"الكبار يموتون والصغار ينسون" شعار رفعه رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون على مدار السنوات الماضية من نكبة الفلسطينيين عام 1948 وحتى اليوم، ولكنه ظل عالقًا في ذهن الفلسطيني، فأدرك غاية محتله وسعى للدفاع عن عقيدته وأرضه حتى آخر نفس، وأبناؤه اليوم لا يحتاجون منه شيئًا يذكرهم بنكبتهم، فهم يعيشون ذكرى النكبة تاريخًا وواقعًا.
واليوم في الذكرى 75 للنكبة وبعد عدوان استمر لخمسة أيام متتالية على غزة، استهدف الاحتلال فيه قلب الأطفال الصغار وعقلهم، فكبروا قبل أوانهم وبات من المستحيل بالنسبة لهم نسيان نكبتهم الأولى ونكباتهم المتتالية التي عاشوها كحروب سلبت فرحتهم و قتلت أهلهم وأصدقاءهم وأحباءهم وحولت منازلهم لركام.
الطفلة لين جنينة ابنة الشهيد أسامة جنينة تلقت خبر استشهاد صديقتها المقربة ميار عز الدين في ذهول، تدور في البيت متساءلة " ما ذنب صديقتي ميار؟ ماذا فعلت لهم؟ كيف سأعود إلى المدرسة وحدي؟ كيف سأجلس وأنظر لجهتها فلا أراها؟كيف سأنسى؟!"
أما الطفل جمال الزبدة وهو ابن الشهيد أسامة الزبدة فكان ردة فعله وقت تلقيه خبر استشهاد صديقه صادمة ، تحمل معاني الفقد والوجع، يبكي ويحادث أمه بقوله: "كويس إنو ما ضل عايش من غير أب! يستشهد أحسن من انه يضل بدون أب عالأقل بكونوا سوا بالجنة! "

مفاضلات وتحليلات للوهلة الأولى لن تصدق أنها تخرج من طفل لا يتعدى عمره 8 سنوات، قوله لا ينبِىءُ سوى بطفولة سلبت إثر تعرضه للفقد أكثر من مرة باستشهاد والده وجده وخاله وختاماً بصديقه، لم يألف الصغير هذا الوجع لكنه اعتاد أن يواجهه، فصار يفاضل أي الأوجاع أهون، ومن منا يستطيع إسكات داخله ومسح مآسيه؟!
ومن المشاهد المؤثرة التي لا تنسى، حين وقف الطفل الصغير ابن الشهيد أحمد أبو دقة أمام الناس بدموعه وعينيه الحزينة إثر استشهاد والده يقول: "سنثأر بإذن الله، تذكروا وجوهنا جميعًا، نحن الجيل القادم، نحن جيل التحرير".
وفي مشهد آخر يظهر الطفل مجاهد طه باكيًا بحسرة واضحة يردد" يا الله " أمام ركام منزله الذي دمره الاحتلال الإسرائيلي، كحرقة رجل يعيش أسوء مأساة، يبحث عن أشياءه فلا يجدها، يغطي عينيه بيديه هاربًا من وجعه، فهذا مسكنه وذكرياته وألعابه وأحلامه التي بناها فيه.
يحتفظ الصغار بذكرياتهم الموجعة، ففي غزة يخرج الطفل من البيت مع عائلته مسرعًا ليبحث عن مكان آمن لا تطاله طائرات الاحتلال إن وجد، يطلب من أمه أخذ ملابسه وألعابه معه إلى الجنة إن ارتقى شهيدًا، يفقد أهله وأحباءه، يبكي رفاقه بقهر، ويتحسر على بيته وذكرياته،ثم يخرج أمامنا قويًا صابرًا معتزًا متوعدًا.
نكبة الفلسطينيين..العد التنازلي بدأ
ومن جهته يقول الدكتور غسان وشاح المؤرخ الفلسطيني ورئيس قسم التاريخ والآثار في الجامعة الإسلامية: "هناك قانون في التاريخ يقول أن الحسم الثقافي لا يقل أهمية عن الحسم العسكري،وبالتالي أي انتصار عسكري لا بد أن يسبقه انتصار ثقافي وهذا ما نعيشه في فلسطين ونسعى لغرسه في أبناءنا وأطفالنا من تغيير ثقافة الناس وعاداتهم وزرع ثقافة الانتصار لديهم مع العدو مهما بلغت التضحيات"
وأكد أن الشعب الفلسطيني هو صاحب أعدل قضية في التاريخ الإنساني، فهذا الكيان أقيم على أرض الغير، وعندما أقيم دمّر 667 قرية فلسطينية، وقتل قرابة 50 ألف فلسطيني، واحتل قرابة 80٪ من أرض الشعب الفلسطيني، وطرد قرابة مليون فلسطيني قسرًا وتحت النار.
وأضاف وشاح، إن طموح وآمال الصهاينة كانت أن يتحلل هذا الشعب بعد ثلاثون او أربعون عام وينتهي ويتم ترويض الفلسطينيين الذين يسكنون الداخل الفلسطيني، وبالتالي يتم تشتيت باقي الشعب الفلسطيني الذين هجروا الى غزة والضفة ودول الطوق ويتم صهرهم بهذه المجتمعات وتنتهي قضيتهم، ولكن ما أذهلهم أن الشعب الفلسطيني مع كل عام يزيد تمسكًا بأرضه وتشبثًا بحق عودته ويفدي وطنه بالدم والروح.
وعن ذكرى النكبة الفلسطينية التي يعيشها الصغار في غزة مرات عديدة بين أن ما يحدث الآن مع الأطفال من خلال حروب الاحتلال واعتداءاته المتكررة أقوى وأعمق أثرًا من مجرد الحديث لهم عن ذكرى النكبة، لأنه يرى الأحداث بعينيه ويعيش التفاصيل المؤلمة من فقد وقتل وهدم لمنزله الذي يصبح حطامًا في لحظة.
وختم وشاح حديثه بأن "الصهاينة" بجهلهم يسهلوا علينا عملية زرع الثوابت الوطنية لدى الأطفال ومن ضمنها حق العودة، بجبروتهم ودمويتهم وصلفهم ضد الشعب الفلسطيني، فينشأ جيل مثقف واعي عنيد، راغب في إنصاف الأجيال السابقة واستعادة حقهم، ولذلك كل الدراسات العلمية تقول أن كل جيل يأتي بعد جيل في فلسطين أقوى من الجيل الذي سبقه.
مرت خمسة وسبعون عاماً على النكبة، والتاريخ الفلسطيني يعيد نفسه مع عدو يستمر بإبادة العائلات الفلسطينية، يقصف بيوتهم وأحلامهم، يقتحم مدنهم وقراهم ويعتدي على أرضهم وحصادهم، يغتال أسراهم بتحد صارخ لكل القوانين، ويسعى لفرض وجوده عبر التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، ويجمع عتاده ليواجه غزة بحروب طاحنة وبأشد أنواع الأسلحة والطائرات الانتحارية، التي يواجهها الفلسطيني بعقله وحكمته وإبداع صنعه، رغم الحصار وقلة الإمكانيات، فبات الطفل يعرف طبيعة عدوه وحقيقة الصراع، ويوماً ما هو من سيروي كل الحكايا!