آه يا أمي لو تعلمين كم اشتقت لتجاعيد هذه الأيدي.. كم اشتقت وحلمت بتقبيلها ولو لمرة واحدة .. أما رائحتك يا أمي فلها قصة أخرى في مخيلتي.. اثنان وخمسون عاماً وما زالت عالقةً بأنفي.. أينما أدرت وجهي ملامح وجهك الجميل لم تفارقني للحظة.
اشتقت تقبيلك يا أمي.. وزاد شوقي إلى حضنك الدافئ، ورضاك عني، أبعدوني عنك جسداً، لكن روحي بقيت عندك يا أمي.. لم أدرك سرعة الزمن في غربتي وكيف تدور عقارب الساعة فالزمن توقف لدي منذ ذلك اليوم الذي أبعدوني فيه عنك وعن مخيمي مسقط رأسي.
كانت هذه بعض تمتمات وهمسات الفلسطيني المبعد أحمد خديش لوالدته بعد لقائه الأول بها بعد تغييب قسري استمر 52 عامًا.
بعد اثنان وخمسون عاماً من الإبعاد القسري، عاد الفلسطيني أحمد خديش إلى مسقط رأسه في مخيم بلاطة بمدينة نابلس، عاد إلى حضن والدته، إلى عائلته، إلى أصدقائه القدامى.
يقبل يديها ورأسها، يشتم رائحتها عله يستطيع تعويض جزء قليل مما فاته من بعده عنها ، بمشاعر مختلطة من الحزن على ما فاته من سنين عمره بعيداً والفرح باللقاء قال خديش:" ما اشتقت لأي اشي غير لحضن أمي".
وتابع خديش خلال زبارتنا له، " كنت مشتاق جداً للمخيم الذي ولدت فيه بعام 1952، وعشت فيه حتى أصبحت شاباً بعمر 18".
وأردف:" لم أكن متأملاً أن أصل إلى بلدي، لكن بفضل الله استطعت الوصول إلى مسقط رأسي مخيمي الذي عشت فيه صباي وشبابي، واستطعت رؤية والدتي وتقبيل يديها ورأسها وقدميها".
وتابع بدموعٍ لم يستطع حبسها:" أشد ما آلمني أني لم أستطع رؤية والدي قبل وفاته، فكان بودي تقبيل يديه وقدميه وكم حلمت بهذه اللحظات". مؤكداً أنه حاول حضور جنازته على الأقل لكن الاحتلال كعادته منعه حتى من هذا الحلم البسيط.
ويقول خديش:" أوجعني جداً أيضاً اعتقال أخي خالد، المؤنس لوالدتي وعائلتي، اعتقلته قوات الاحتلال وحكمت عليه بمؤبدات، لتحرم عائلتي مرةً أخرى منه كما حرمت مني".
وبنفس الألم تحدثت والدته عن غياب نجلها خالد أيضاً، وحرمان عائلته منه، حيث ترك أبناءه صغاراً والآن هم متزوجون ولديهم أطفال دون أن يكون لنجلها خالد أي نصيب بالفرح معهم.
وتمنى خديش بالعودة الدائمة إلى مخيمه والعيش بين أهله وأصدقائه، وأن يبقى بين والدته وعائلته، وأن يكمل باقي عمره معهم، فعودته قصيرة جداً وعلى حد تعبيره :" 7 أيام لا تكفي لشيء، لا تكفي لأن أقوم بواجبي حتى تجاه رحمي".


