ما زال الاحتلال يفرض التجويع على أكثر من 2 مليون مواطن يعيشون داخل قطاع غزة، عبر تقنين وصول المساعدات المُكدسة على معبر كرم أبو سالم، وفرض قيود مُشددة على دخول البضائع التجارية، ما تسبب بارتفاع أسعارها.
وباتت الخضروات من أندر السلع المتوفرة في القطاع، وإذا ما توفرت تكون أسعارها عالية، لا تستطيع معظم العائلات شرائها.
وفي محاولة لمواجهة الجوع الذي فرضه الاحتلال، لجأ عشرات الآلاف من النازحين لزراعة خيامهم، أو محيطها في محاولة لتوفير ولو جزء من الخضروات لعائلاتهم
يزرعون ليأكلون
المواطن محمود عوض الله، يقطن في خيمة بمنطقة مواصي خان يونس، يقضي ساعتين على الأقل كل يوم من أجل رعاية مزروعاته التي تنمو بشكل متسارع في قطعة صغيرة من الأرض، استصلحها بجانب خيمته.
ووفق ما أكده عوض الله لـ"فلسطين بوست"، فإنه تنبه مبكراً لأهمية زراعة محيط الخيمة، لتوفير بعض أنواع الخضروات المفقودة من السوق، أو التي تُباع مقابل أسعار عالية.
ونوه إلى أنه جلب بذور الجرجير، الخس، الفجل، البقدونس، الشبت، السبانخ، وغيرها من الأنواع، وقسم الأرض إلى عدة أحواض صغيرة، وزرع نوع واحد في كل حوض منها.
وأوضح عوض الله، أنه استشار خبراء، وقرأ مقالات مكتوبة على صفحات متخصصة في الزراعة على شبكة المعلومات الإلكترونية "انترنت"، واستفاد معلومات كثيرة، ويعمل جاهداً من أجل تطبيقها على أرض الواقع.
ولفت إلى أنه يحصد الخضار، ويضعها على موائد الطعام ويطلب من عائلته تناولها، وهو بذلك يحارب الجوع، ومشكلة نقص التغذية، ويعمل جاهداً من أجل توفير طعام مُغذي لأبنائه.
في حين قال المواطن ياسر المصري، إنه استخدم زراعة خيمته كنوع من التفريع والعلاج النفسي لأبنائه، ممن ضاقت صدورهم بسبب النزوح، وبرد الخيام، والحياة الصعبة، فحاول أن يخلق لهم مُتسع لممارسة نشاط محبب، يشغل وقتهم، ويخرجون منه بشيء مفيد ونافع.
وأكد أنه حين نزح من رفح كانت المنطقة التي وضع فيها خيمته فارغة، وضم مساحة صغيرة إليها، وقام بتقليب الأرض، وقسمها إلى 3 أجزاء متساوية، وزعها على أبنائه، وجلب لهم البذور،
وطلب منهم زراعتها، وبدؤوا بالزراعة، وريها بالماء، ولاحظ مع مرور الوقت أن الأمر أصبح به نوع من التنافس، فمن نبت زرعه بشكل أسرع، ونباتاته قوية خضراء يفتخر أمام أشقائه، ويعتبر نفسه الأمهر والأوفر حظاً.
وبين المصري لـ"فلسطين بوست"، أنه لاحظ تحسن الحالة النفسية والمزاجية لأبنائه، ممن يقضون ساعات في رعاية المزروعات وريها، وقد وفروا للعائلة بعض أنواع الخضروات، ودائما يتمنون لو وجدوا مساحة أكبر لزراعتها، وقد وجههم للزراعة في معلبات فارغة، كنوع من التغلب على ضيق المساحة.
أما المواطن أحمد سليمان فأكد أن مشروعه الواعد بزراعة خيمته نجح، لكنه يواجه مشكلة شح المياه في المخيم الذي يقيم فيه، فالأمطار الأخيرة رغم أنها كانت مشكلة للنازحين القاطنين في الخيام، إلا انها ساعدته في ري مزروعاتهم، ويحاول توفير الماء لري الخضروات مرة كل 48 ساعة على الأقل، رغم ما يتطلبه ذلك من جهد.
