منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة، جعل الاحتلال من قطاع التعليم هدفاً من ضمن أهدافه، وعمل بشكل مدروس ومنظم على إبادة هذا القطاع، مستخدماً في ذلك مختلف المستويات.
واستهدف الاحتلال قطاع التعليم في غزة عبر مسارين، الأول استهداف الطلاب والمعلمين، والأكاديميين، ومن بينهم علماء وأستاذة جامعات في تخصصات نادرة، والثاني استهداف المؤسسات التعليمية من مدارس، وجامعات، وحتى رياض أطفال.
أرقام صادمة
ووفق آخر الإحصاءات الرسمية، فقد استشهد نحو 16 ألف طالب وطالبة، وقرابة 800 معلم، وهو ما يعادل خسارة 25 مدرسة بطلبتها ومعلميها.
كما تم تدمير أكثر من 905 مدارس في غزة، ومن أصل 307 مبانٍ مدرسية حكومية تضرّر أكثر من 290 مبنى كليًا، فيما تحوّلت البقية إلى مراكز إيواء.
ووفق الإحصاءات الرسمية فإنه وخلال عامين من الحرب، لم يتمكن طلبة غزة من التقدم لامتحانات الثانوية العامة، حيث بلغ عدد طلبة عامي 2022/2023 نحو 78 ألف طالب، استُشهد منهم 4,000، وغادر 4,000 آخرون خارج البلاد، ليبقى 70 ألف طالب وطالبة بحاجة للتقديم.
كما حُرم حوالي 608 آلاف طالب وطالبة من حقهم بالتعليم المدرسي.
كما اعتقل الاحتلال المئات من طلبة المدارس والجامعات والكوادر التعليمية منذ بداية الحرب، دون وجود إحصائية دقيقة حول تلك الأرقام.
بينما أكدت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، أن الغالبية العظمى من مدارسها تحولت إلى ملاجئ مزدحمة تؤوي مئات الآلاف من الأسر النازحة، فيما لم تعد صالحة للتعلم.
ولم يستطع غالبية الطلاب من مختلف المراحل الالتحاق بنظام التعليم الالكتروني عند بعد، بسبب عدم توفر خدمات الإنترنت في غالبية مخيمات النزوح، وحال توفر فتكلفة الاتصال به عالية، عدا عن ندرة الهواتف الذكية التي يمكن للطلاب من خلالها متابعة دروسهم عند بعد.
وحذرت "الأونروا" من خطر ضياع جيل كامل بسبب الإبادة الجماعية وتوقف العملية التعليمية، حيث قالت إن ذلك "يغذي مشاعر الاستياء والتطرف".
بينما قالت دراسة أجراها "مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات الفلسطيني" بدعم من "تحالف أطفال الحرب" على عينة تضم 504 عائلات، إن 96% من الأطفال يشعرون بأن الموت وشيك، فيما يظهر 87% منهم الخوف الشديد بينما يتجنب 77% الحديث عن الظروف الصادمة.
وأشارت الدراسة إلى أن النزوح المتكرر والإبادة جعلت الأطفال أكثر ضعفا ويعانون من "أزمات نفسية حادة".
توجيهي غزة.. مستقبل غامض
مازال عشرات الآلاف من طلاب الثانوية العامة "توجيهي" من مواليد عامي 2006، و2007، يعيشون حالة من التيه، مع عدم قدرتهم على التقدم للامتحانات في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة.
ويواجه الطلاب مستقبل قاتم، يهدد استمرار مسيرتهم التعليمية، ويحول دون تمكنهم من الالتحاق بالجامعات، ويضيع مزيداً من السنين من أعمارهم سدى.
