لا زالت الأنظار تتجه نحو القدس مع اقتراب موعد "مسيرة الأعلام"، والتي من المقرر أن تنطلق هذه السنة في الثامن عشر من أيار، وسط حالة من التساؤلات حول إمكانية رد المقاومة عليها بإطلاق الصواريخ أو غيرها، لا سيما من سكان قطاع غزة، الذين خرجوا قبل أيام قليلة من عدوان خلّف ورائه دمار واسع.
من ناحية أخرى يتساءل الناس حول الدوافع والأسباب التي تدفع نتنياهو للعب بهذا المستوى الخطر على "أمن الدولة"، وكيف انقلبت الطاولة على رأسه؟، وصولًا لإمكانية الخوض في جولة أخرى كـ"ثأر الأحرار" أو معركة "سيف القدس"، والتي كانت أولى شرارتها قد انطلقت من ذات السبب وهو "مسيرة الأعلام".
أسباب نتنياهو للعب بالنار..
في هذا السياق قابلت "فلسطين بوست" المحلل السياسي والمختص في الشأن الصهيوني "وليد الأغا"، والذي أعزى كل ما يحدث في الكيان إلى الصراعات الداخلية، والانقسامات داخل الاحتلال، بسبب الحكومة اليمينية المتطرفة.
ويوضح الأغا أن مقاطعة اليمين المتطرف المتمثل ببن غفير وسموتيرتش للكنيست وجلساته، مطالبين بالعودة لسياسة الاغتيالات في الضفة وقطاع غزة، وضع نتنياهو أمام خيارين أمرّين؛ أولهما: أن ينفذ أي طلب لهم، وثانيهما: عدم الرد عليهم وهكذا سينسحبون من ائتلافه الحاكم وتسقط حكومته وبالتالي هو سيدخل السج بفعل القضايا المسجلة عليه.
هذا كله دفع نتنياهو إلى تنفيذ كل ما يطالبون به، كما يعتقد المختص أن جولة "ثأر الأحرار" التي بدأت باغتيال ثلاثة من قادة سرايا القدس "الجناح العسكري للجهاد الإسلامي"، كانت بدافع التخلص من هذه الضغوط وإنقاذ نتنياهو لنفسه.
ويرى الأغا أن المظاهرات ضد الإصلاحات القضائية كانت أحد دوافع خوض نتنياهو لهذه الحرب، فهو كان يعتقد –بنظر المختص- بأن هذه الجولة ستوحد المعارضة وستلقى دعم من الجمهور "الإسرائيلي" خاصة المعارض، وستمنع الانشقاقات والانقسامات التي تحدث داخل الجيش؛ ولكنه تفاجأ بما حدث.
طاولة مقلوبة...
يقول الأغا: "نتنياهو كسب بن غفير وسموتيرتش وعادوا إلى الحكومة مع أول عملية اغتيال لكن لم يستطع أن يسيطر ويأخذ تأييد الشارع على الإطلاق"، موضحًا أن ذلك يعود لسببين رئيسيين بنظره.
ويعتبر المختص السبب الأول، هو الضغط الذي كان على الشارع الصهيوني والذي لم يكن كبيرًا إلى الحد الذي يجعل الشارع يستشعر بالخطر، وإنما يرى أن هذه الحكومة هي التي جلبت لهم هذه المأساة وأن بن غفير ومن معه هم السبب في ذلك.
أما السبب الثاني، فهو أنهم كانوا يعلمون أن هذه الجولة التي يخوضها نتنياهو هي لمصالح شخصية بحتة، حيث لا يوجد لديهم أي تفسير آخر لهذه الجولة، خاصة أن الاحتلال هو من بدأها بعملية اغتيال القادة وبدون أي أسباب أو تمهيد لذلك.
وأشار إلى ظاهرة الخلايا المسلحة والتي قامت المقاومة في قطاع غزة بإنشائها ودعمها المالي والعسكري، موضحًا أن المقاومة وتحديدًا فصائل الغرفة المشتركة تفضل إثارة جبهة الضفة وإبقاء جبهة غزة إلى حد ما هادئة لأن عمليات الضفة "تضرب الكيان بالصميم وتربك الاحتلال" حسب وصفه.
