على الرغم من مرور أكثر من 35 ساعة على أوسع عمليات اقتحام وتسلل تنفذها المقاومة الفلسطينية ضد مدن وبلدات إسرائيلية في تاريخها، إلا أن الاحتلال لازال عاجزاً عن استرداد الكثير من المناطق التي يسيطر عليها المقاومون حتى الآن.
فرغم الدفع بتعزيزات إسرائيلية كبيرة، يواصل مقاومون اشتباكاتهم مع الاحتلال في العديد من القرى والبلدات الإسرائيلية، إذ وصلت مجموعات من المقاومين حتى مدينة عسقلان، وعلى مشارف مدينة أسدود، وتوغلوا بمركبات استولوا عليها حتى وصلوا إلى مناطق قريبة من كريات ملاخي، نفذوا عمليات إنزال بالمظلات في قواعد عسكرية، ما دفع الاحتلال لإقامة حواجز على الطرقات، خشية وصولهم لمدن كبرى، مثل القدس وتل أبيب، بينما بدا الجيش الإسرائيلي بإخلاء عشرات المدن والقرى في غلاف غزة، من الإسرائيليين.
وفاجأ أبو عبيدة الناطق باسم "كتائب عز الدين القسام"، الجميع عندما أعلن صباح اليوم، عن تمكن قيادة القسام باستبدال بعض القوات بقوات أخرى في الداخل المحتل، وأرسال دعم للمقاومين المتواجدين في الغلاف، ما يعني أن الدفاعات الإسرائيلية على طول حدود القطاع لازالت في حالة انهيار، وليس لدى الجيش الإسرائيلي قدرة على منع تسلل واقتحام المقاومين.
تفاصيل انهيار الدفاعات الإسرائيلية
وكان الانهيار المفاجئ للدفاعات الإسرائيلية على طول خط التحديد شرق القطاع سريعاً ووسعاً، وتواصل الانهيار اليوم بوتيرة أسرع، مع تنفيذ المزيد من عمليات الاقتحام والتسلل، باستخدام طرق مختلفة.
وشكلت المظلات الطائرة إحدى أهم وسائل اقتحام الحدود، وساعدت في سرعة انهيار منظومة الدفاع الإسرائيلية، خاصة أنها مهدت إلى تقدم مئات المقاتلين عبر دراجات نارية، وبواسطة مركبات.
وأعلنت صحيفة "يديعوت احرونوت"، الإسرائيلية تفاصيل جديدة حول الضربة الافتتاحية التي وجهتها قوات "كوماندوز" حركة حماس، إذ قالت: " نجح مسلحو حماس بالسيطرة أولاً على 8 مواقع للجيش في فرقة غزة، ودمروا الأسلحة، وأشعلوا النار في مراكز الاتصالات والمراقبة، مما أدى إلى تعطيل قدرات القيادة والسيطرة، كما توجهت فرقة كوماندوز إلى حاجز بيت حانون "إيريز" وقامت بتدميره، بعد ذلك فتحوا بواباته وتوجهوا نحو بلدة "سديروت" ثم فجروا البوابات ومناطق عند السياج مما سهل الوصول لباقي قواتهم برا ودون أي عائق.
في حين كتب المحلل والكاتب الإسرائيلي "نداف إيال" في صحيفة يديعوت أحرونوت متسائلا: أين الاستخبارات رمز "التفوق الإسرائيلي" التي نصرف عليها مليارات الشواقل سنويًا! ما حدث أخطر من حرب أكتوبر، فهذه المرة لم يكن الفشل فقط استخباراتيًا، بل في كل المستويات، وإسرائيل بدت ضعيفة جدًا".
ودخلت عملية طوفان الأقصى التي أطلقتها كتائب عز الدين القسام ضد الاحتلال الإسرائيلي، يومها الثاني والتي قتل فيها حتى الآن 400 إسرائيلي وجرح 1864، بينما يواصل الاحتلال الإسرائيلي شن غارات على مناطق مختلفة في قطاع غزة، ما أسفر عن سقوط مدنيين وتدمير منازل.
ووفق محللون فإن مقاتلي "حماس" استطاعوا ببراعة تحييد الجدار الإسرائيلي الممتد بطول 65 كيلو متراً حول القطاع، والذي استغرق بناؤه ثلاث سنوات، بعمق 50 متر في الأرض وارتفاع 6 أمتار، وجرى تزويده بتقنيات متقدمة، بتكلفة قاربت على 4 مليار شيكل.
