ما زالت مشاهد تسليم الأسرى وجثامين بعض القتلى الإسرائيليين، التي تُنظم ضمن مراسم داخل قطاع غزة، تجوب العالم، مُحدثة ردود فعل واسعة، تؤكد على فشل الاحتلال في تحقيق أي من أهداف الحرب، التي سبق وتغنى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بن يامين نتنياهو، ومن ضمنها استعادة الاسرى بلا ثمن والقضاء على المقاومة في غزة.
فقد ظهرت فصائل المقاومة خلال تسليم الدفعات السابقة من الأسرى، في وضع قوي، وصفوف مُتماسكة، وقد استعرض مقاومون جزء من قدرات المقاومة الحالية، وجابوا بمركبات وأسلحة اغتنموها من الاحتلال مناطق متفرقة من القطاع.
كما أظهرت المقاومة خلال الاستعراضات العسكرية التي رافقت مراسم التسليم، بعض المفاجآت التي أربكت الاحتلال، منها ظهور قادة ميدانيين كان الاحتلال سبق وأعلن أنه اغتالهم، كما ظهر عدد كبير من المقاتلين الأحياء، ممن ادعى الاحتلال سابقاً القضاء على معظمهم، إضافة لظهور أسلحة خاصة بوحدات النُخبة الإسرائيلية.
رسائل مُذلة
ووفق محللون واعلاميون، فإن العُروض التي نظمتها المقاومة في القطاع، خلال مراسم تسليم الأسرى، خاصة مراسم تسليم 4 جثامين لإسرائيليين، قتلهم الجيش الإسرائيلي في القطاع، إنما تدل على أن المقاومة مازالت قوية، ومتماسكة.
وقد حمل تسليم الجثامين مؤخراً في مناطق شرق خان يونس، عدة رسائل هامة ومذلة لإسرائيل، وفق الصحافي والمحلل محمد عبد العزيز، الذي أكد أن المنطقة الشرقية لخانيونس؛ ذات رمزية عالية في الذاكرة الفلسطينية والاسرائيلية على حد سواء، فعلى هذه الأرض سجلت ملاحم بطولية للمقاومة ليس بدء من عملية "حد السيف" وقائدها الشيخ الشهيد نور بركة، وليس انتهاء بكمين الأبرار في شهر رمضان الماضي وقائده سالم الدرديسي، عدا عن عمليات بطولية وعلى درجة عالية من الاتقان والبطولة في السابع من أكتوبر/تشرين أول عام 2023، ربما الأيام كفيلة بالكشف عنها.
ووفق عبد العزيز، فقد حملت المنصة التي أُقيمت خلال مراسم تسليم 4 جثامين، لافتة واضحة ردًا على الدعاية الصهيونية التوراتية التي حملتها ملابس الأسرى المحررين في الدفعة الماضية بعبارة "ما كنا لنغفر أو ننسى وكان الطوفان موعدنا".
توابيت وصواريخ
وبحسب عبد العزيز فإن هناك ميزة لعملية التسليم الماضية يمكن اختصارها بعبارة "التوابيت والصواريخ"، فقد حملت التوابيت صور الأسرى القتلى الاسرائيليين والمسؤولين عن قتلهم رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس الأركان في الطرف الآخر، إضافة لوضع صور الصواريخ الأمريكية التي قتلت هؤلاء الأسرى، وتريد بذلك المقاومة إرسال الرسالة للمجتمع الإسرائيلي، أنها فعلت كل ما يلزم للحفاظ عليهم، لكن آلة القتل الإسرائيلية الأمريكية هي من أصرت على قتلهم.
حضور لافت
وعلق عبد العزيز على الحضور، مؤكداً أنه كان لافتاً في تنوعه الواسع من الطيف الفلسطيني ومكونات المجتمع الفلسطيني، وهذا دليلاً واضحاً على سيطرة حماس على اليوم التالي للحرب؛ قادة، وعلماء، ومسؤولين حكوميون، وعشائر، ومخاتير، وذوي الشهداء، كلهم شاركوا في مراسم التسليم.
كما أن مشاركة عدد من الأسرى المحررين في صفقة "طوفان الأقصى" من المؤبدات وأصحاب المحكوميات العالية المبعدون لغزة، رسالة بالغة الأهمية للاحتلال، أن كل ما مارسه العدو اتجاه الأسرى في سجون الاحتلال، يعتبر حافزا أكبر دفعهم للاستمرار في تحدي المُحتل، ودليل على حملهم راية المقاومة من جديد وليس العكس.
