يسعى جيش الاحتلال لاستغلال اتفاق التهدئة الحالي، بهدف خلق وقائع جديدة على الأرض، وتكريس وجوده داخل قطاع غزة.
وخلال الفترة الماضية، سعى جيش الاحتلال تدريجياً لتحويل الخط الأصفر، من مجرد خط وهمي مؤقت، كان من المفترض أن يفصل بين المرحلتين الأولى والثانية من الاتفاق، إلى خط دائم، يُقسم القطاع، ويحول حياة المواطنين إلى جحيم.
فرض واقع بالنار
وسعى الاحتلال مؤخراً لترسيخ وفرض الخط الأصفر بالنار، والذي يفصل المناطق السكنية في القطاع عن أماكن تواجد قواته.
وتُطلق مدفعية الاحتلال يومياً عشرات القذائف في اتجاه المناطق المحاذية للخط الأصفر، وأحياناً تسقط القذائف غرب الخط المذكور، في رسالة تحذير متجددة للمواطنين، لمنعهم من الوصول للخط الأصفر أو اختراقه.
كما تُحلق مُسيرات إسرائيلية محملة بالصواريخ والقنابل والرشاشات فوق الخط المذكور مباشرة، وتطلق النار تجاه أي شخص يقترب منه، حيث يقع ضحايا يومياً جراء ذلك، بينهم نساء وأطفال، حاولوا الوصول للمناطق التي يقطنون فيها، لجلب بعض الحاجيات.
وقال المواطن محمود أبو مصطفى، إن الاحتلال لم يكتف بوضع مكعبات وإشارات صفراء على طول الخط الأصفر، بل بات يستخدم النار لفرض وجوده، ويقتل أي شخص يقترب من الخط المذكور.
وأكد أبو مصطفى أنه ومنذ وقف إطلاق النار، استشهد وجُرح العشرات من سكان بلدات شرق مدينة خان يونس حيث يقطن، رغم أن الضحايا هم مدنيين، كانوا يحاولون الوصول لمنازلهم.
وأشار إلى أن الاحتلال يحاول من خلال ممارساته إيصال رسالة للجميع، بأن الوصول للخط الأصفر أو اختراقه يعني موت محتم.
ولفت إلى أن الاحتلال يعزز وجوده ونقاطه العسكرية، ويقيم مواقع حصينة، ويجهز بنية تحتية على طول الخط المذكور، وهذا كله يدعم فكرة أن إسرائيل لا تنوي أبداً مغادرة هذا الخط في المنظور القريب على الأقل، وهذا يضع الوسطاء في موقف المسؤولية، فهم من رعوا الاتفاق وضمنوه، وعليهم الضغط لضمان تنفيذ بنوده، بما فيها الانسحاب الثاني من القطاع.
ومنذ وقف إطلاق النار في 11 تشرين أول الماضي، بلغ إجمالي الشهداء 268 شهيداً، و640 مصاباً، بينما بلغ عدد الشهداء ممن جرى انتشالهم منذ التاريخ المذكور 548 جثمان على الأقل.
تصاعد وتيرة التدمير
كما شهدت وتيرة التدمير داخل مناطق "الخط الأصفر" في قطاع غزة تصاعد كبير في الأيام الماضية، خاصة داخل مدينة رفح، وشرق خان يونس، وشرق مدينة غزة، ومناطق شمال القطاع.
ويومياً تنفذ قوات الاحتلال عشرات الغارات الجوية، التي تستهدف منازل ومباني داخل المناطق المذكورة، ما يتسبب بتدميرها كلياً، كما يُسمع صوت تفجيرات تنتج عن عمليات نسف لمنازل ومربعات سكنية، تنفذها قوات الاحتلال داخل المناطق المذكورة.
في حين أكد مواطنون وصلوا لمناطق شرق القطاع، خاصة الأحياء الشرقية لمدينة خان يونس، أن جيش الاحتلال دفع بعدد كبير من الجرافات، غالبيتها تابعة لشركات مدنية متخصصة بعمليات الهدم، حيث تقوم هذه الجرافات بتدمير عشرات المنازل بصورة يومية، كما تدمر بنية تحتية مدنية، ويومياً تختفي مناطق جديدة عن الخارطة بفعل عمليات التدمير المتواصلة.
