يحاول الاحتلال جاهدًا أن يرسل للمواطنين والأهالي بشتى الأساليب، رسائل ومضامين تهدف إلى التأثير في الحاضة الشعبية للمقاومة والتقليل من الالتفاف الجماهيري حولها، إلا أن هذه الرسائل لم تحقق مرادها، بل جاءت بعكس ذلك، ومخيم جنين يضرب المثال الأكبر.
يرتعب الاحتلال من أهل مخيم جنين أكثر من السلاح، بسبب الدعم المعنوي الكبير الذي يهبه الأهالي للمقاومين في المخيم، من خلال الهتافات والمواجهات والمقابلات أثناء الاقتحام أو بعد كل عملية اغتيال.

اجتياح مخيم جنين الأخير والذي استمر لأكثر من يومين، زرع بصمة خوف في الكيان الإسرائيلي من الحاضنة الشعبية للمقاومة، فعندما أُخرجت العائلات من المخيم قسراً، كان المشهد مأساوياً وقاتلاً لكل معنويات المقاومين في مدينة جنين، ولكن هتافات وتكبيرات الأهالي للكتيبة حفز المقاومة على إكمال طريقها في الدفاع عن المخيم، وعدم تخييب آمال أهل مدينتها.
تقول الحاجة "أم محمد" من مخيم جنين لـ "فلسطين بوست" بعد طردها من منزلها خلال العدوان الأخير على المخيم: "منازلنا فداءًا للمقاومين في المخيم، شو يعني طلعنا من بيتنا؟ رح نرد نرجع ونعمرها أكثر من قبل، واحنا ما بدنا غير المقاومة تستمر والمقاومين يكونوا بأمان".
بالرغم من الوضع الصحي المتعب للأهالي أثناء إجراء المقابلات معهم، إلا أننا لامسنا معنويات مرتفعة، قال أحد شبان المخيم: "السيارات والمصاري والبيوت بتتعوض المهم سلامة الشباب، احنا كلنا ولاد مخيم وشعب واحد، وما بدنا غير ربنا يسلم الشباب المقاومين الموجودة داخل المخيم وكل اشي بتعوض".
هذه الكلمات كانت بمثابة جرعة تفاؤل وعزيمة وقوة للمقاومين والأهالي الذين تسلل الخوف إلى قلوبهم من شدة المعركة، في ظل القصف المستمر للمنازل في المخيم والاشتباكات المستمرة والمواجهات العنيفة في محيط المخيم.

زَرعت مئات الرسائل من الأهالي خلال المعركة بصمة خوف ورعب في قلب الكيان الإسرائيلي، الذي اعتبر أهل مخيم جنين نقطة ضعف للمقاومين، ولكن مواقفهم بعد كل اقتحام وحصار أثبت للكيان بأنهم نقطة قوة للمقاومين.
الحاضنة الشعبية للمقاومة في مخيم جنين لا تقتصر على أهل المدينة فقط، فالعديد من المدن الفلسطينية خرجت تلبية لنداء جنين، واندلعت العديد من المواجهات والاشتباكات على نقاط وحواجز عسكرية مختلفة دعماً ومساندةً لها، ففي ظل الحصار الكامل الذي أُطبق على أهالي المدينة، وقلة المواد الطبية والغذائية. أطلقت المدن الفلسطينية حملات دعم ومؤازرة تحتوي على أدوية ومواد طبية للمستشفيات، وغذاء للأطفال والأهالي، ومن بين هذه الحملات، حملة "فزعة جبل النار".

يقول الناشط الصحافي بكر عبد الحق لـ "فلسطين بوست": "حملة فزعة جبل النار انطلقت بشكل عفوي من قبل ناشطين في مدينة نابلس بعد رؤية أهل مدينة جنين يحاصرون من كل جانب، فأطلقنا نداءً للأهالي وأصحاب المحال التجارية والشركات الطبية وأصحاب رؤوس الأموال للتبرع بالمستلزمات الطبية والمواد التموينية لأهالي جنين، فكانت ردة فعل من لبوا النداء أكثر مما كانت متوقعة، وبغضون ساعات قليلة كانت حصيلة التبرع أكثر من 55 حافلة تحتوي على المستلزمات الطبية والماء والغذاء إلى مدينة جنين".
لم تكن المساعدات إلى مدينة جنين عبارة عن مستلزمات طيبة أو تموينية فقط، بل كان هناك الشباب الثائر في مدينة جنين تدافع عن المقاومين والأهالي في المخيم.
يقول أحد الشبان الذين أتوا من محافظة طوباس، إلى مدينة جنين في ظل الحصار المفروض على محيط المدينة: "أنا لا أستطيع الجلوس أو النوم وجنين ومقاومتها تصاب بأذى، وأي حرٍ يرفض الذل والهوان عليه أن يتحرك دفاعاً عن جنين التي أحيت شعباً بأكمله".
وبعد انسحاب جيش الاحتلال من مدينة جنين، توجه الأهالي لتفقد منازلهم في المخيم، فوجدوها خراباً وفساداً وسط أجواء الدمار الكاملة في البنية التحتية لأزقة وشوارع المخيم، وما لبث الصمت إلا ثوانٍ معدودات بعد رؤية هذا الدمار، فخرج المقاومون إلى أزقة المخيم لتعلو التكبيرات والهتافات فرحاً بانتصار المقاومة في جنين.
ويقول أحد ساكني المخيم لـ"فلسطين بوست" بعد رؤية دمار منزله: "هذا الدمار الهائل فقط في الجدران والشوارع والمنازل، بينما عزيمة أهل المخيم والمقاومين قوية، ونحن لا نريد منازل، نحن نريد دحر الاحتلال من أرضنا، ومقاومة مخيم جنين ستبقى حتى أخر مقاتل".
وعند سؤالنا لأحد ساكني مخيم جنين عن الحاضنة الشعبية للمقاومة خلال مسيرة احتفالية بنصر جنين، قال: "هذه الجموع الغفيرة تهتف للمقاومة فقط، النساء والأطفال والشيوخ والشبان هنا لا يهتمون بأنفسهم ودمار منزلهم بقدر ما يهتمون بالمقاومة، وعزيمة أهالي مخيم جنين تعانق السماء بعد رؤية انتصار المقاومة وسلامة المقاتلين، وسوف يعود المخيم أقوى مما كان عليه".
وفي أول ليلة بعد انتصار المقاومة في مخيم جنين، لم تهدأ أزقة المخيم من الهتافات والتكبيرات، ولم تكن المدينة نائمة بالرغم من مرور يومان على الاشتباكات والانفجارات وأصوات طائرات الاستطلاع، وإنما كانت جنين تصدح بالأناشيد المقاومة وسط صوت مرتفع تردد: "قولوا للعالم كله ما هانت كتيبتنا.. كل ما يفوتوا ينذلوا تتجدد عزيمتنا".
كتب: مجاهد طبنجة