سرعان ما تحولت فرحة المواطنين والعالقين في قطاع غزة بعد الإعلان عن فتح المعبر، إلى مشاعر من الحزن والإحباط الممزوجين بالغضب، بعد أن ظهر أن الإعلان عن فتح معبر رفح لم يكن سوى حيلة إسرائيلية جديدة، لتعذيب سكان قطاع غزة وإذلالهم، ولم تكن تهدف تلك العملية لإجلاء الجرحى والمرضى العالقين، كما كان متوقعاً.
فشهدت الأيام الأولى من فتح المعبر عمل بطيء للغاية، تخلله اذلال للمسافرين، وإجراءات قاسية تعرضوا لها، عدا عن تحكم الاحتلال في بواباته، وإقامة حواجز لإيقاف وعرقلة المسافرين وتفتيشهم.
عمل بطيء
ووفق مصادر مطلعة فإن المعبر بدأ العمل بوتيرة بطيئة للغاية، حيث يتم نقل المسافرين في حافلات وسيارات اسعاف، بعد تنسيق مع الاحتلال، وتمر من داخل مدينة رفح الخاضعة لسيطرة الاحتلال الكاملة.
وأكدت المصادر نفسها أنه جرى ارجاع غالبية المرضى إلى القطاع مجدداً، بينما تم إرجاع عدد كبير من العالقين الى مصر، بعد رفض دخولهم القطاع.
كما ألغت سلطات الاحتلال صباح اليوم الاربعاء، سفر الدفعة الثالثة من مرضى وجرحى قطاع غزة عبر معبر رفح البري.
وقالت جمعية الهلال الأحمر، إن الجهات المعنية أبلغتها أن إسرائيل قررت إلغاء سفر الدفعة الثالثة من المرضى عبر معبر رفح.
وينتظر الآلاف من المرضى والجرحى فتح معبر رفح للخروج من أجل العلاج بالخارج، في وقت سيمنع فيه الاحتلال خروج أكثر من 50 منهم يوميًا، وهو ما يعني أن الأعداد الموجودة في القطاع تحتاج 440 يومًا لسفرها، لكن الواقع على الأرض بدا مختلفاً ففي اليوم الأول سمح خمسة مرضى فقط، برفقة أفراد أسرهم، خرجوا عبر رفح في اليوم الأول من إعادة فتحه.
وقالت مصادر فلسطينية إن السلطات الإسرائيلية وافقت على سفر خمسة مرضى جرحى فقط من أصل قائمة تضم 27 اسما قُدمت إلى الجانبين المصري والإسرائيلي.
وفي الاتجاه المعاكس، وصل حوالي 50 مريضا كانوا يتلقون العلاج الطبي في مصر إلى الجانب الفلسطيني، كجزء من الترتيبات المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار، ولم يسمح سوى لـ 12 منهم بالعودة.
الطفل المصاب أحمد إياد أبو الخير جلس على كرسيه المتحرك إلى جانب والده، مترقبا دوره ضمن قافلة الإجلاء الطبي المتجهة إلى معبر رفح، وكان يبدو متعباً عاجزاً عن الحركة، رأسه ملفوف بضمادات طبية، بينما حاول والده مواساته، يربت على كتفه.
يقول إياد أبو الخير والد الطفل إن كل ساعة تمر ليست في صالح صحة ابنه ويضيف: "نتمنى من أصحاب القرار ومنظمة الصحة العالمية أن يستعجلوا ويساعدوا في سفر ابني أحمد لاستكمال علاجه".
وإلى جانب الطفل أحمد كان يجلس مرضى وجرحى، ليسوا في أحسن حال منه، وجميعهم ينتظرون السماح لهم بالسفر من خلال المعبر.
من جهتها قالت "شبكة ABC الإخبارية الأمريكية"، إن القيود المشددة التي تفرضها السلطات الإسرائيلية على المسافرين عبر معبر رفح لا تُمكن الغالبية العظمى من السفر، موضحة أن القيود الإسرائيلية الصارمة المفروضة على دخول وخروج الأشخاص، والتأخيرات الطويلة، والمخاوف الأمنية، والعقبات البيروقراطية، كلها عوامل أدت إلى انخفاض التوقعات بسرعة وسلاسة السفر.
معبر التنكيل للإذلال
وإلى جانب بطء الحركة، تعرض مسافرون لعمليات تنكيل وإذلال، وجرى الاعتداء على بعضهم.
