لم يكن قطاع غزة الفقير والمحاصر بمعزل عن ظواهر عالمية سلبية انتشرت بكثرة خلال العقود القليلة الماضية، علَّ أبرزها ظاهرة الاحتيال المالي، التي ساعد في وجودها غياب فرص الاستثمار الحقيقي، وانتشار مواقع تدعي الاستثمار عن بعد.
لكن هذه الظاهرة بدأت تتسع في القطاع منذ العام 2009، وأصبح طرق الاحتيال تتعدد، والضحايا يتزايدون، ما دفع جهات الاختصاص لاتخاذ سلسلة من الإجراءات، أبرزها حظر أنواع من التعاملات المالية، أو التسويق الالكتروني.
ظاهرة خطيرة
ويقول الباحث والمختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر لـ فلسطين بوست، إن قطاع غزة ورغم الحصار، تأثر بظاهرة الاحتيال المالي، وأضحى هناك حوادث وقضايا بعضها كبيرة، منها على سبيل المثال قضية روبي وكردي الشهرية، التي خسر بموجبها مئات المودعين ما يقارب ربع مليار دولار عام 2009، مرجعاً ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسية، الأول وهو أهمها: ويتمثل في غياب فرص الاستثمار الحقيقي، بسبب الحصار، وصعوبة إقامة مصانع، أو منشآت تجارة وصناعية تجتذب رؤوس الأموال، وخشية أصحاب رؤوس أموال تنفيذ مشروعات قد تعود عليهم بخسارة، أو يتم تدميرها خلال الحروب، وهذا دفعهم للتوجه لطرق استثمار أخرى، لكن للأسف معظمها كانت عبارة عن عمليات احتيال.
أما السبب الثاني وفق أبو قمر، وجود عشرات المواقع الالكترونية والشركات الوهمية، التي يقودها متمرسون في عمليات النصب، وهؤلاء يقدمون امتيازات وأرباح كبيرة في وقت قصير، وهو ما يسمى "فقاعة اقتصادية وهمية"، ما يجذب الباحثين عن الاستثمار، ويدفعهم لوضع أموالهم لدى الشركة أو الموقع، وفي لحظة يكتشف المودعون أن ما حدث ما هول إلا فقاعة كاذبة، وتختفي الأموال، ويتم اغلاق الموقع، أو هروب صاحب الشركة.
وبيّن أن بعض هذه الشركات تستغل وجود جوانب استثمار غامضة لدى المواطنين، مثل مجال العملات الرقمية، أو التسويق الهرمي، أو غيرها من المسميات، ومحاولة استنساخ تجارب ناجحة، والتركيز عليها، مع العمل على اختراع آلية عمل وهمية، ولاحقاً يتم انتقاء أشخاص ذوو قدرة عالية على الإقناع، فيشعر الراغب بالإيداع أنه أمام فرصة العمر، التي ستجعله ثريًًا في وقت قصير، فيندفع لإيداع الأموال، وقد يجلب غيره لذات الفخ الذي نصب بعناية شديدة.
وعن السبب الثالث، تابع أبو قمر، "هناك رغبة واندفاع للحصول على الربح السريع لدى البعض، يجعلهم لا يعطون أنفسهم فرصة للتفكير أو استشارة خبراء، ويقعون ضحية المحتالين، الذين قد يوهمون الضحية بأن الربح يصل إلى 30%، بدون خسارة، بعض الأشخاص وقعوا في عمليات نصب مرة ومرتين، ورغم التحذيرات هناك ضحايا جدد، موضحاً أن غزة بيئة خصبة لحدوث عمليات نصب واحتيال، مرجعاً ذلك لعدة أسباب، أهمها ضعف القوانين المعمول بها، وعدم وجود إجراءات حازمة ورادعة.
الاحتيال المالي الإلكتروني
جرى رصد العديد من عمليات الاحتيال المالي الإلكتروني خلال العامين الماضيين، منها على سبيل المثال: "شركة تكنو اليت"، فوفق معلومات قسم مكافحة الجرائم الالكترونية ثمة ثلاثة أشكال للاحتيال المالي الالكتروني، الأولى مواقع وهمية مثل موقع "كوفي 24"، وهو موقع استثماري أوهم المودعين أنهم يحققون أرباح تصل الى 10% من قيمة الأموال الموضوعة، ما شجعهم على إرسال المزيد من المال لتحقيق ربح أعلى.
