مازالت المقاومة في قطاع غزة عامة، وشماله على وجه التحديد، تُبدع في التصدي للاحتلال، وتكبيده أثمان باهظة، لدرجة جعلت العالم بأسره يشعر باستغراب شديد لثبات وقوة المقاومين، رغم مرور نحو 80 يوماً على بدء العدوان على بلدات جباليا ومخيمها، بيت حانون، وبيت لاهيا.
وبدا لافتاً في المشهد المُعقد شمال القطاع، أن المقاومة لجأت مؤخراً لتغيير تكتيكاتها، وتطوير أساليبها، ولجأت لأول مرة منذ بدء العدوان لأشكال جديدة من المقاومة، منها الطعن بالسكاكين، وكذلك تنفيذ عمليات استشهادية.
فمنذ بداية معركة طوفان الأقصى في شهر أكتوبر/تشرين أول عام 2023، استخدم المقاومون أسلحة مختلفة في استهداف الاحتلال الإسرائيلي، منها قذائف الياسين105، و"قذائف تاندوم"، وسلاح القنص، و"عبوات شواظ"، بالإضافة إلى الأسلحة الرشاشة، إلا أن الجديد الذي برز خلال الأيام الأخيرة، هو سلاح الطعن بالسكين، واستخدام الحزام الناسف لتنفيذ عمليات استشهادية، مما يعطي دلالة على أن المقاومة باتت قادرة على تغير تكتيكاتها، وفقاً لمعطيات الميدان، ولا تتوانى عن استخدام ما أتيح لها من أسلحة، ووسائل.
ووفق متابعات "فلسطين بوست"، فإن العمليات البطولية التي يقوم بها المقاومون في شمال غزة منذ 80 يومًا أسفرت عن مقتل أكثر من 70 جنديًّا وضابطًا في قوات الاحتلال، في مخيم ومعسكر جباليا وحدها، واستهداف وتفجير أكثر من 100 عسكرية، و17 عملية قنص، و26 اشتباك مع قوة راجلة.
وذكرت وسائل إعلام العبرية نقلا عن ضباط في جيش الاحتلال، إن المواجهة في شمال غزة تكون عبر الأزقة الضيقة وداخل المنازل، وجهًا لوجه مع مقاتلين لا يعرفون الخوف ولا المهابة، ولا يخشون الموت، ويرفضون أن يتعرضوا للاعتقال.
وأعلنت "كتائب الشهيد عز الدين القسام"، الذراع العسكرية لحركة "حماس"، في عدة بيانات أصدرتها أمس، عن تنفيذ عدة عمليات نوعية في مخيم جباليا شمال القطاع، أبرزها عمليتي طعن، وعملية استشهادية نفذها مقاوم، بتفجير حزام ناسف كان يضعه على جسده، في تجمع للجنود في المخيم.
كما تبنت "سرايا القدس"، الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي، تنفيذ أحد مقاتليها عملية استشهادية، عبر اقتحام ناقلة جند في "عزبة بيت حانون"، وتحديداً عند مدخل أبراج العودة، وتفجير "عبوة العمل الفذائي"، وسط الجنود بداخلها.
وفي أحدث عملية نوعية نفذتها المقاومة شمال القطاع، أكدت "كتائب القسام"، تمكن عدد من مقاتليها من طعن وقتل 3 جنود اسرائيليين كانوا في مهمة حماية مبنى تحصنت به قوة جنود، موضحة أن المقاومين اقتحموا المنزل بعدها، وأجهزوا على كافة أفراد القوة الاسرائيلية من مسافة الصفر، واغتنموا أسلحتهم وأخرجوا عدداً من المواطنين الذين احتجزهم الجنود داخل المنزل في مشروع بيت لاهيا شمال القطاع.
مقاومون يخرجون من بين الأنقاض
ورغم مرور أسابيع طويلة من العدوان المُستمر على مناطق شمال القطاع، واستخدام الاحتلال كل وسائل القتل والتدمير، إلا أن جيش الاحتلال لم ينجح في القضاء على المقاومة، خاصة في مخيم جباليا، الذي دمر أكثر من 80% مبانيه ومنازله.
