منذ بداية شهر أيلول/ سبتمبر الجاري، شرع عشرات الصيادين بوضع مئات الأمتار من الشباك الهوائية ذات اللون الأصفر، على طول شاطئ البحر غرب قطاع غزة، وفي المزارع القريبة، بهدف صيد طائر السمان "الفر"، فور خروجه من البحر، بعد قطع الطيور رحلة هجرة طويلة، تصل إلى آلاف الكيلو مترات.
الطائر المذكور، يهاجر في نفس الوقت من كل عام، هارباً من البرد القارس في أوروبا، وجزر في البحر الأبيض المتوسط، قاصداً المناطق الدافئة، إذ يتخذ من ساحل البحر المتوسط، وخاصة فلسطين محطة للاستراحة، قبل إكمال رحلة الهجرة.
صيد موسمي
"فلسطين بوست" قامت بجولة على طول الساحل، لمراقبة عمليات صيد هذا الطائر الذي ينتهي موسم هجرته نهاية الشهر الحالي، فقبل بزوغ النهار، يتحرك الصيادون من منازلهم باتجاه الشباك، إذ يقوموا بإنزالها، وتنظيفها من الأوساخ والعوالق، ثم يجلسوا بعيداً لمراقبتها، وانتظار ارتطام السمان بها.
ووفق إفادة أكثر من صياد، فإن السمان المهاجر يخرج من البحر في الفترة ما بين الساعة 5-7 صباحاً، إذ يغادر المناطق التي يعيش فيها قبيل غروب الشمس، ويقضي الليل كله في رحلة طيران متواصلة دون توقف.
ويقول الصياد محمود نصر، إن هواية صيد طيور السمان عادة سنوية يمارسها منذ أكثر من عقدين، وهي ورغم مشقتها، إلا أنها تنطوي على الكثير من المتعة، وتوفر له ولعائلته وجبات دسمة على موائدهم، كما أنه من الممكن بيع الفائض من الطيور بأسعار جيدة، لاسيما وأن ثمة إقبال على شرائه.
ونوه نصر لـ"فلسطين بوست"، إلى أن الشباك التي يتملكها اشتراها منذ سنوات، وهو يحافظ عليها، وعند انتهاء الموسم يزيلها، ويحفظها للعام المقبل، وفي الغالب يجري عليها صيانة دورية مع بداية كل موسم، ويستبدل التالف منها.
وأوضح أن أعداد طيور السمان التي تصل شواطئ القطاع تقل عام بعد عام، فرغم كل المشقة والخسائر، إلا أن ما يتم صيده من طيور يظل قليل مقارنة بالسنوات الماضية، موضحاً أنهم وفي معظم الأحيان لا يصطادوا إلا أعداد محدودة من الطيور، وفي بعض الأيام يعودون بأقفاص خالية.

وعلى شاطئ البحر كان يجلس الشاب عبد الله صالح ونجله يراقبان الشباك بعناية، وما إن يلوح سرب صغير أو كبير في الأفق، حتى تبدأ قلوب الصيادين تخفق، وتلاحقه الأنظار أينما ذهب، إلى أن يستقر في شبكة أحد الصيادين، وأحيانا تعلو الطيور في تحليقها قليلًا، فتتجاوز الشباك، وتفلت من المصير المحتوم.
وأكد صالح أنه كغيره من الصيادين وضع الشباك، ويتوجه إليها في كل صباح، وما يصيده يقوم ببيعه لمواطنين، أو يعود به إلى المنزل لتناوله مع عائلته.
وأضاف صالح لـ"فلسطين بوست"، بأن الطيور المذكورة لها زبائنها، ممن يقصدون الشاطئ بهدف شرائها، فتشاهد مركبات ودراجات نارية في كل صباح، بحثاً عن تلك الطيور لشرائها، وقد يصل ثمن الزوجين منها إلى 25 شيكل وربما أكثر، في حين تباع نفس الطيور التي تربى في المزارع ب 7 شواكل للزوج، لكن المواطنون يفضلون شراء البرية.

