ما زالت أجزاء واسعة من مدينة رفح، جنوب قطاع غزة، تخضع للعدوان والاحتلال الإسرائيلي، رغم دخول اتفاق التهدئة أسبوعه الثاني.
ومنذ بداية الاتفاق عمل الاحتلال على استمرار بسط سيطرته على مناطق جنوب رفح، خاصة مخيمات يبنا، الشعوت، وأجزاء واسعة من مخيم الشابورة، إضافة لحي تل السلطان.
"مناطق حمراء"
وخلق استمرار وجود الاحتلال على طول محور صلاح الدين الحدودي مع مصر "فيلادلفيا "، جنوب محافظة رفح، واقع صعب داخل المدينة، وأدى إلى تقسيمها لمناطق خطرة "حمراء"، وأخرى آمنة.
ورغم مرور أكثر من أسبوع على بدء تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن نصف سكان مدينة رفح، لم يستطيعوا حتى الآن الوصول لمساكنهم وأحيائهم، بل تُسارع قوات الاحتلال باستهداف وقتل كل من يحاول الوصول لتلك المناطق.
ومن خلال المتابعات ظهرت معالم المناطق الحمراء بوضوح داخل رفح، وهي مربعات ذات خطورة شديدة، كل من يدخلها يُطلق النار عليه بسبب وجود الدبابات، والرافعات، وهي: "ملعب برقة، النجمة، مربع الدخني، شارع حسن الفوال، وأبو الصابر، وأسدود"، وجميعها تقع في مخيم الشابورة، إضافة لمربع ميدان العودة، ومخيمي الشعوت ويبنا بالكامل، وأحياء البرازيل والسلام، والأجزاء الجنوبية من أحياء تل السلطان والسعودي، وحي زعرب.
كما شملت المناطق الخطرة عدد من حارات غرب المدينة، منها "حارة فوجو وطباسي، ومحيط مدرستي خولة، ورابعة العدوية، ومسجد علي ومفترق كير، والمواصي الجنوبية".
كما دخلت مناطق "شارع الطيارة الشق الجنوبي، ومربع الشؤون الاجتماعية والزراعة وبنك فلسطين، وشرطة السلطان، ومسجد بلال، وجميع المناطق المقابلة لتل زعرب" ضمن المناطق الحمراء الخطرة."
وأوضح مواطنون أن المناطق العازلة والحمراء، التي فرضها الاحتلال جنوب ووسط رفح، تمثل نحو 40% من مساحة المحافظة، وتعتبر مركز الثقل السكاني، حيث كان يقطنها أكثر من 60% من السكان، واستمرار وجود قوات الاحتلال في تلك المناطق، فرض واقع ديمغرافي جديد وخطير.
وأكد المواطن سمير طه، إنه وبسبب تقسيم رفح، عجز عن الوصول للحي الذي يقيم فيه جنوب رفح، ولا يعرف شيء عن منزله الكائن في حي السلام، وإن كان يعتقد أنه تعرض للتدمير الكلي.
وأشار إلى أنه حين اقترب من مناطق جنوب حي الجنينة، تعرض ومجموعة من المواطنين لإطلاق نار من رافعة إسرائيلية، ما أجبره على الانسحاب والتراجع، وشاهد عدد من الجرحى يسقطون برصاص الاحتلال.
قتل وتدمير يومي
ويتواجد جيش الاحتلال في المحور الجنوبي للمحافظة، بطول حوالي 13 كيلو متر وبعمق يتراوح ما بين 1000-1200 متر، حيث تناور الدبابات في تلك المناطق، وتقدم باستمرار وتتراجع، بينما ثمة تواجد ثابت لجيش الاحتلال في مواقع جنوب رفح، منها منازل، ومدارس.
ونصبت قوات الاحتلال أبراج آلية "رافعات"، على طول محور صلاح الدين، جميعها مُزودة برشاشات، وبنادق قنص، كانت تُطلق النار بشكل مباشر تجاه النازحين، ممن حاولوا العودة لمناطق سكناهم.
