أيقونة العملات

العملات

الدولار اليوم
اليورو اليوم
أيقونة الطقس

الطقس

أيقونة الإشعارات

اشعارات

تقارير بوست

الاحتلال يواصل الضغط على السكان ويعقد الحياة في غزة

27 يناير 2026 - بقلم: محمد الجمل

يصعد جيش الاحتلال عدوانه وضغطه على المواطنين بشكل متواصل، وبشتى الوسائل، ما فاقم من المعاناة، وزاد من الأزمات، وعقد الحياة، وجعل البديهيات التي كانت في السابق أمور يصعب الحصول عليها.

فخلال الفترة الماضية ذهب الاحتلال لاستهداف مقومات الحياة، وجعل حياة الناس في القطاع صعبة وقاسية.

تحويل الخط الأصفر لأمر واقع

ومن أخطر وسائل الضغط على المواطنين، مساعي الاحتلال لتحويل "الخط الأصفر"، لحد فصل دائم، بدل من موقف مؤقت.

فقد مر أكثر من 110 يوماً على بدء تطبيق اتفاق التهدئة الحالي، ومازال الاحتلال يرفض الانسحاب من مساحات إضافية من القطاع، وتسيطر قواته على نحو 59% من مساحة غزة، وتمنع المواطنين من الوصول إليها.

ويخشى مواطنون من أن يتحول "الخط الأصفر"، إلى أم واقع، وألا ينسحب جيش الاحتلال من مناطق سيطرته الحالية، ما يعني استمرار حشر المواطنين في مساحات ضيقة من القطاع، وبقاء الواقع الأمني والجغرافي على حاله.

ووفق إسماعيل الثوابتة، المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي بغزة، فإن "الخط الأصفر"، تحول إلى حد فاصل فعلي طويل الأمد يقسم القطاع لقسمين، بدلاً من موقف عسكري مؤقت، كان من المفترض أن ينتهي مع بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، ما بات يشكل إخلالاً جوهرياً ببنود اتفاق وقف إطلاق النار ويمنح الاحتلال ذريعة لفرض إجراءات عسكرية وإدارية جديدة تُقوّض شروط المرحلة الثانية، وهذا يؤدي عملياً إلى حرمان أعداد كبيرة من المواطنين من العودة إلى منازلهم ومنعهم من الوصول إلى الأراضي الزراعية والمرافق الأساسية. 

بينما يؤكد المحلل والخبير السياسي الدكتور طلال أبو ركبة أن "الخط الأصفر" أضحى خط يؤسس لمرحلة قادمة ترسم معالم غزة الجديدة، كما تريدها أميركا وإسرائيل، وسيكون وجوده طويل الأمد وهو خط يفصل المناطق التي يسيطر عليها الاحتلال، وتلك التي تُديرها حركة "حماس"، وهو سيكون بمثابة الفاصل الفعلي بين وجود المدنيين الفلسطينيين والمدن الإنسانية التي يسعى ما يُسمى "مجلس السلام الدولي" لإنشائها برعاية أميركية.

بينما أكد محللون وخبراء أن إسرائيل ومن خلال هذا الخط تؤسس لفصل غزة جغرافيا لمنطقتين، وهذا سيكون بمثابة أداة ضغط سياسية وأمنية على سكان القطاع، من خلال تقليص مساحة قطاع غزة، واستخدام الخط المذكور لشن هجمات على القطاع، وهذا كله يشكل خنق وضغط على سكان القطاع، بما يسهل عملية التهجير وهي الهدف الأساسي لإسرائيل.

"الخط الأصفر" هو عبارة عن خط وهمي رسمته الولايات المتحدة الأميركية ضمن خطتها لإنهاء الحرب على غزة، كحدود مؤقتة كان من المفترض أن تفصل بين المرحلة الأولى والثانية من الاتفاق، وبموجبه تبقى قوات الاحتلال مُسيطرة على أجزاء كبيرة من القطاع.