ويخرج المقاومون لجنود وآليات الاحتلال من بين الأنقاض، ومن تحت الركام، وينفذون عمليات فاعلة ومؤثرة ثم يختفون ما يخلف حالة من "الجنون"، لدى جيش الاحتلال، ويدفعه لاستخدام التدمير في محاولة للسيطرة على الامر، غير أن المقاومين يخرجون له مجدداً.
ووفق محللون وخبراء عسكريون، فإن المقاومة في شمال القطاع فاجأت الاحتلال، فمن المنظور العسكري الاعتيادي، كان من المفترض أن استخدام كل هذا الاثقل العسكري، وعمليات التدمير في بقعة جغرافية صغيرة، أن يؤدي ذلك إلى القضاء على المقاومة، وحتى على بعض الجيوب المتبقية، لكن هذا لم يحدث، وهناك عمليات يومية يتم تنفذها، وصلت لعمليات طعن، وعمليات استشهادية، كما حدث خلال الساعات الماضية في مخيم جباليا.
وأكد محللون وخبراء، أن المقاومة في مناطق شمال القطاع مازالت قادرة على استخدام كل التكتيكات التي كانت تستخدمها بداية الاجتياح، وتنُاور، وأدخلت وحدات الجيش في شمال القطاع في حالة استنزاف، جعلت الاعلام الإسرائيلي يوجه انتقادات حادة جداً لقيادة الجيش الإسرائيلي، بسبب عدد الضحايا الكبير من الجنود الإسرائيليين.
واللافت أنه ورغم محاولة الاحتلال إخفاء خسائره عن الجمهور الإسرائيلي، إلا أن مقاطع الفيديو التي نشرتها المقاومة مؤخراً، تسببت بإحراج لجيش الاحتلال، خاصة أحد الكمائن الذي ظهر في نهايته تكس شاحنة بالجثث والجرحى من جنود الاحتلال، قبيل إخلائهم من موقع أحد الكمائن، التي نفذتها المقاومة.
ولم يخفِ مواطنون ومتابعون استغرابهم، بل ذهولهم لقدرة المقاومة على الصمود بعد نحو 15 شهراً من العدوان على القطاع، وأكثر من 80 يوماً من العملية البرية على شمال القطاع.
وأكد أن المقاومة الفعالة، قد تُوصل القيادة السياسية للاحتلال لقناعة، بأن احتلال غزة أو البقاء في القطاع لفترة طويلة لن يكون نزهة، وأن هذا الأمر سيُكلف الاحتلال ثمن باهظ، وقد يُعجل هذا الأمر في إبرام صفقة تبادل سريعة.
المسافة صفر
بينما يؤكد المحلل العسكري اللواء فايز الدويري، إن “المسافة صفر” هي الفرصة الذهبية للمقاومين في مواجهتهم مع قوات الاحتلال، نظرا للفارق الكبير بين عتاد جيش الاحتلال ذي الإمكانيات العالية، وبين السلاح الذي يقوم المجاهدون بتصنيعه محليًّا، مضيفًا أنه كلما ازدادت كثافة العدوان البري والاقتحامات الإسرائيلية لمناطق القطاع كلما ازدادت فرصة المقاومة للاشتباك المباشر مع القوات المعادية.
من جهته يرى اللواء ركن محمد الصمادي أن دلالة عمليات الطعن والعمليات الاستشهادية في جباليا تؤكد أن المقاومة متماسكة وقوية، وتتكيف حسب المستجدات القتالية، وتقوم بعمليات كر وفر، وتنفذ العمليات من خلال مجموعات صغيرة، ومنها عمليات الذئب المنفرد الذي يقوم به أحد المجاهدين ضد قوات الاحتلال موقعًا في صفوفهم القتلى والجرحى.
ويضيف الصمادي أن المقاومة في شمال غزة أوقعت 17 قتيلاً من خلال عمليات قنص، وأن المقاتل الواحد في فصائل المقاومة يمكنه قتل مجموعة أفراد في قوات الاحتلال، مشيرًا إلى ان الاحتلال يعاني من ضعف في الروح المعنوية لدى مقاتليه، ويعاني كذلك من فشل استخباراتي في معرفة أماكن تواجد المقاومين، ومتى وكيف وأين يشنون هجماتهم المنظمة.