ووفق شهادات متطابقة، يتولى مسلحون مقنعون يعملون مع مليشيا تابعة للاحتلال إيقاف وتفتيش العائدين إلى غزة عند حاجز يبعد 500 متر عن معبر رفح، ثم يسلموا العائدين لنقطة للاحتلال الإسرائيلي حيث يجرى التحقيق معهم ومصادرة أغراضهم.
وأكدت مصادر مطلعة أن العائدين إلـ 12 اللذين وصلوا إلى غزة في اليوم الأول من فتح المعبر، خضعوا للتحقيق في أكثر من نقطة خلال رحلة العودة.
وأكدت ذات المصادر أن التحقيقات الإسرائيلية شملت جميع العائدين لغزة في الدفعة الأولى، وقد احتجزوا لساعات عند نقاط تفتيش إسرائيلية.
وبحسب المصادر فإن أكثر من امرأة أكدت أنهم تعرضوا للتوبيخ والتنكيل من قبل الجيش الإسرائيلي، وأن ضباط الشاباك صرخوا في وجوههم، إذ كيف تعودون لغزة في مثل هذه الظروف.
وأكد مسافرون عائدون إنهم تعرضوا للابتزاز والمساومة، وعرض عليهم العمل مع الاحتلال، وأنهم عرضوهم على عناصر المليشيات العميلة قبل دخولهم إلى غزة،
وأثارت الإجراءات المذكورة حفيظة العالقين في مصر، ممن يرغبون بالعودة للقطاع، مؤكدين أن هذا يعكس رغبة الاحتلال بعدم إعادتهم للقطاع، وتنفيذ مخطط التهجير الذي يسعى الاحتلال لتنفيذه.
وأكدت المواطنة العائدة صباح الرقب أنها تعرضت للضرب والإهانة والتفتيش الذاتي مع 3 سيدات أخريات على يد عصابة أبو شباب على حاجز بمنطقة موراج، موضحة أن الجنود رشوا المياه على وجوههم ووضعوا الأصفاد في أيديهم؛ ووجهوا لهم عبارات نابية.
وأشارت إلى أن عصابات عميلة متعاونة مع الاحتلال سلبوا منهم حاجياتهم الشخصية؛ وحققوا معنا لساعات وهددوهم بالقتل والاعتقال.
من جهته أكد "مركز غزة لحقوق الإنسان"، تعريض المسافرين من خلال معبر رفح لممرات محاطة بالأسلاك الشائكة وكاميرات المراقبة، بما يشكل ترهيبًا نفسيًا وإذلالًا ممنهجًا، خاصة للمرضى والنساء وكبار السن.
وأكد المركز اعتقال وتقييد ثلاث نساء واحتجاز عائدين والتحقيق معهم لساعات بأسئلة مهينة ومحاولات تحريض سياسي، موضحاً أن الشهادات تؤكد أن الرحلة اتسمت بالخوف، التهديد، الانتظار الطويل، والضغط النفسي الشديد.\
وأوضح المركز أن إسرائيل فرضت تحكمًا مباشرًا في قوائم المسافرين حيث سُمح بسفر 5 مرضى فقط من أصل 50 رغم خطورة الحالات الطبية.
تحذيرات طبية
من جهته حذر الناطق باسم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني رائد النمس، من الفجوة الصادمة بين أعداد المغادرين وحجم الاحتياج الصحي الفعلي، موضحاً أن هناك 20,000 مريض: بحاجة ماسة للسفر الفوري وفق تصنيفات وزارة الصحة، وأن ثمة 100,000مصاب: خلفهم عامان من الحرب المستمرة، وهناك350,000 مريض مزمن: (قلب، سرطان، فشل كلوي) يواجهون نقصاً حاداً في الخدمات العلاجية.
وتابع النمس "نلحظ زيادة في حالات الوفاة بين مرضى السرطان تحديداً، لعدم توفر العلاج وخروج معظم المنشآت الطبية عن الخدمة بسبب الاستهداف الممنهجة.
وشدد النمس على ضرورة وجود تحرك أممي حقيقي لإلزام الاحتلال الإسرائيلي بزيادة أعداد المستفيدين من الإجلاء الطبي، واحترام كرامة المرضى ومرافقيهم.
وأكد على ضرورة وقف العراقيل وضمان "استدامة" بروتوكول الإجلاء الصحي في كلا الاتجاهين، بما يكفله القانون الدولي الإنساني من حق في العلاج وحرية التنقل.