وأشار عبد العزيز إلى أن الكتيبة الشرقية التابعة لـ"كتائب القسام"، بلواء خان يونس، أظهرت عدد من الأسلحة التي استخدمتها "كتائب القسام" ضد الاحتلال في الحرب، وخاصة العبوات الناسفة شديدة الانفجار التي استخدمت في كمين الأبرار "الزنة والفراحين".
كما أظهرت مراسم التسليم وفق عبد العزيز تجلي الوحدة الوطنية، عبر مشاركة عسكرية وميدانية واضحة لمختلف الفصائل، فإلى جانب كتائب القسام، شاركت مُختلف التشكيلات العسكرية في القطاع، وخاصة سرايا القدس، وكتائب الأقصى، وكتائب المجاهدين، وكتائب أبو علي مصطفى، وكتائب المقاومة الوطنية وكتائب الأنصار .. وغيرهم، وهو دليل على استمرار التنسيق والعمل المشترك بين مختلف الفصائل الوطنية في غزة.
بينما أكدت مصادر صحافية أن كتيبة الشرقية في محافظة خان يونس سقط منها ٢٠٠ شهيد من قوام ١٠٠٠ مقاتل، أي أنها ما زالت تحتفظ بـ٨٠٪ من قدرتها القتاليّة البشرية، وثمة اقبال لافت على التجنيد تخطى عدد الشهداء بكثير.
عاصفة في تل أبيب
وخلفت مشاهد تسليم الأسرى والجثامين، وما تخللها من عروض عسكرية، ومفاجآت من المقاومة، عاصفة داخل "تل أبيب"، تمثلت في انتقادات حادة وقاسية للمنظومتين العسكرية والأمنية الإسرائيلية، وكذلك للمستوى السياسي، متهمينه بالإخفاق في كل شيء، بل وقتل الأسرى الإسرائيليين.
وقالت صحيفة "يديعوت أحرنوت العبرية"، إن حركة "حماس"، تعمدت إقامة مراسم تسليم جثث الأسرى الأربعة أمس، قرب مقبرة بني سهيلا في خانيونس، التي شهدت عملية عسكرية واسعة للجيش قبل عام بحثاً عن جثث الأسرى.. وخلال العملية المذكورة قبل عام استخرج الجيش جثثا من المقبرة اعتقاداً بأنها تعود لإسرائيليين ليتبين لاحقاً بأنها جثث فلسطينيين.
ويقول الصحافي نوعم أمير" من القناة 14 العبرية، إن حركة "حماس" لا تتخلى مجددًا عن "العرض المشين"، - العالم بأسره يغطي هذا الحدث، وفي بعض وسائل الإعلام الدولية يُنظر إليه على أنه أمر طبيعي - هذا عارٌ مطلق على حد قوله.
بينما قال محلل الشؤون السياسية في القناة "14" العبرية، تامير مورغ: لمن لم يفهم بعد، ويحتاج إلى توضيح بكلمات صريحة، "حمــاس" تعرض في المراسم في غزة الشعار: "اليوم التالي هو طــوفان الأقصى".
بينما علق "الرئيس الإسرائيلي هارتسوغ"، على مشاهد عودة 4 توابيت مُحملة بجثامين 4 قتلى إسرائيليين: "نأسف لأننا لم نقم بواجبنا، ولم نصل إلى المخطوفين في ذلك اليوم المؤلم ولم نعدهم إلى منازلهم بأمان".
في حين قال مسؤول شعبة العمليات الأسبق في جيش الاحتلال اللواء احتياط يسرائيل زيف: "أشعر بالخجل لما قام به الجيش في السابع من أكتوبر داخل الغلاف…سيطر مسلحو القسام على كيبوتس "ناحال عوز" بينما كتيبة كاملة من الجيش مترددة في اقتحامه، وهذا "الكيبوتس" شهد أسر الإسرائيليين ممن قتلوا لاحقا في القطاع، وسلمت المقاومة جثامينهم مؤخرا.
وقال زيف: "وصلت إلى مشارف كيبوتس "ناحال عوز" في السابع من أكتوبر وشاهدت كتيبة عسكرية كاملة على تخوم الكيبوتس ترفض الدخول ومواجهة المسلحين.. وعندما سألت قائد الكتيبة ويدعى "براك خيريم" عن التلكؤ في الاقتحام ومواجهة المهاجمين تذرع أنه بحاجة لجمع المعلومات حول ما يدور هناك واستمر الوضع على ما هو عليه لفترة طويلة".