بعد غياب استمر أكثر من ثلاثة أعوام، شهدت الحدود الشرقية لقطاع غزة عودة للتظاهرات والمواجهات من جديد، بعد أن بادر شبان بتفعيل المقاومة الشعبية بأدواتها المختلفة.
فقد شهد الأسبوع الماضي تصاعد ملحوظ في التظاهرات والمواجهات مع الاحتلال عند أكثر من نقطة شرق القطاع، خاصة قرب موقع "ملكة"، على حدود مدينة غزة، وقد اتسمت الاحتجاجات هذه المرة باستخدام وسائل خشنة، منها العبوات الصوتية، وسط التلويح بإدخال مزيدٍ من وسائل الاحتجاج الشعبية.
لكن الاحتلال وكعادته، أمعن في قمع المتظاهرين، واستخدم وسائل قتل وفتك، بدأت بقنابل الغاز المسيل للدموع، ولم تنته بقصف الطائرات لمواقع قرب المناطق التي شهدت التظاهرات السلمية.
وأكد محتجون في لقاءات منفصلة مع "فلسطين بوست"، أن تصاعد الجرائم الإسرائيلية في كافة أنحاء الوطن، ومحاولة التنكيل بالأسرى، واستمرار الحصار كان دافعاً لعودة مسيرات العودة الشعبية، وهي مرشحة للتصاعد حال واصل الاحتلال جرائمه وحصاره.
وأكدوا أنهم سيواصلون الاحتجاج على طول الحدود، من أجل انتزاع حقوقهم التي سلبها الحصار الإسرائيلي، الذي أرهقهم، وأضاع زهرة أعمارهم.
المقاومة حق مشروع
من جهته أكد الدكتور سهيل الهندي عضو المكتب السياسي لحركة "حماس"، أن ما يحدث على الحدود الشرقية للقطاع هو رد فعل عفوي يقوده الشبان الفلسطيني، تعبيراً عن حالة الغضب التي يشعرون بها حيال الظلم والقهر الذي يمارسه الاحتلال ضد الأسرى، وضد أهلنا في الضفة والقدس والداخل المحتل، وهو أيضا تعبيراً عن الرفض لاستمرار الحصار المفروض على قطاع غزة، للعام السابع عشر على التوالي.
وأوضح الهندي لـ"فلسطين بوست"، أنه من حق الفلسطينيين مقاومة الاحتلال بكل الطرق الممكنة، ففي السابق كان هناك مقاومة مسلحة، واليوم مقاومة شعبية، والأمر مستمر بطرق مختلفة، وعلى الاحتلال وداعميه التقاط الرسائل التي يحاول ثوار غزة إيصالها، بأن الاحتلال والإرهاب والظلم لن يقود الا للمزيد من المقاومة.
وأشار إلى أن ما يحدث على حدود غزة من قبل الشباب الثائر هو رسالة تضامن ووحدة مع أهلنا في الضفة الغربية والقدس، ممن سطروا أروع صور المقاومة والتحدي ضد الاحتلال، وأيضا رسالة دعم للأسرى الذين يحاول الاحتلال الاستفراد بهم والتضييق عليهم، بأنهم ليسوا وحدهم، ومن خلفهم شعب كامل يساندهم.
وأكد الهندي أن حكومة الاحتلال التي يقودها غلاة المتطرفين، لن تنجح في تنفيذ مخططاتها الاستيطانية والتوسعية، ولن تفلح في فرض وقائع جديدة على الفلسطينيين، فكلما حاولت تمرير قرار جائر جديد جوبهت بالمزيد من المقاومة، وتصعيد يربك حساباتها، ويجعلها تتراجع، ولازال في جعبة الفلسطينيين ومقاومتهم الكثير مما يزيد إرباك الاحتلال.
دلالات سياسية
في حين قال المحلل والكتاب في الشأن السياسي طلال عوكل، إن عودة مسيرات العودة في هذا الوقت بالذات له دلالات كثيرة، أهمها تأكيد على وحدة الضفة وغزة في مقاومة الاحتلال، خاصة أن مدن الضفة الغربية شهدت سلسلة عمليات ضد جنود الاحتلال والمستوطنين خلال الفترة الماضية، وهذه العمليات تبعها خطاب وتصريحات نارية من القيادي الكبير في حركة "حماس"، صالح العاروري، وهذه التظاهرات جاءت استجابة لهذه التصريحات، في محاولة استنزاف وإرباك جيش الاحتلال على كافة المحاور.
وأكد عوكل لـ"فلسطين بوست"، أن هذه التظاهرات جاءت تعبيراً عن حالة الإحباط واليأس التي يعاني منها سكان قطاع غزة، في ظل استمرار الحصار، وصعوبة الأوضاع المعيشية، وعدم حدوث أي تغير حقيقي على طبيعة الأوضاع، فما قدمته إسرائيل من خلال الوسطاء أمور بسيطة لا ترقى لحجم الكارثة الاقتصادية والمعيشية التي يعيشها أهالي غزة، ولم تسهم في إحداث أي تغيير إيجابي على وضع القطاع، لذلك نجد هذه التظاهرات التي تتسم بالغضب، والتي يقودها شباب في مقتبل أعمارهم.
