منذ بدء الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، ودخول جبهة لبنان على خط المواجهة، استغل الاحتلال انشغال العالم بالحرب الجديدة، وبدأ يصعد عدوانه بشكل ملحوظ على القطاع.
واشتمل تصاعد العدوان والتنصل من التهدئة ثلاثة أمور، أهمها وقف إطلاق النار، حيث لا يخلو يوم من شن غارات عنيفة بعضها تُشن في قلب القطاع، في المناطق المأهولة، وتوقع شهداء وجرحى بشكل يومي.
أما البند الثاني وهو عدم الالتزام "بالبروتوكول الإنساني" المتعلق بدخول المساعدات والسلع للقطاع، حيث يدخل القطاع أقل من 10% من احتياجات السكان يومياً، أما الأمر الثالث ويتمثل في تجميد المرحلة الثانية من الاتفاق، والتي تشمل انسحاب إسرائيلي من مناطق في القطاع، حيث مازال جيش الاحتلال يُحكم سيطرته على أكثر من 59% من مساحة القطاع.
تصاعد الاستهدافات اليومية
فمنذ نحو الأسبوعين، صعد الاحتلال غاراته واستهدافاته في قلب المناطق المأهولة في قطاع غزة، ما تسبب بوقوع عدد من الشهداء والجرحى، معظمهم من النازحين.
وفي غضون أيام معدودة استهدف الاحتلال منطقتي النصيرات والزوايدة وسط القطاع أربع مرات، وكذلك غرب مدينة غزة، ومحافظة خان يونس، حيث قصفت مُسيراته منازل، ومركبات، وخيام، ومارة، ما أوقع نحو 25 شهداء، وأكثر من 35 جريحاً.
واللافت أن الاستهدافات الأخيرة للمواطنين جاءت جميعها بشكل مفاجئ، ودون تبرير، في خطوة وصفت بأنها تصعيد خطير، وانتهاك لاتفاق التهدئة الحالي.
وأكد مواطنون أن الغارات والاستهدافات الأخيرة ركزت على مناطق مأهولة، وباستخدام مُسيرات وأسلحة دقيقة، ما يعني أنها ضمن سياسة الاغتيالات المركزة، التي نجم عنها أيضاً تعرض مارة ومدنيين للإصابات.
وأكد المواطن أحمد الملاحي أن كل ما يدور في غزة يؤكد أن الاحتلال بدأ يتنصل من تفاهمات التهدئة، ويتدرج من أجل العودة للحرب من جديد، مستغلاً انشغال العالم بالملف الإيراني، والحرب الجديدة.
وأوضح الملاحي أن الأمور في غزة لا تبشر بخير، فالاحتلال مازال يُسيطر على مساحة تزيد على 59% من القطاع، ويواصل القصف على طول ما يُسمى "الخط الأصفر"، بينما تنفذ مسيراته اغتيالات متواصلة في قلب المناطق المأهولة.
وأشار الملاحي إلى أن عودة الحرب على نطاق واسع، أو تنفيذ غارات عنيفة في قلب القطاع بات أمراً غير مستبعداً، فالجميع مشغولون بحرب إيران ولا أحد يلتفت إلى غزة، وهذه فرصة إسرائيل لتجديد عدوانها.
ولفت إلى أنه وغيره من المواطنين يشعرون بقلق كبير فإسرائيل عدو ماكر، لا يأبه بقوانين دولية، ويعتبر نفسه فوق القانون، ولا يهمه أحد، ومن الممكن أن يقدم على ارتكاب فظائع في غزة.
بينما يرى المحلل الاستراتيجي والخبير في الشؤون الاستراتيجية رامي أبو زبيدة أن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار تبدو في حالة شلل، معتبراً أن غزة ستصبح تلقائيا ساحة متأثرة بأي تصعيد إقليمي، وقد يحدث تصعيد متدرج، قد يلجأ فيه الاحتلال إلى توسيع عملياته المحدودة داخل القطاع، مستفيداً من بنك أهداف استخباري لتنفيذ ضربات نوعية تحمل رسائل ردعية غير مباشرة إلى قوى المقاومة وإيران ومحور المقاومة، وكذلك لتخفيف الضغط الداخلي الناتج عن الحرب الكبرى.
غطاء ناري كثيف على طول الخط الأصفر
ومنذ بدء الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، شدد جيش الاحتلال إجراءاته على طول "الخط الأصفر"، الذي يقسم قطاع غزة إلى قسمين، حيث عمل الاحتلال على تعزيز وجوده في تلك المناطق.
