تسببت المساعدات التي يتم توزيعها بواسطة الشركة الأميركية، وبرعاية وحماية الاحتلال وعصاباته، في خلق ظواهر سلبية خطيرة وغير مسبوقة داخل قطاع غزة، أبرزها خلق مشاكل ومشاحنات، وسيطرة عصابات على المساعدات، وحرمان باقي الفئات منها.
كما تسببت هذه المساعدات في خلق أسواق سوداء، إذ يتم بيع غالبية ما توزعه الشركة الأميركية في الأسواق، وبأسعار عالية، تفوق قدرة الكثيرين على شرائها، ما يضع علامات استفهام حول المغزى الحقيقي من وراء تلك المساعدات.
الصناديق للأقوياء
وفي الآونة الأخيرة، باتت صناديق المساعدات مقتصرة على فئة معينة من المواطنين، غالبيتها عبارة عن تشكيلات عصابية صغيرة، تقوم بالسيطرة على الصناديق وحرمان الضعفاء منها.
ووفق مصادر محلية وشهود عيان، فإن الآلية غير المُنظمة، التي يفرضها الاحتلال والشركة الأميركية، خلال توزيع المساعدات، والتي تتمثل في وضع كمية محدودة من صناديق المساعدات، تتراوح ما بين 1000-2000 صندوق، ليستفيد منها 50 ألف شخص، يُتركون دون تنظيم، خلقت مشاحنات وصراعات، وأسهمت في تشكيل عصابات صغيرة للسيطرة على الصناديق.
وتقوم بعض العصابات بالسيطرة على حاوية "مشتاح"، يحوي عشرات الصناديق من المساعدات، ويقومون بأخذها دون السماح لأحد بالاقتراب منها، بينما يُحجم البعض عن التوجه للصناديق، ويحصلون على المساعدات من خلال ممارسة "البلطجة"، على من نجحوا في أخذ الصناديق، ويستولون عليها منهم عُنوة، ويصل الأمر أحياناً لضربهم بآلات حادة، حال قاوم الشخص ورفض تسليم المساعدة "للبلطجية".
وأكد المواطن إبراهيم جودة، أن ما يحدث داخل المراكز، خاصة عند التسليم أمر فظيع، فلا يوجد أن نوع من التنظيم، ويفتح الباب أمام المواطنين فجأة، ليبدأ أسوأ فصل من الصراعات والتناحر، فالقوي يحصل على المساعدة، والضعيف يُداس تحت الأقدام، وحتى بعض من نجحوا في الحصول على الصناديق يتم سلبها منهم بالقوة.
وبين أن المشهد الأكثر فظاعة قيام البعض بفتح الصناديق وانتقاء أنواع من السلع منها، مثل زيت الطعام، السمن النباتي، زبدة الشكولاتة، الطحين، وغيرها من الأطعمة مرتفعة الثمن، وترك الأشياء الأقل أهمية مثل المعلبات لغيرهم، وهذا كله ناتج عن تعمد الاحتلال والشركة الأميركية صنع الفوضى.
وقال المواطن يوسف عطا الله، إن الشركة الأميركية ومن خلفها الاحتلال تتعمد خلق هذه الأجواء، وتسعى لتغذية عمل العصابات، وتحرص على جعل المساعدات حكر على الأقوياء، وبعضهم يعملون بتوجيهات من قبل الاحتلال مباشرة.
وأوضح عطا الله لـ"فلسطين بوست"، أن هذه المظاهر لم تكن معروف من قبل، وانتشرت منذ بدء عمل الشركة الأميركية، لذلك طالما استمرت هذه الشركة في العمل، فإن مظاهر الفوضى في القطاع ستتواصل وربنا تتوسع، وهذا هو الهدف الحقيقي من وراء هذه العملية.
ودعا عطا الله إلى تشكيل موقف رسمي وشعبي قوي وحازم، يسهم في منع الناس من التوجه لتلك المراكز، والعمل على إفشالها، ووضع حد لهذه المهزلة التي يرعاها الاحتلال.