وأكد أنه يعرف بعض الأشخاص زرعوا محيط خيامهم بمساحات من الخضروات، مثل الجرجير، والشبت، والبقدونس، ويقومون بجني بعض المحصول ومن ثم بيعه في الأسواق، وهم بذلك وفروا خضروات للعائلة، وكذلك مصدر رزق جديد.
زراعة واعدة
وأكد المهندس والخبير الزراعي نزار الوحيدي، أن زراعة الخيام تعتبر من الأفكار الرائعة التي تُساعد في توفير جزء من الخضروات لأفراد العائلة، في ظل تفشي المجاعة، ونُدرة الخضروات وارتفاع أسعارها.
وأوضح الوحيدي لـ"فلسطين بوست"، أنه ومجموعة من الخبراء قدموا ومازالوا نصائح للنازحين لزراعة خيامهم بالطرق السليمة، والتغلب على ضيق المساحة، عبر تعريفهم بطريقة الزراعة المعزولة، باستخدام معلبات الطعام الفارغة، وكذلك استخدام مخلفات الخيام كنوع من السماد البلدي، وطريقة العناية بالمزروعات، ومواعيد الري، وغيرها من الإرشادات.
وأكد الوحيدي أن فصل الشتاء يوفر فرصة لزراعة قائمة طويلة من الخضروات التي تحوي على عناصر غذائية، وفيتامينات، مهمة جداً للجسم، خاصة الأطفال، ممن هم بحاجة ماسة للعناصر الغذائية، وزراعة الخيام قد تساهم في توفير جزء من هذه العناصر.
وأوضح أنه اطلع على تجارب رائعة، وهناك عائلات استطاعت توفير أكثر من نوع من الخضروات عبر زراعة خيامهم، ويكفي أن هذا النوع من الزراعة يعتبر آمن، كونه لا يستخدم مبيدات.
ودعا الوحيدي جميع النازحين، حتى من لا يمتلك مساحة لزراعة خيمته، فالبذور متوفرة على بسطات الباعة، محذرا في الوقت ذاته من الكوارث الصحية المستقبلية، التي قد تترتب على عدم تناول الأشخاص للخضروات والفواكه لفترات طويلة، كما دعا الى استغلال محتوى بعض المُعلبات التي لا يتناولها أفراد الاسرة، من أجل تربية الدواجن، وإطعامها، لمن يمتلك القدرة على ذلك.
في حين أكد المهندس الزراعي منير أبو صالح، أن ثمة إقبال كبير من قبل النازحين في مواصي خان يونس على شراء البذور، وزراعة خيامهم أو محيطها، بحيث انتشر الأمر، ولا يوجد خيمة تقريباً لا يوجد خضار مزروع في محيطها، وهذا خلق مظهر جمالي، بالإضافة لتوفير الخضروات للعائلة.
وأوضح أن ثمة إقبال على شراء البذور سريعة النمو، مثل الجرجير، والفجل، وغيرها من الأنواع، بحيث يتجنب النازحون زراعة أشجار، أو أشتال يحتاج نموها لفترات طويلة، لأن لديهم آمال بالعودة إلى بيوتهم والمناطق التي أُجبروا على النزوح منها في السابق.
وأشار إلى أهمية أن تتحول الزراعة المنزلية لمن يمتلك مساحة في منزله أو محيط خيمته إلى سلوك دائم يُمارسه المواطنون، حتى في فترات ما بعد انتهاء الحرب، خاصة في ظل تدمير الاحتلال قطاع الزراعة، وعدم وجود انتاج زراعي في القطاع ربما لسنوات قادمة.
وشدد نازحون على أن زراعة الخيام تُشكل نوع من الصمود وتحدي الاحتلال، الذي يسعى لتجويعهم، ووضعهم في مناطق سيئة.
كتب: محمد الجمل