وفيما يخص إن كانت مسيرات العودة بحلتها الجديدة قد تسهم في تحقيق ما فشلت به جهود الوسطاء في رفع الحصار، قال عوكل إن هذا الأمر مستبعد في الفترة المقبلة، فالواضح أن إسرائيل ماضية في حصارها، ولن تقدم لغزة سوى الفتات، ولن يحدث هناك تغير جذري على الأوضاع، طالما بقيت الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تضم غلاة المتطرفين اليهود.
وبين عوكل أن الوضع في الفترة الحالية متأزم جداً، وهناك توتر شديد قد يقود لتفجر الأوضاع في أية لحظة، لذلك رأينا هذه التظاهرات، التي تعبر عن الحالة السائدة، متوقعاً في الوقت ذاته استمرارها من وقت لآخر خلال الفترة القادمة.
ثورة يقودها الشباب
في حين يقول الكاتب والمحلل مصطفى الصواف، إن ما يحدث على الحدود الشرقية للقطاع ليس مجرد تظاهرات أو احتجاجات، بل هي ثورة يقودها الشبان في قطاع غزة ضد الاحتلال، الذي تمادى في الظلم والقهر والإجرام، لإيصال رسائل واضحة بأن الإرهاب الإسرائيلي ازداد وتصاعد، وأن الفلسطينيين سواء في الضفة أو غزة، لن يقبلوا بهذا الأمر، ولن يستسلموا لمحاولة الاحتلال فرض وقائع جديدة.
وأكد الصواف لـ"فلسطين بوست"، أن هذه الاحتجاجات تأتي لتؤكد للاحتلال الإسرائيلي أن الفلسطينيين لديهم الكثير من أدوات وأشكال المقاومة التي من الممكن أن تقض مضاجع الاحتلال، وتربك حساباته، فبالإضافة للمقاومة المسلحة بشقيها المنظم، والفردي، هناك الاحتجاجات على الحدود التي بات الشبان خلالها يستخدمون وسائل إرباك تتطور مع مرور الوقت.
وشدد الصواف على أن هذه الاحتجاجات قد لا تقف عند هذا الحد من حيث الزمان والطريقة، ففي حال واصل الاحتلال إرهابه، ستستمر التظاهرات والمواجهات، وسيزيد الشبان من استخدام وسائل الإرباك، وهذا قد يؤدي إلى تطور الأوضاع وزيادة الاحتقان، وربما وصولًا لمواجهة مسلحة.
إجرام مستمر
أما الناطق باسم حركة "حماس"، حازم قاسم، فأكد أن "الاحتلال يواصل ارتكاب جرائمه ضد شعبنا في كل مكان، وأمس الجمعة استهدف المتظاهرين السلميين والصحفيين بطريقة همجية، وكذلك قصفه بالطائرات المسيرة، موضحاً أن هذا جزء من السلوك الإجرامي للاحتلال ضد شعبنا الفلسطيني، وهذا الإجرام لن يردع شعبنا عن مواصلة نضاله المشروع لاسترداد حقوقه".
وأكد على أن شعبنا من حقه "ممارسة كل أساليب النضال ضد الاحتلال وعدوانه على المقدسات والأقصى وعلى الأسرى، وتصعيد عدوانه على أهلنا في الضفة واستمرار حصار غزة".
ووجه تحية لأرواح شهداء معركة الأسرى الأبطال الذين جادوا بدمائهم في هذه المعركة، وكل التحية للأسرى الأبطال في سجون الاحتلال، مبينًا أن حماس تعاهد الله أن تظل وفيةً لقضية الأسرى حتى تبييض كامل السجون.
وأصدرت وحدات الشباب الثائر _ "قطاع غزة"، بيان جاء فيه: "كل التحية إلى أسود شعبنا المشاركين في جمعة شهداء معركة الأسرى والذين أشعلوا الحدود لهيباً وأربكوا حسابات العدو وأوقفوا جنوده على قدمٍ واحدة وعلى طول الحدود الزائلة.
وأضاف البيان: " نحيي جميع وحداتنا المقاتلة بالميدان والتشكيلات من الشباب الثائر والتي حضرت بقوة في الميدان: وحدة قص السلك، وحدة الكوشوك، وحدة الهندسة وجميع الوحدات التي أعلن عن تفعلها ولم يعلن عن مفاجآت الوحدات الأخرى...نقول للاحتلال الجبان بأن تهديداتك لم ولن تخيفنا ونبشرك بأن الشباب الثائر قد أعدوا العدة لمشاغلتك على طول الحدود، وأن المساس بالأسرى والمسرى سيقابل باشعال السلك الزائل بإذن الله وسنعلن في الأيام المقبلة عن فعالياتنا التالية.. فليترقب العدو ما سيسيء وجهه".



كتب: محمد الجمل