال عمل على تدمير وهدم أحياء سكنية كاملة شملت آلاف الوحدات السكنية، عبر قصفها بمئات الأطنان من القنابل شديدة الانفجار، كما ارتكب ٢٣ مجزرة بقصف العائلات الآمنة في منازلها دون سابق تحذير أو إنذار، ما أودى بحياة أكثر من ١٦٠ مواطن جلهم نساء وأطفال.

وقتلت قوات الاحتلال ٨ صحفيين وأصابت أكثر من ٢٠ آخرين، وألحقت دمارا بعشرات المقار الإعلامية، ومنعت دخول الصحفيين الأجانب لغزة.
وبين معروف أن طائرات الاحتلال ألحقت دمارا بأكثر من ٤٨ مدرسة تتبع وكالة الأونروا والحكومة، وتسبب بقتل ١٠ من الكوادر التعليمية وقرابة ٣٠٠ طفل، وهدم الاحتلال ١٠ مساجد، وألحق دمارا بعشرات المساجد ودور العبادة الأخرى، منها ٧ مساجد وكنائس أثرية قديمة.
وأكد معروف أن استهداف الاحتلال ونقص المعدات والإمكانات اللازمة للتعامل مع حالات انتشال الشهداء وإخلاء الجرحى من تحت الأنقاض، يعيق مهام طواقم الإنقاذ، ويتسبب بارتفاع أعداد الشهداء الذين لا يتم الوصول لهم.
عالقون تحت الركام
في حين يقول مقدم مهندس محمد أبو جلمبو، مدير دائرة الانقاذ والإطفاء في الدفاع المدني بغزة، أن الدفاع المدني يواجه صعوبات شديدة في كل المناطق، وأن أعداداً كبيرة من المواطنين لا تزال تحت أنقاض المنازل التي دمرتها طائرات الاحتلال على رؤوس ساكنيها في عدة مناطق من قطاع غزة منذ يومين.

وأوضح أبو جلمو لـ"فلسطين بوست"، أن طواقم الدفاع المدني باتت عاجزة عن التعامل مع الكم الهائل من البيوت المدمرة، وليس لديها ما يكفي من آليات ومعدات ثقيلة لإخراج العالقين من تحت الأنقاض، ما ينذر بارتفاع عدد الضحايا بشكل كبير.
ووفق أبو جلمبو فإن الدفاع المدني في غزة يعمل عناصره في ظل ظروف عصيبة، بسبب نقص المعدات، إذ أن الجهاز لا يمتلك سوى 27 سيارة انقاذ وإطفاء، أغلبها قديمة تتعطل باستمرار، كما أن هناك مشكلة في تعبئة سيارات الإطفاء بالمياه نظراً لانقطاعها عن قطاع غزة، إضافة لصعوبة وصول إشارات الاستغاثة وبلاغات المواطنين جراء تعطل شبكات الاتصال وانقطاع التيار الكهربائي وفراغ بطاريات الهواتف النقالة.
توقف خدمات
وأعلن وكيل وزارة الصحة في غزة يوسف أبو الريش، أنه تم استنفاد جميع أسرة المستشفيات، والأدوية والمستهلكات الطبية في طريقها للنفاد، في حين دعت وزارة الصحة المواطنين الى التوجه الى مجمع الشفاء الطبي وكافة المستشفيات وجمعية بنك الدم وفروعها في محافظات قطاع غزة للتبرع بالدم وخاصة من فصيلة ( 0 ) بنوعيه السالب والموجب.
وأعلنت شركة توليد الكهرباء عن توقف كلي لمحطة التوليد في قطاع غزة عن العمل، ما يعني عدم توفر أية كميات من الكهرباء في كافة أنحاء القطاع، بعد قطع خطوط الكهرباء الإسرائيلية التي كانت تغذي القطاع.
ولاحقاً أعلنت وزارة الصحة أنها قررت البدء العمل بإجراءات تقنين الخدمات الصحية والمساندة، وتوجيه طاقة المولدات الكهربائية المحدود لاستمرار الخدمات الطارئة والحساسة المنقذة للجرحى والمرضى بالحد الممكن مع اشتداد العدوان الاسرائيلي وقطع الكهرباء وعدم توفر الوقود للمستشفيات.
وتواجه البلديات ومصلحة مياه الساحل صعوبات كبيرة في نقل وإيصال المياه للمناطق السكنية، بسبب الدمار الكبير الذي لحق بخطوط المياه، وانقطاع التيار الكهربائي، وصعوبة توفير وقود لتشغيل المولدات المثبتة فوق الآبار، وهي تحتاج لقدر كبير من الطاقة الكهربائية.
نازحون في المدارس
وشهدت الساعات القليلة الماضية تزايد كبير في أعداد النازحين ممن لجأوا لمدارس "الأنروا" وأماكن أخرى، حيث قال ووفق سلامة معروف رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، فإن عدد النازحين في القطاع ارتفع إلى ربع مليون شخص، 50 ألف منهم نزحوا باتجاه بيوت أقارب وأصدقاء، والباقون التجأوا لمدارس الأونروا.

بينما قال عدنان أبو حسنة، المستشار الإعلامي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، أن أكثر من 200 ألف نازح لجأوا لـ 88 مدرسة ومركز إيواء في قطاع غزة، موضحاً أن وكالة الغوث جهزت سابقا 50 مدرسة بصهاريج مياه نظيفة، وتهيئتها لاستقبال النازحين، وكان أقصى إمكانية لاستقبال 150 ألف نازح، لكن العدد كان أكبر من المتوقع، ما اضطرها لفتح مراكز ومدارس جديدة، رغم عدم تجهيزها.
وأوضح أبو حسنة لـ"فلسطين بوست"، أن ثمة جهود واتصالات يبذلها الأمين العام للأمم المتحدة، بهدف فتح ممرات إنسانية لمرور الغذاء والدواء لقطاع غزة، خاصة لمراكز الإيواء، لافتاً إلى أن المخازن الغذائية التي تمتلكها وكالة الغوث في قطاع غزة تفقد الكثير من محتوياتها بسرعة، ما يعني أن وكالة الغوث قد تكون عاجزة عن تقديم أي شيء للنازحين في مدارسها حال لم تصل المساعدات في الساعات والأيام المقبلة.
وتوقع عاملون في مراكز الإيواء في قطاع غزة، تزايد أعداد النازحين على نحو أوسع في الساعات والأيام المقبلة، خاصة مع استمرار ارسال رسائل نصية وصوتية للمواطنين، والطلب منهم بإخلاء منازلهم وأحيائهم، بحيث لا يجد النازحون مكاناً يلجأون إليه سوى مدارس الأونروا"، وهذا ينذر بمشاكل أعمق، خاصة مع وقف كامل للإمدادات الغذائية والإنسانية في اتجاه القطاع.
كتب: محمد الجمل