استهداف أبراج الاتصالات

ومن وسائل الضغط على المواطنين، استهداف مقومات الحياة في غزة، وللمرة الثالثة في غضون عدة أسابيع، تستهدف قوات الاحتلال أبراج اتصالات وتقوية، تابعة لشركات محلية، أو مشاريع خاصة، ما يتسبب بانقطاع في خدمات الاتصال والإنترنت.

وشهدت مدينة غزة عدة عمليات قصف في الآونة الأخيرة، استهدفت جميعها أبراج اتصالات داخل المدينة، إحداها في حي التفاح، وآخرها كان استهداف برج اتصالات، مثبت أعلى برج "شوا"، وحصري في شارع الوحدة وسط مدينة غزة.

ووفق مصادر محلية وشهود عيان فإن طائرة إسرائيلية مسيرة، محملة بكمة من المتفجرات، ارتطمت بشكل مباشر في البرج، ما تسبب بوقوع اضرار مادية.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن الأبراج المستهدفة معظمها مملوكة لمواطنين، يقومون بتوزيع خطوط "أنترنت شوارع"، وأن هذه العمليات تؤدي إلى انقطاع في الخدمات على نطاق واسع.

ووفق مواطنون فإن تعمد الاحتلال استهداف البنية التحتية للاتصالات في القطاع، سواء الاتصالات الخلوية او خدمات الانترنت، يأتي ضمن خطة الاحتلال القديمة الجديدة، للتضييق على الناس، وخلق حالة من العزلة في القطاع، ما يتسبب بجعل القطاع بيئة طاردة لسكانه، وبالتالي تسهيل عملية هجرة الناس، خاصة في ظل تزايد الحديث عن قرب فتح معبر رفح البري.

وأكد المواطن أحمد عرفات أنه يعاني جراء الحصول على خدمات الاتصال والانترنت، ويضطر لشراء بطاقة صغيرة، ويقف في الشارع حين يريد الخدمة، والأخيرة غالباً ما تكون سيئة، يحدث عليها الكثير من التقطيع.

ولم يكتف الاحتلال بذلك فوفق تقارير المؤسسات الحقوقية، بأنها وثقت تعمّد استهداف الاحتلال للمواطنين الفلسطينيين بمن فيهم صحفيين خلال محاولتهم التقاط بث الاتصالات المتنقلة والانترنت واستخدام الشرائح الالكترونية، وذلك للتواصل مع ذويهم وأقاربهم أو مشغليهم، وذلك من خلال القنص المباشر أو الطائرات المسيرة في مختلف أنحاء قطاع غزة.

استخدام الشتاء كسلاح

يستخدم الاحتلال الطقس البارد وما يرافقه من أمطار ورياح كسلاح موجه ضد سكان القطاع، عبر تعمد استمرار الحصار ومنع إدخال أية مواد تسهم في تخفيف تبعات الطقس، ما يزيد من المخاطر على المواطنين في القطاع، خاصة من سكان الخيام.

ووفق "مركز حماية لحقوق الإنسان"، فإن الاحتلال حول الظروف الجوية القاسية إلى أداة قتل جماعي ضد شعب مُحاصر ومشرَد، يعيش على أنقاض منازله أو تحت خيام هشة لا تقي برداً ولا مطراً.

وقال المركز في الوقت الذي تصل فيه سرعة الرياح إلى 80 كم/ساعة، وتهطل الأمطار الغزيرة المصحوبة بالبرد، سُجلت المزيد من حالات الوفاة، نتيجة انهيار مباني آيلة للسقوط، وسط تحذيرات صريحة من الدفاع المدني بأن "المباني لم تعد ملاذاً آمناً" وأن الخيام تقتلعها الرياح وان الأطفال عرضة للموت. 