وأكدت مصادر محلية وشهود عيان، أن الاحتلال نشر عشرات المُسيرات التي تحلق على مدار الساعة على طول الخط الأصفر، في حين تتولى أبراج مراقبة فرض حظر وصول لمناطق تقع داخل الخط المذكور، حيث تطلق النار باستمرار تجاه المناطق الغربية، وتمنع أي شخص من الاقتراب من تلك المناطق.
بينما أكد العديد من المواطنين أن الاحتلال منذ بدء الحرب الإيرانية، فرض غطاء ناري كثيف على طول الخط الأصفر، بحيث تقصف الدبابات والمدفعية المناطق المحاذية للخط المذكور، في حين تقوم دبابات وأبراج مراقبة بغطاء ناري كثيف بالرشاشات الثقيلة والمتوسطة.
وشهدت الأيام الماضية سقوط شهداء وجرحى، غالبيتهم بمحاذاة "الخط الأصفر"، وقد سقطوا بنيران قوات الاحتلال التي استهدفت تلك المناطق، ومازالت هذه المناطق تتسم بالخطورة العالية، وثمة تهديد حقيقي على كل من يقترب منها.
وأوضح عدد من المواطنين أن الوضع بمحاذاة "الخط الأصفر"، أصبح شديد الخطورة، ولاحظوا تراجعا واضحا في أعداد الآليات والدبابات التي كانت منتشرة على طول تلك المناطق، وقد استعاض الاحتلال عن ذلك بغطاء ناري من المُسيرات والقذائف، ويستهدف كل شخص يحاول الاقتراب من تلك المنطقة.
وأوضحوا أن جيش الاحتلال يشن ما بين 4-6 موجات من القصف المدفعي يومياً، تستمر الموجة ما بين نصف ساعة إلى ساعة، يتم خلالها إطلاق قذائف تسقط داخل وخارج الخط الأصفر، بينما يستمر إطلاق النار تجاه الغرب دون توقف.
مُسيرات الاحتلال لا تغادر أجواء القطاع
وفي إطار التصعيد الحاصل ضد غزة، باتت الطائرات المُسيرة الإسرائيلية تحلق في أجواء القطاع على مدار الساعة، وتنفذ غارات مفاجئة تستهدف عناصر للشرطة وخيام، ومارة.
ويتركز تحليق الطائرات المذكورة على طول "الخط الأصفر"، وفوق مخيمات النازحين، وفي أجواء المناطق المكتظة بالمواطنين والنازحين.
وتزايدت مخاوف وقلق المواطنين في القطاع، مع تكثيف المُسيرات الإسرائيلية تحليقها في أجواء القطاع، حيث يعتبر هذا التحليق تحضير وتجهيز لغارات مستقبلية قادمة، قد تشن في أية لحظة، ودون سابق إنذار.
وأكد المواطن حازم عبد الله، أن المُسيرات الإسرائيلية جعلت المواطنين يعيشون في حالة حرب مفتوحة، ولا أحد يعرف متى وأين سيكون القصف المقبل.
وأوضح أن بعض المُسيرات تحلق بغرض جمع معلومات استخباراتية، وأخرى محملة بالصواريخ والقنابل، وجميعها تطبق على الأجواء بشكل كامل.
وأشار إلى أن الاحتلال حول المُسيرات بمختلف أنواعها إلى سلاح فتاك، وباتت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تدار بواسطة هذه الطائرات، التي يتحكم في توجيهها جنود وضباط إسرائيليون عن بعد.
ومؤخراً سلط جيش الاحتلال مُسيرات صغيرة "كواد كابتر"، محملة برشاشات وقنابل على صيادين الأسماك، حيث باتت هذه المُسيرات تستهدفهم، وتلحق في صفوفهم ضحايا، عدا عن تدمير قواربهم وإحراقها.
كما تلاحق ذات المُسيرات الصغيرة مواطنين ونازحين على طول الخط الأصفر، شرق وشمال القطاع، وتطلق النار تجاههم، حيث يسقط بسببها يومياً شهداء وجرحى.
وحذرت أجهزة أمن المقاومة الفلسطينية في غزة من استغلال قوات الاحتلال الروتين اليومي والتراخي الأمني لدى بعض المقاومين، لاختراق الصفوف وجمع المعلومات واستهداف نقاط الضعف الفردية.