الطريقة الثانية، تتمثل بوجود شخص سواء في الداخل أو الخارج، يدعي ممارسته شكل من أشكال التجارة، التي تدر أرباح، وينشئ صفحة أو تطبيق لإدارة العملية، ويدعمها بصور ومقاطع فيديو لبضائع يدعي المتاجرة فيها، ويستدرج الضحايا للحصول على أموالهم، وقد يعطيهم في البداية بعض الأموال، "أرباح وهمية"، ثم يختفي، والشكل الثالث وهو التداول الهرمي أو الشبكي، وهو عملية نصب مركبة، تبدأ بفرد واحد وتنتهي بمجموعة كبيرة من الأفراد، عبر إنشاء شركة وهمية أو عرض منتج وهمي ليس له وجود.
ولازالت قضية شركة "تكنو اليت"، مثارة لدى النيابة العامة وأجهزة القضاء في غزة، فوفق تحقيقات النيابة المعلنة فإن المتهم "مدير الشركة"، قام بخداع وإيهام المجني عليهم وعددهم 5932 مستثمر من خلال ممارسته أعمال مخالفة لما رُخص له به من قبل الجهات الحكومية المختصة، وذلك باستحصاله على أموال المودِعين المجني عليهم، بعد إيهامهم بأنه سيقوم بتشغيلها في نشاط تداول عملات رقمية، يحقق أرباحاً مالية كبيرة، خلافاً للحقيقة، وقد استخدم المتهم أكثر من وسيلة احتيالية لإيهام المجني عليهم من خلال قيامه بإنشاء موقع الكتروني باسم ( البوت )، ونجح بجمع 17.6 مليون دولار في غضون أقل من عامين، بدعوى استثمارها.
ضحايا يئنون
الشابة منى حماد من سكان محافظة رفح قالت لـ "فلسطين بوست"، أنها كانت ضحية لعملية نصب محكمة، عبر ما يسمى "التسويق الهرمي"، إذ أوهمها أحد القائمين على الأمر أنها إذا وضعت مبلغ 2500 دولار أمريكي ستحصل على ربح شهري لا يقل على 500$، وأن الأمر مضمون، والخسارة 0%، فسارعت وفعلت، لكنها ورغم تنفيذ كل ما طُلب منها، لم تحصل على أرباح، ولم تستطع استرداد مالها، ما دفعها لمحاولة ملاحقة الشخص، لكنها اكتشفت لاحقاً أنه وقع هو الآخر ضحية للعملية ذاتها، وأوقع غيره الكثيرين.
فيما باع الشاب محمد رزق حلي زوجته، لاستثمار المال في موقع تسويق مشابه، بعد أن عجز عن إيجاد فرصة عمل، معتقداً أنه سيجني أرباح تعينه على مواجهة أعباء الحياة، ليكتشف لاحقاً أن ما دفعه تبخر، والموقع الذي كان يديره شخص من الخارج أغلق، ولم يعد متاح.
بينما خسر المواطن إبراهيم عمر مبلغ مالي زاد على 10 آلاف دولار أميركي، بعد أن أودعها عند أحد مدعي التجارة الدولية، وحصل على أرباح لمرتين، لكن اكتشف أن المبلغ تبخر، وأنه خسر ماله، ما دفعه للتقدم بشكوى، حيث أودع المذكور السجن، لكنه لم يحثل على ماله.
من جهته أكد عبد الفتاح أبو موسى الناطق باسم وزارة الاقتصاد الوطني بغزة، بأن وزارته اتخذت قرارًا يحظر التعامل بكل مكونات التسويق الشبكي أو الهرمي، بعد توصية قدمتها لجان في المجلس التشريعي في غزة للوزارة، وأن إجراءات قانونية تتخذ بحق المخالفين للقرار.
وصنف أبو موسى هذا التسويق بـ"الخطير" ويستهدف جميع الفئات العمرية، ويؤثر سلبياً على الاقتصاد في غزة، من خلال استنزاف موارد المجتمع وثرواته، نتيجة انشغال المسوقين بجذب عملاء جدد، فضلاً عن أنه يعمل على زيادة معدلات البطالة، وخروج النقد الأجنبي من البلد، ما يفاقم الأزمة الاقتصادية، إضافة لقيام المسوق الرئيسي بالاختفاء فجأة من السوق الوهمي للشبكات التسويقية، وانقطاع العلاقة مع المتسوق الأول، الذي تربطه علاقة مع المتسوقين والمجندين في الشبكة.
كتب: محمد الجمل