من جهته أكد اسماعيل الثوابتة مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، أن الشركة الأميركية تعمل بصورة انتقائية، غير شفافة، وبآليات خارجة عن التنسيق مع المؤسسات الرسمية أو الشركاء المحليين، وبصورة مخالفة للمبادئ العامة للعمل الإنساني وهي الإنسانية، الحياد، الاستقلالية، وعدم التحيز، ما يؤدي إلى خلق بؤر من الاحتقان المجتمعي، وإثارة الصراعات داخل صفوف المتضررين، وتعميق الشعور بالتمييز والغبن، هذا السلوك يعزز من حالة الفوضى الداخلية، ويستخدم الغذاء كسلاح للضغط والابتزاز، بما يخدم الرؤية "الأميركية–الإسرائيلية" التي تسعى لتفكيك المجتمع الفلسطيني وترويضه سياسياً تحت غطاء "المساعدات".
أسواق سوداء للمساعدات الأميركية
وإلى جانب ما ذكر تسببت المساعدات التي توزعها الشركة الأميركية بعيداً عن مؤسسات الأمم المتحدة والمؤسسات الإغاثية، في خلق أسواق سوداء، بحيث باتت غالبية المساعدات التي يتم أخذها مجاناً من المؤسسة الأميركية، تُباع في الأسواق وعلى المفترقات العامة، وبأسعار عالية.
وخلال الأيام الماضية شوهدت كميات كبيرة من المساعدات الأميركية تُعرض في الأسواق، وتباع بأسعار عالية، حيث وصل ثمن كيلو طجين المساعدات 80 شيكل، بينما يباع كيلو الرز الذي يتم توزيعه في الشركة المذكورة ما بين 50 و70 شيكل، وهذا ينساق على جميع المساعدات التي تعرض في الأسواق.
وقال المواطن إبراهيم الطويل، إن مؤسسة المساعدات الأميركية شرعنت ما اسماه "قانون الغاب"، فالقوي فقط يحصل عليها، ويوصلها للسوق، كي يشتريها الضعيف بأسعار عالية، والهدف هو زيادة الجوع، وسحق الضعيف، وخلق ضغائن في المجتمع.
وأكد أن أية عملية توزيع تتم بعيداً عن المؤسسات الموثوقة مثل وكالة الغوث "الأونروا"، أو برنامج الغذاء العالي، والمؤسسات الأخرى محكومة عليها بالفشل، فالمؤسسات المذكورة لديها قاعدة بيانات، وتوزع المساعدات على جميع العائلات دون استثناء، وبطريقة تضمن كرامة الناس.
وكانت 300 شخصية فلسطينية مجتمعية بارزة في قطاع غزة وجّهت، نداءً إنسانيًا عاجلًا إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، طالبوا فيه بوقف فوري ونهائي لنشاط نقاط توزيع المساعدات التي تُشرف عليها قوات الاحتلال الإسرائيلي والمنظمات الأمريكية، لا سيما في جنوب القطاع.
وشدد الموقعون على العريضة على أن هذه النقاط تحوّلت إلى "مصائد موت وإذلال جماعي" للفلسطينيين الجوعى.
ودعا الموقعون، جميع الجهات الدولية إلى ممارسة ضغط فعلي على الاحتلال الإسرائيلي، من أجل تمكين وكالات الأمم المتحدة من استئناف دورها الإنساني في غزة دون عوائق أو تدخلات عسكرية.
من جهته، قال الصحفي الفلسطيني حسام سالم، مُطلق العريضة، إن الموقعين يمثلون شرائح واسعة من المجتمع، بينهم عشرات الأكاديميين والصحفيين والأطباء والمهندسين والاقتصاديين.
وأوضح سالم أن "السكوت لم يعد مقبولًا" في ظل استمرار المجازر اليومية التي ترتكبها قوات الاحتلال والمرتزقة العاملون مع شركة GHF بحق مدنيين جوعى استجابوا لتوجيهات الاحتلال بالتوجه إلى مراكز المساعدات.
كتب: محمد الجمل