الطالبة هديل شاكر من مواليد العام 2006، أكدت أنه لم تدرس سوى شهر واحد في المدرسة، ثم جاءت الحرب ولم تتمكن من استئناف الدراسة الوجاهية، ومنذ شهر تشرين أول عام 2023 وهي تدرس وتراجع في المنهاج، واخذت الكثير من الدروس الخصوصية، على أمل أن تتقدم للامتحان، وتجتاز عتبة التوجيهي لكن هذا لم يحدث حتى الآن.
ورغم أنها استعدت أكثر من مرة للامتحانات بناء على إعلانات صدرت عن الوزارة، إلا أن شاكر لازالت تتواجد في خيمتها، بانتظار حدوث ما أسمته بـ"المعجزة"، وتوقف الحرب، والتقدم للامتحان، الذي بات من وجهة نظرها حلم بعيد المنال.
رغم ذلك تواصل هديل الدراسة، موضحة أنها تواجه معيقات كثيرة، منها غياب الكهرباء والإنارة، فلا تتمكن من الدراسة سوى ساعات محدودة من اليوم، تتمثل في ساعات الصباح الباكر، وما قبل الغروب، موضحة أن غياب المدارس والقرطاسية والكتب، واعتمادها على نفسها، بالإضافة إلى بعض الدروس الخاصة المُكلفة يعتبر عائق إضافي تواجهه، لكنها رغم ذلك مازالت تحلم أن تتخطى عتبة التوجيهي، لتنتقل للدراسة في الجامعة.
وسبق وأعلنت وزارة التربية والتعليم في رام الله نيتها تنظيم امتحان لطلاب "التوجيهي" خلال عام 2025، لكنّ الوزارة لم تحدد كيفية تنظيم الامتحانات في ظل استمرار الحرب، مفضّلة الانتظار لحين اتضاح الصورة، من دون أن تستبعد إمكانية عقدها "إلكترونيا".
خطط جديدة
وأفشلت الحرب المستمرة أكثر من خطة أعدتها وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، لتنفيذ امتحانات الثانوية العامة في قطاع غزة، ويجري حالياً إعداد وترتيب خطة جديدة، وسط آمال بالنجاح في تمكين طلاب التوجيهي من التقدم للامتحانات، خاصة مع زيادة الحديث عن تهدئة جديدة.
وتتكون الخطة الجديدة لامتحانات من ثلاث مراحل: المرحلة الأولى تشمل 1,500 طالب من الدورة الثالثة لعام 2022/2023، وسيتقدّمون لاختبار تجريبي في 17 تموز 2025، والامتحان الرسمي في 19 تموز 2025، أما المرحلة الثانية: تشمل 31 ألف طالب من العام الدراسي 2023/2024، وقد تم تسجيل 23 ألفًا منهم خلال الهدنة، وتبدأ بعد انتهاء المرحلة الأولى مباشرة، أما المرحلة الثالثة تستهدف 41 ألف طالب من العام الدراسي 2024/2025، وسيُفتح باب التسجيل لهم خلال أسبوع.
ووفق الخطة الجديدة ستكون الامتحانات إلكترونية، مع التطلع لإجرائها داخل قاعات رسمية في حال توفرت ظروف آمنة، مع توفير متطلبات أساسية مثل الكهرباء، الإنترنت، الأثاث، والبرمجيات الخاصة.
ووفق وزارة التربية والتعليم فإنها تعمل على خطط بديلة لتمكين الطلبة من التقديم من أماكن تواجدهم، خصوصًا المصابين أو من فقدوا وثائقهم الرسمية، مشيرةً إلى أنها تحتفظ بجميع بيانات الطلبة وستزوّدهم بها وفق آلية خاصة.
وأكد الوزارة وجود تنسيق عالٍ لعقد امتحانات الثانوية العامة مع الجامعات، واليونيسف، واليونسكو، وUNDP، والمجتمع المدني، وستقدم الوزارة شروحات كافية للطلبة عبر فيديوهات ونشرات إرشادية، بالتعاون مع وزارة الاتصالات وشركات الاتصالات الفلسطينية.
كتب: محمد الجمل