تُدرج المقارنة من ضمن" القتلة الخمسة" في علم النفس، كونها تؤدي لهلاك أي علاقة مهما كانت قوتها، يستخدمها الآباء بنية التشجيع والتحفيز لأبناءهم وتعديل سلوكياتهم في كثير من المواقف والأحداث، ولكنها على عكس اعتقادهم، تكون سبباً في تشويههم و تدميرهم وإخماد طاقاتهم.
ومع كثرة التحذير منها بات بعض الأهالي يدركون خطأ فعلهم ويحاولون التخلص منه، في حين أن فئة كبيرة لا تنتهي منه وتوقع أطفالنا في وحل المقارنات، وتستخدمه بكثرة خاصةً في أوقات الامتحانات وتحصيل الدرجات لدفعهم لمواصلة القراءة والحفظ كما يدعون.
أطفالنا والمقارنات
نور جمعة أم لخمسة أبناء جميعهم في سن متقاربة قالت: " في العادة لا أقارن أطفالي بالآخرين وحتى بين بعضهم أحاول تجنب ذلك قدر الإمكان، لأن كل واحد منهم متميز في شيء معين، ودوري السعي لمعرفته وتنميته وتحفيزه للإبداع فيه".
وأضافت:" في أول طفلتين لي كنت أسمع المقارنات من حولي بينهن كثيراً كون الفارق أقل من سنة، وللأسف هذا الأمر أثر علي وأصبحت أقارنهن أنا أيضاً من باب تحفيزهن، ولكن بدأت ألحظ غيرة بينهن وتقليد متواصل وشعرت بمحاولاتهن ليصبحن نسخة بأفعالهن وتصرفاتهن، فقررت بعدها عدم مقارنتهن ببعضهن وبلا شك مقارنتهن مع غيرهن".

وتستذكر جمعة في صغرها أثناء دراستها نوعاً من المقارنة، فتقول: "في المدارس عانينا من المقارنة أيضاً من بعض المدرسات، فكان خط فلانة هو الأجمل مهما حاولنا، وكانت إجابات إحداهن هي الأدق والأصوب على الرغم من صحة أجوبتنا، هذه الأمور خلقت بشكل أو آخر فكرة المقارنة الدائمة داخلنا التي نحاول الآن نبذها والتخلي عنها مع أبناءنا".
وأشارت إلى ضرورة انتباه الأمهات والآباء إلى الأثر السلبي للمقارنات كي لا نفقد أبناءنا وهم بيننا فيصبحون جسداً بلا روح.
توافق آلاء إسماعيل الرأي مع نور جمعة فتقول لفلسطين بوست: " لا أقارن أطفالي بالآخرين إلا نادراً وأؤمن بأن داخل كل طفل طاقة رهيبة يجب اكتشافها والفخر بها".
وتضيف إسماعيل: " صحيح أغلبنا نقع في فخ المقارنات بشكل أو بآخر بين أطفالنا، ولكن يجب علينا مجاهدة أنفسنا للتخلي عنها بالمحاولة والانتباه لكل حرف نتلفظه، لأنها لا تعود على أطفالنا سوى بالضرر".
واتفقت ألاء إسماعيل مع زوجها على ضرورة منع مقارنة أبناءهم مع أي شخص من قبل أي فرد سواء قريب أو بعيد وقالت:" أحرص دائما على تعزيز الثقة فيهم ومنحهم فرصة أفضل لإظهار مواهبهم وقدراتهم وتعزيزها ورعايتها بدلاً من تكريسها في الدراسة فقط كونهم ليسوا على قدر متساوي في التحصيل العلمي".
أم رامز سيدة ثلاثينية لديها أربعة أبناء، تقول: " لا أستطيع منع أبنائي عن المقارنات بمن حولهم، فنحن نسكن في شقة في منزل العائلة والجميع يقارن بين الأطفال في ذات العمر، فلان أحلى من فلان وس أشطر من ص وبالتالي بناتي تلقائياً صاروا بيقارنوا إنجازاتهم ببعض، وللأسف بكون معهم وما بعرف شو أتصرف لحتى ينتهي هذا الأمر، لإنه أحيانا أنا أصلا بقع فيه!".
وعن موقفها تجاه المقارنات بين الأطفال تقول:" حقيقة احنا النساء تقريباً جميعنا نقارن أطفالنا بغيرهم ونحاول دوماً لحتى يكونوا أطفالنا هما المميزين عن غيرهم سواء في دراستهم أو نظافتهم أو غيرها لكن ننكر هذا الأمر ونظهر أننا متحررين منه كلياً، مع أننا فيه رغماً عنا خصوصاً في موضوع الدراسة وتحصيل العلامات".