وأكد المركز أن هذه المأساة ليست طبيعية، بل هي النتيجة المباشرة والمتوقعة لسياسة العقاب الجماعي، والتدمير المنهجي للبنى التحتية والسكنية، ومنع إدخال المواد الأساسية لإعادة الإعمار، والتي يقف خلفها الاحتلال كقوة احتلال مسؤولة عن حماية السكان المدنيين في الأراضي المحتلة.

وقال المركز: "أمام الواقع المرير الذي يعانيه المواطنون في غزة، نندد بأشد العبارات الصمت الدولي والتقاعس عن العمل الجاد الذي سمح بتحول أزمة النزوح إلى مذبحة إنسانية يومية بفعل العوامل الطبيعية التي كان من الممكن التخفيف من آثارها لو وجدت الإرادة السياسية. 

وحمل المركز قوات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن كل حياة تُزهق تحت الأمطار والبرد، نتيجة منعها إدخال مواد البناء و(الكرفانات). 

وقال المركز: " إزاء حالة التقاعس واللامسوؤلية تجاه حياة المواطنين في قطاع غزة نطالب الأمم المتحدة بتفعيل آلية طوارئ إنسانية لبدء عملية إدخال عاجلة وآمنة لآلاف البيوت المتنقلة "كرفانات"، والخيام ومستلزمات التدفئة والوقود، كخطوة انتقالية فورية لإنقاذ الأرواح.

بيئة طاردة

منذ بداية الحرب على قطاع غزة، قبل أكثر من عامين، يعمل جيش الاحتلال على خلق بيئة طاردة للسكان في القطاع، يتم بموجبها دفع المواطنين للهجرة للخارج.

وعمل الاحتلال على هذا الأمر من خلال عدة مسارات متوازية، أهمها تدمير المنازل والبنية التحتية، وتعطيل أية محاولة للإعمار، ومنع وصول معدات الإيواء خاصة في فصل الشتاء، ما يُشعر المواطنين بأنهم سيبقون في الخيام فترات طويلة، ويدفعهم للتفكير بالهجرة.

أما المسار الثاني، ويتمثل في فقد الأمن والاستقرار، حتى في ظل التهدئة، من خلال شن غارات وعمليات قصف، تؤدي إلى سقوط شهداء، ودفع الناس للنزوح، والانتقال من مكان لآخر داخل القطاع، كما حدث مؤخراً شرق خان يونس.

أما المسار الثالث وهو التجويع والحصار، من خلال تكرار المجاعات، واغلاق المعابر، ومنع توريد معدات الإيواء والإعمار، وجعل حياة الناس قاسية، يكابدون من أجل لقمة العيش وشربة الماء.

يواصل جيش الاحتلال توسع سيطرته بصورة تدريجية وبطيئة على مناطق جديدة في قطاع غزة، ويجبر المزيد من العائلات على ترك محل إقامتها، والتوجه غرب القطاع.

وتسبب هذا الاجراء في زيادة حشر المواطنين في مناطق مكتظة سيئة الخدمات غرب ووسط القطاع، بينما مساحات شاسعة من القطاع خالية بدون سكان، وتخضع للسيطرة الإسرائيلية.
وبالتوازي مع المسارات الثلاثة المذكورة، عمل الاحتلال على الجانب النفسي، من خلال رسائل تصل للمواطنين حول عدم صلاحية القطاع للعيش، وتشجيع الهجرة، وارسال روابط مجهولة للتسجيل للسفر.

ولم يخفِ قادة الاحتلال تشجيعهم لما يُسمى "تشجيع الهجرة الطوعية"، من أجل دفع سكان القطاع للهجرة وترك غزة.

لكن غالبية المواطنين من سكان القطاع أكدوا رفضهم وبشكل قاطع ترك القطاع، أو الهجرة، مؤكدين أن صمودهم لمدة عامين في ظل الحرب والنزوح، سيجعلهم يصمدون عقود قادمة، ولن يهاجروا خارج القطاع.