مستقبل مسيرة الأعلام بعد الجولة..
ويتوقع المحلل أن نتنياهو وحكومته ستمضي في إطلاق مسيرة الأعلام، حتى لا يخسر ائتلافه المعتمد على اليمين المتطرف أمثال بن غفير وسموتيرتش، ولكن ستكون فعالياتها كما كانت في العام السابق.
ويرجح الأغا أن "مسيرة الأعلام" لن تدخل في الحي الإسلامي وستمر من خارجه، وسيعمل نتنياهو على تخفيف الاحتكاكات قدر المستطاع؛ لأنه "غير معني بالتصعيد في الفترة الحالية" وفق قول الأغا، وحتى لو حاول المستوطنون دخول الحي أو الأقصى فستمنعهم الشرطة.
فيما سيبرر نتنياهو ذلك لائتلافه، بأنه تعرض لضغوط أمريكية وغربية شديدة جدًا، لأنهم حريصون على إبقاء المنطقة في الشرق الأوسط هادئة هذه الفترة في ظل الأحداث الروسية الأوكرانية.
ويختم الأغا حديثه بتوقعه لسيناريو آخر، وهو حدوث توتر في غزة إذا دخل المستوطنون الحي الإسلامي بأعداد كبيرة، ورفعوا الأعلام في ساحات المسجد الأقصى المبارك، مما سيستفز المقاومة الفلسطينية للرد على هذا العدوان والاعتداء.
ولكنه يعتقد أن السيناريو الأول (وهو أن يمر يوم الخميس هادئًا بلا توتر)، هو السيناريو الأقرب إلى الواقع، لأن المقاومة مقدرة للمشهد جيدًا؛ وأيضًا العدو بات يخشى من المواجهات مع غزة في ظل أزماته المتلاحقة.
جدير بالذكر أن فكرة "مسيرة الأعلام"، كان قد أطلقها الحاخام اليهودي "تسفي يهودا كوك" وتلامذة المدرسة الدينيّة المتطرفة "مركاز هراب"، والتي تكونت فيها النواة الصلبة للمنظمات الاستيطانية المتطرّفة.
وقد بدأت المسيرة مع احتلال الجزء الشرقي من مدينة القدس، في أعقاب حرب يونيو/ حزيران 1967، احتفالًا بما يسمى يوم "توحيد القدس"، والذي يعد "عيدًا وطنيًا" بالنسبة للاحتلال والمستوطنين المتطرفين.
وفي عام 1968، نظم الاحتلال "مسيرة الأعلام" الأولى احتفاءًا بالذكرى السنوية الأولى لاحتلال مدينة القدس، بمشاركة عشرات المستوطنين فقط، ومن ثم تطورت لمئات المشاركين، حتى وصلت قبل عدة سنوات إلى نحو 30 ألف مشارك.
ومنذ ذلك الوقت، تقام المسيرة الاستفزازية كل عام بمناسبة هذه الذكرى، والتي تنظمها منذ سنوات عديدة، جمعيّة "عام كلبيا" المتطرّفة برئاسة الحاخام "حاييم دروكمان"، وحزب "الصهيونية الدينية" بقيادة "بتسليئل سموتريتش"، وعضو الكنيست المتطرف "ايتمار بن غفير".
ويتخلل "مسيرة الأعلام" التي تنطلق عادةً مساءًا، رفع المستوطنين لأعلام الاحتلال، وأداء الأغاني ورقصات تلمودية في شوارع القدس والبلدة القديمة، والقيام بأعمال استفزازية، وترديد هتافات عنصرية تُحرض على "قتل العرب".
بينما تمول بلدية الاحتلال في القدس المسيرة الاستفزازية، والتي يقودها اليمين المتطرف، وخاصة الجمعيات الاستيطانية، بما فيها منظمة "لاهافا" المتطرفة.