كما استخدمت قوات الاحتلال مُسيرات، مُزودة برشاشات، وكانت تُحلق فوق المناطق حتى 1000 متر في عمق مدينة رفح، وُتطلق النار على المواطنين، ممن يحاولون العودة لبيوتهم.
ومنذ بدء تطبيق اتفاق التهدئة صباح الأحد الماضي سقط في مدينة رفح، 21 شهيدا، وعشرات الجرحى، جراء استمرار الاعتداءات الإسرائيلية.
ووفق مصادر محلية وشهود عيان، فإن الاحتلال يهدم يومياً عدد من المنازل في مناطق جنوب المدينة، خاصة في حي تل السلطان، ومخيم الشعوت، ومخيم يبنا، بحيث يتراوح عدد المنازل التي يتم هدمها يومياً ما بين 3-7 منازل، وعمليات الهدم تُنفذ بواسطة جرافات وحفارات.
ويقول المواطن أحمد عدوان، إن الاحتلال عمل على خلق واقع صعب في المحافظة، ويستغل التهدئة الحالية لاستكمال عمليات التدمير في مدينة رفح، وعمليات التدمير والهدم لا تتوقف، وأصوات الجرافات المُصفحة يُسمع على مدار اليوم وهي تهدم في بيوت المواطنين، وتُخرب وتدمر ما تبقى من بنية تحتية.
وقال المواطن عبد الله بهلول، إنه استطاع الوصول لمنزله في حي تل السلطان غرب رفح، وشاهد من نافذة المنزل جرافات الاحتلال تقوم بهدم وتجريف منازل جديدة قرب مقر "الشؤون الاجتماعية" في الحي، كما تقوم بتدمير مرافق للبنية التحتية.
كما شاهد المُسيرات الصغيرة "كواد كابتر"، تُحلق بكثافة في الأجواء، وتصل إلى جميع مناطق الحي، وتُطلق النار على المواطنين.
وأشار إلى أن بقاء الاحتلال في محور صلاح الدين، سواء كان وجود مؤقت أو دائم، من شأنه توسيع رقعة الدمار في رفح، وتخريب البنية التحتية، وهذا يعني أن الاحتلال مُصمم على أن يجعل مناطق جنوب المدينة غير صالحة للعيش، ويعمل على تغيير الديمغرافيا في المدينة، وقسم رفح لمناطق سكنية، وأخرى خالية، وقد اقتصر وجود السكان في بعض الأحياء، منها خربة العدس، ومصبح، وهي قليلة الكثافة السكانية، لكنها ستصبح الآن من اعلى المناطق من حيث الكثافة السكانية.
وأشار إلى أن خروق الاحتلال للاتفاق تستوجب تحرك من الوسطاء وضامني الاتفاق، فلا يُعقل في ظل استمرار سريان الاتفاق أن يسقط شهداء وجرحى بشكل يومي.
بينما أكد الدفاع المدني وجهات إنقاذ أخرى، أن استمرار وجود الاحتلال في الكثير من المناطق، يمنع استكمال مهمات انتشال جثامين الشهداء، حيث هناك العشرات إن لم يكن مئات الجثامين في مناطق جنوب رفح، ووسط القطاع، وفي الشمال، وكذلك في المناطق الشرقية.
وبحسب ما رشح من بنود اتفاق التهدئة الأخير، فإن الاحتلال سيبقى في محور صلاح الدين "فيلادلفيا"، طوال المرحلة الأولى من الحرب، والتي تستمر 42 يوماً، ثم ينسحب منها، لكن ثمة خشية بأن لا يلتزم الاحتلال ببنود الاتفاق، ويبقى في المحور، كما يحدث في لبنان، حيث ينوي الاحتلال عدم الانسحاب من جنوب لبنان في الموعد المُحدد.
كتب: محمد الجمل