أسباب الانهيار
في حين يقول الدكتور إبراهيم حبيب الخبير في الشأن العسكري والاستراتيجي، أن ما حدث في غلاف غزة لم يكن مجرد عملية شاهدناها عبر صور ومقاطع فيديو، بل هو نتاج جهد استخباراتي يبدو أنه استمر وقت طويل، استطاعت المقاومة من خلاله تكوين بنك معلومات، تضمن نقاط الضعف والقوة لجيش الاحتلال على حدود غزة، وتحديد أماكن الهجوم بدقة، وتحديد توقيت الهجوم وكيفيته، والوسائل التي يمكن أن تنجح في نقل المقاتلين لغلاف غزة.
وأكد حبيب لـ"فلسطين" بوست"، أن الجهد الاستخباراتي والتحضير الواسع للعملية رافقه عملية تضليل بارعة، أظهرت المقاومة خلالها أنه لا تنوي الدخول في أي تصعيد جديد، بل وقبلت ببعض التفاهمات الشكلية، ما أدى الى استرخاء الاحتلال، وعدم توقع ما حدث، مشيدا بحسن اختيار التوقيت سوى في اليوم أو الساعة، ما كان له أثر بالغ في نجاح العملية.
وأوضح حبيب أنه ومن أهم الأسباب التي أسهمت في إنجاح عملية الاقتحام، كان استخدام تقنيات جديدة ومفاجأة، منها "التركترون الطائر"، والوصول للحدود بأعداد كبيرة جداً من المقاتلين، وأن عملية الوصول للمواقع العسكرية لم تستغرق وقت طويل، وهذا شكل صدمة ومفاجأ للجنود الإسرائيليين، ممن استفاقوا على المقاومين فوق رؤوسهم، ما شل من قدرتهم، وأحدث لديهم رعب وهلع، فوفق ما نشر فإن الكثير من الجنود أسروا وقتلوا ومعهم سلاحهم، ولم يستطيعوا إطلاق رصاصة واحدة منه.
تغطية نارية واسعة
وتحدث حبيب عن أهمية التغطية النارية التي رافقت الهجوم، عبر إطلاق آلاف الصواريخ وقذائف الهاون، ما شكل صدمة لدى الجيش الإسرائيلي، وعرقل أي محاولات لصد الهجوم، وأخلى الشوارع من الإسرائيليين لبعض الوقت، وهذا أسهم في سيطرة المقاومة على مناطق واسعة من غلاف غزة.
وأشاد بأهمية تمكن المقاومة من تحييد العديد من الدبابات، التي كان مهمتها حماية المواقع، عبر استهدافها بطائرات مسيرة، أو بقاذفات مضادة للدروع، وهذا جعل المواقع بلا حماية، وحول القتال إلى وجاهي.
وأكد أنه وبالإضافة لما سببته العملية من هزة سياسية وأمنية غير مسبوقة لدولة الاحتلال، وعدد القتلى الكبير، فإنه أهم مخرجات العملية، كانت إظهار الجندي الإسرائيلي على حقيقته، فهو جندي جبان، غير قادر على المواجهة، يستعين دائما بالآليات والتقنيات الحديثة، وحين يصبح وجهاً لوجه مع المقاومة الفلسطينية يفر أو ينهار.
تداعيات كبيرة
وأكد أن حدود العملية المذكورة لن تقف عند ما حدث، فتداعياتها على كل المستويات ستتواصل، وهي أدت إلى تراجع سمعة الجندي الإسرائيلي، وقد تشجع المقاومة في مناطق أخرى لتكرار عمليات مشابهة في المستقبل، ومستقبلاً ستحول غلاف غزة إلى منطقة غير قابلة للحياة، بعد أن فقد المستوطنون الأمان، فوجودهم إلى جوار غزة سيبقى تهديد مستمر لهم.
وكانت كتائب القسام، قد كشفت أن 5 زوارق مُحمّلة بمقاتلي الكوماندوز البحري القسامي شاركت في اللحظات الأولى من معركة طوفان الأقصى.
ووفق البلاغ العسكري للقسام رقم (5) فقد "تمكنوا بفضل الله من تنفيذ عملية إبرارٍ ناجحة على شواطئ جنوب عسقلان والسيطرة على عدة مناطق، وأدارت عملياتها باقتدار، وكبدت العدو خسائر فادحةً في الأرواح."
في حين قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: في هذه المرحلة يتم إخلاء المستوطنات المجاورة للسياج (أوريم، بئيري، ناحال عوز، نتيف هعسراه، زيكيم) ووفقا للتقييم العملياتي للوضع، كما طُلب من السكان إخلاء منازلهم، وسيتم إجراء المزيد من عمليات الإجلاء وفقًا لتقييم الوضع، ولاحقاً اعلن الجيش الإسرائيلي عن زيادة عدد المستوطنات والقرى التي تم إخلائها، لتصل إلى 25 مستوطنة.
كتب: محمد الجمل