بينما يرى أبو جواد أحمد أن المقارنات هدفها التحفيز فقط، بقوله: " أنا بقارن ولادي أحياناً لغرض تشجعيهم لفعل أمر ما وبتكون النتيجة جداً إيجابية وتفاعلهم معي بيكون كبير وبحس فعلياً بالإستفادة وكل واحد فيهم بيسعى إنه ينال لقب المتميز بنظري أنا وأمهم".
" عادة ما بقارن بين أطفالي لصالح شكلهم أو جنسهم أو ذكاءهم أو مواهبهم لإنه هاي أمور ما إلهم دخل فيها طبعاً، ومقارنتي دايما لتصرفاتهم وأفعالهم لحتى تتحسن وتتعدل" هكذا عبَّر أبو جواد عن ممارسته للمقارنة مع أبناءه في وعي منه لضرورة ترك المقارنات المتعلقة بالفروقات والإمكانات التي منحها الله لفرد دون آخر.
من جهتها أوضحت دكتورة علم النفس التربوي في جامعة الأقصى الأستاذة سماح أبو زينة لـ "فلسطين بوست"، أن المقارنات تؤثر على الصحة النفسية لـ أطفالن كونها تفقد الطفل ثقته بنفسه وتشعره بالدونية عن غيره، وتولد لديه الغيرة والحسد والكره والغضب على الآخرين، مما يدفعه أحياناً للإنعزال أو التوتر أو الاكتئاب أو العنف ضد نفسه أو الآخر الذي تمت مقارنته به للفت انتباه أسرته.
وتضيف: " أسوء ما يمكن أن يحدث للطفل من المقارنات هو الإبتعاد عن الوالدين وبحثه عن مكان آمن وخالي من المقارنات خارج أسرته لتعويض النقص داخله، ومن المحتمل جداً أن تكون البدائل ضارة فتدمره بشكل أكبر".
وبينت أبو زينة : " ما نقع فيه جميعاً أثناء مقارناتنا هو اعتقادنا أن الطفل هو موضوع الطموح و التباهي والفخر لنا في أوساطنا الإجتماعية سواء في دراسته أو مهاراته وبالتالي نحدد أهدافنا فيه ونضغط عليه باستمرار لتحقيقها، وهنا تكون المشكلة، والحقيقة أن وجودنا يمثل قدوة لهم، فالأولى استغلال هذا الأمر بتطوير أنفسنا ومراقبة سلوكياتنا والتحكم بانفعالاتنا والسير في طريق النجاح والخير والتفوق، ليسيروا بالقدوة معنا".
وحول حماية الطفل من المقارنات تقول:" يتوجب على الآباء والأمهات إتباع الأساليب التربوية الصحيحة قدر الإمكان للأطفال من حيث الاهتمام الموحد والعدل والعطاء غير المشروط لهم، سواء من حب أو دلال أو اهتمام".
وتنوه أبو زينة: " في حال تم التدخل من قبل الأقارب من داخل الأسرة كالأجداد والأعمام والأخوال فيتوجب علينا الإيضاح لهم أن أسلوب التربية لدينا قائم على عدم المقارنات بين أبناءنا وغيرهم ومراعاة مشاعرهم، حتى لا تحدث تنشئة اجتماعية خاطئة لـ أطفالنا".
وتثير نقطة الميل القلبي الخارج عن الإرادة من استحضارها لقصة سيدنا يوسف وكيف أدت للغيرة والحسد والظلم والكبائر بقولها:" المقارنة تقتل كل ما هو جميل داخل أطفالنا، لأن الميل القلبي وحده كان كفيلاً لإظهار معادن إخوة سيدنا يوسف فما بالنا بالمقارنة الواضحة والصريحة والتمييز بين أطفالنا".
وتضيف:" أفضل أساليب التحفيز والمقارنة هي تحفيزه ومقارنته بنفسه لجعل الكرة في ملعبه دائماً، وبالتالى يتحدى ذاته ليصبح أفضل كل مرة، برضا منه وصبر وسعي بدون ضغطه نفسياً وإقحامه بمقارنات مع غيره، تدفعه لتركيز طاقته وجهده في كرههم وحسدهم والنقمة عليهم".
وختمت أبو زينة بقولها: " في أفضل الحالات وهي تفوقه على منافسه، أيضاً تتزعزع شخصيته وأهدافه، لأنه بمجرد انتقال ميدان منافسته من شخص لآخر فلن يشعر بالراحة والسعادة في نجاحه وتميزه في أي أمر، لأنه يظل مهتماً بالآخرين أكثر من نفسه وتكون غاية سعيه الفوز على الآخرين والتفوق عليهم، ولن يعجبه مستقبلاً تميز أي شخص عليه، وبالتالي تتعمق الأزمات النفسية داخله وهو ما لا نرغب به جميعاً لـ أطفالنا.
كتبت: ربا إسماعيل
"المقارنة"... القاتل الصامت لأبنائك
ثلثا أطفال غزة عانوا أزمات وصدمات نفسية !