الشاب محمود رمضان، توجه للشاطئ في الصباح الباكر، بهدف شراء السمان، إذ أكد أن طيور السمان البرية تعتبر من أفضل الأكلات الموسمية بالنسبة له، فمذاقها المميز يدفعه للسعي من أجل شرائها في كل عام، كما أن والده كان يحرص على شرائها وتناولها في كل عام، لما تحتويه من فوائد غذائية وعلاجية.
وبين أن هذا العام كانت الطيور قليلة، وأسعارها مرتفعة نسبيًا، فثمن الزوج منها يباع ما بين 20-25 شيكل، في حين فإن مثيلها من تلك التي تربى في المزارع يباع الزوج الواحد منها لقاء سبعة شواكل فقط، ورغم ذلك فقد اشترى منها مرتين.
تناقص كبير
ووفق ما أكده صيادون وهواة، فإن السنوات العشر الماضية، شهدت تناقص ملحوظ في أعداد طيور السمان، التي تصل إلى سواحل قطاع غزة، وقد وصل هذا التناقص ذروته في العامين الماضيين، وكذلك العام الحالي.
وأرجع الصياد محمد عاشور، أسباب التناقص إلى عاملين أساسيين، أولهما اختفاء معظم المساحات الخضراء، خاصة الأشجار الحرجية التي كانت تملأ الشريط الساحلي، موضحاً أن طيور السمان لديها حاسة م قوية، فمن خلال اتجاه الرياح الشرقية، تستطيع تحديد المزارع والحقول خلال تواجدها فوق البحر، وقبل أن تصل اليابسة بعدة كيلو مترات، تتوجه نحو المناطق الخضراء، وتتجنب العمران.
أما عن السبب الثاني فأكد عاشور لـ"فلسطين بوست" أنه يكمن في عمليات الصيد الجائرة والعشوائية لهذا الطائر، والمتواصلة منذ عقود طويلة، ما أسهم في تراجع أعداده على نحو متزايد، حتى أصبحت قليلة جداً.
واستذكر عاشور عمليات صيد السمان قبل عقدين ونصف، موضحاً أن الصيادين كانوا ينتظرون موسم هجرة طيور السمان، ويجهزون له الشباك مبكراً، ويتنافسون على الأماكن، وكانوا ينجحون في صيد المئات منها يومياً.
وتابع يقول: " ظل الأمر يتراجع خاصة خلال السنوات الخمس الماضية، حتى باتت شبه مقتصر على عدد محدود من الصيادين، ممن لازالت شباكهم صالحة للصيد، فلا أحد اليوم يغامر بشراء شباك جديدة، لن يجني نصف ثمنها مما قد يصيده".
ولفت إلى أنه يتجول أحياناً خلال ساعات الصباح على شاطئ البحر، ويراقب أقفاص الصيادين، فيجد بعضها خاليا، بينما تحوي أخرى عدد محدود من الطيور.

السمان في خطر
والسمان يُعتبر من الطيور المهاجرة التي تقضي فصل الصيف في قارّة أوروبا، وفي الشتاء تُهاجر إلى إفريقيا، وخلال رحلتها تستريح على شواطئ البحر المتوسط، وهو طائر صغير، طوله حوالي سبعة عشر سنتيمتراً، وله شكل مستدير، وهو مكوّن من لونين: اللون الأبيض، واللون البني، وعند ذكور طائر السمان تكون الذقن بيضاء اللون.
ويقول الباحث في التنوع الحيوي والبيئي والمحاضر بجامعة فلسطين أيمن دردونة، إن السمان أو الفر أو السلوى، يتميز بجماله، وسرعة طيرانه، فله جناحين قويين وطويلين، يتناسبان مع قدرته على الهجرة لمسافاتٍ شاسعة، وينقسم الفر لنوعين هما: السمان الياباني، والسمان الأوروبي، ويتغذى على الحبوب وحشرات الأرض، ويضع عشّه على الأرض، ويتكاثر في جزر البحر المتوسط، حي يعود إليها في الهجرة الربيعية.
وأوضح دردونة لـ"فلسطين بوست"، أن أعداد طيور السمان التي تستريح على سواحل غزة تناقصت بشكل كبير جداً عما كان عليه عام 2000 وما قبل ذلك، حيث كانت الأعداد التي تستريح وتقطع عرض البحر تقدر بعشرات الآلاف، أما اليوم فربما لا تتجاوز بضع مئات، وهذا التناقص مرده لتدمير البيئات الهامة لها، وخاصة المائية والساحلية، التي تقضي ليلة الهجرة فيها، إضافة لتعرضها للصيد الجائر من قبل السكان، وهو أهم وأكبر أسباب تناقصها، حيث أن السمان من الطيور شهية الأكل من فصيلة "الدجاجيات"، وهناك اعتقادات للسكان بفوائدها المتعددة، وعلى مدار عقود كانت تحدث مجازر لهذه الطيور خلال هجرتها.
وأوضح أن الأمر بات بحاجة لتحرك جدي من أجل انقاذ هذه الطيور الجميلة، التي باتت مهددة بالانقراض جراء الصيد الجائر، فصيدها لا يقتصر على قطاع غزة، ففي الدول المجاورة يتم نصب الشباك ومطاردتها.
وعلى مدار العقود الخمسة الماضية، نجح خبراء في تدجين هذا الطائر، وجعله يتكاثر في الأسر، إذ يتم جمع بيوضه ووضعها في فقاسات كبيرة، ومن ثم أخذ الصيصان وتربيتها في مزارع، بطريقة تشبه مزارع الدجاج، ومن ثم بيعها بهدف الأكل، لكن تناولها أعلاف مصنعة، يجعل مذاقها أقل جودة مقارنة بمثيلاتها من الأنواع البرية.





كتب: محمد الجمل
حيوان فقمة نادر يظهر على شاطىء غزة، ودعوات بعدم التعرض له