وقال المواطن أيمن شاهين إن ما يحدث هو عملية مسح شاملة لكل الكتل العمرانية داخل الخط الأصفر، بدءاً من مدينة رفح جنوباً وحتى بيت لاهيا وبيت حانون أقصى شمال القطاع، وأن أكثر المناطق تدميراً تقع في مدينة رفح.
وأوضح شاهين ويقطن جنوب خان يونس، إنه يُشاهد بعد كل انفجار سحابة من الدخان الرمادي تتصاعد في الأجواء، وهذا دليل على تدمير مبنى، حيث يُشاهد غبار الأسمنت والخرسانة بوضوح، إضافة لغبار يتصاعد بسبب عمليات الهدم التي تنفذها جرافات الاحتلال.
وذكرت مصادر صحفية عبرية إن الجيش الإسرائيلي ينفذ عمليات نسف مُحكمة في حي الجنينة شرق رفح، زاعمة أن مسلحين يختبئون تحت الأرض في الحي المذكور.
ووفق تحليل صور أقمار اصطناعية أجرته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، فإن جيش الاحتلال الإسرائيلي دمّر أكثر من 1500 مبنى في المناطق التي ظلت تحت سيطرته بقطاع غزة منذ بدء وقف إطلاق النار في 10 تشرين أول الماضي.
وأظهرت الصور الحديثة للأقمار الاصطناعية أن أحياءً بأكملها خاضعة لسيطرة قوات الاحتلال سُوّيت بالأرض في أقل من شهر، والمباني التي دُمرت تقع في المناطق الشرقية لجباليا وغزة وخانيونس ورفح.
ووفق ما أكدته هيئة الإذاعة البريطانية، فقد يكون العدد الفعلي للمباني المدمرة أعلى بكثير لأن صور الأقمار الاصطناعية لبعض المناطق غير متاحة.
بينما أكد خبراء أن عمليات الهدم تُشكل انتهاكًا لبنود وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا.
تعطيل المرحلة الثانية
رغم دخول اتفاق التهدئة شهره الثاني، مازالت المرحلة الثانية من الاتفاق مُعطلة، بسبب مماطلات الاحتلال، ورفض الدخول فيها.
وبسبب تعطيل المرحلة الثانية لم يكمل الاحتلال انسحابه من القطاع كما كان مقرراً، ومازالت قواته تُسيطر على نحو نصف مساحة القطاع، وتعمل على ترسيخ وجود ما يُسمى "الخط الأصفر"، الذي يفصل المناطق السكنية عن مناطق تمركز قوات الاحتلال في القطاع.
كما يواصل الاحتلال إغلاق معبر رفح، ويمنع وصول معدات الإعمار والإيواء، ويحظر وصول جرافات ومعدات ثقيلة لرفع الأنقاض، ويرفض تنفيذ البروتوكول الإنساني والذي ينص على إدخال 600 شاحنة مساعدات بشكل يومي للقطاع.
"وأكد المواطن عبد الرحيم العطار أن الاحتلال يراوغ بتطبيق الاتفاق، موضحاً أن شهر انقضى ولم يحدث أي تقدم على الأرض في أي من القضايا، والاحتلال تسلم أسراه الأحياء وغالبية الجثامين، ولم ينفذ من الاتفاق شيء.
وأكد أنه وبموجب المرحلة الثانية من الاتفاق كان من المفترض أن ينسحب الاحتلال من غالبية مدينة رفح، ومناطق واسعة شرق وشمال القطاع، ما يمكن المواطنين من العودة لمنازلهم وأحيائهم لكن هذا لم يحدث، بل يواصل الاحتلال تكريس الخط الأصفر، ويحوله تدريجياً لخط دائم، في انقلاب واضح على اتفاق التهدئة.
وأشار إلى أن أميركا هي المسؤولة عن كل ما يحدث، وهي التي تعطي الاحتلال الضوء الأخضر للتهرب من الاستحقاقات وعدم تنفيذ الاتفاقات وربما الانقلاب عليها، كما حدث في شهر آذار الماضي حين انقلبت إسرائيل على الاتفاق، واستأنفت العدوان.