يغادر الطفلان الشقيقان محمد وأحمد عوض "11 و13 عاماً"، الخيمة في الساعات الأولى من كل صباح، لينطلقا في رحلة العناء والمشقة اليومية، في البحث عن الماء والطعام المجاني لعائلتهما.
الشقيق الأكبر أحمد يُمسك جالونين فارغين، ويتوجه إلى صنبور عمومي مجاني، ويقف في طابور ليقوم بملئهما، ويكرر العملية 3 مرات يومياً، حتى يؤمن كامل احتياجات عائلته من الماء ليوم واحد، بينما يبحث محمد عن تكيات الطعام المجانية للحصول على الطعام لأسرته.
الشقيقان عوض فقدا عام دراسي كامل، ولم يلتحقا بالعام الذي يليه، فبدلاً من الجلوس على مقاعد الدراسة، ولبس الملابس النظيفة، والحذاء الجديد، يعيشان حياة قاسية، ويمشيان حافيا القدمين، ويرتديان ملابس مهترئة، وقد أوشكا على نسيان ما تعلماه في السنوات الماضية.
ويقول أحمد لـ"فلسطين بوست"، إنهما كانا يستيقظان في كل صباح بعد أن ناما ليلهما الهادئ على فراش دافئ، ليتوجها إلى المدرسة، للتعلم، وممارسة الأنشطة المختلفة، لكن الآن الوضع مختلف، فكلاهما يناما في خيمة مهترئة، ويكرها قدوم النهار لما يحمله من تعب ومشقة كبيرة.
وتمنى الشقيقان أن تنتهي الحرب، ويعودان للمدرسة، إذ قال أحدهما: "نفسي أصحى من النوم وألقي هذا كله حلم واتصبح بوجه أمي وهي بتقلي قوم أجا موعد المدرسة".
تجهيل مُتعمد
بينما أكد المواطن سامي صلاح، إن أبنائه الثلاثة بدلاً من أن يكونوا منشغلين في التجهيز للالتحاق بمدارسهم، ينشغلون حالياً في تعبئة المياه، والجري وراء تكيات الطعام، والاستعداد لنزوح جديد بين الفينة والأخرى.
وأكد صلاح أن ما يحدث هو تجهيل متعمد لجيل كامل، فالعام الدراسي الماضي ضاع، والحالي من المؤكد أنه سيضيع، فحتى لو توقفت الحرب، لا يوجد مدارس، ولو وجدت فهي مشغولة بعد أن أصبحت مأوى للنازحين.
وأوضح أنه سمع عن مبادرة وزير التربية والتعليم بأن الوزارة قررت انطلاق العام الدراسي في قطاع غزة، رغم كل التحديات والظروف، لكن يبدو هذا أمراً صعباً في ظل الوضع الحالي، فلا يوجد أسرة واحدة مُستقرة في قطاع غزة، فالأسر كل يوم في مكان مختلف بسبب تكرار أوامر النزوح، ولا يوجد خدمة انترنت منتظمة من أجل الاتجاه لنظام التعليم الالكتروني عن بعد.
بينما قال المواطن وائل شعبان، إنه يؤيد أي فكرة لإطلاق العام الدراسي الجديد، ويعتبر أن ما قاله وزير التربية والتعليم أمر صائب، فأي شعب يمكن تدميره والقضاء عليه، من خلال ضرب التعليم، وتجهيل الأجيال الناشئة.
وأكد على وجوب الاستفادة من تجارب دول استطاعت الاستمرار في العملية التعليمة رغم تعرضها للحرب، منها فيتنام، ودول إفريقية، وكذلك الاستفادة من تجارب ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وتطوير هذه التجارب لما يتماشى مع طبيعة غزة.
وأشاد شعبان بالخطوة المتقدمة لبعض الجامعات في القطاع، التي بدأت باستئناف التعليم الجامعي عن بعد "الإلكتروني"، مقترحاً أن يبدأ الأمر في المدارس تدريجياً، من مرحلة الثانوية العامة، ثم باقي المراحل، من أجل تقييم التجارب وتصويب الأخطاء، وتطوير الأمر، بما يحقق أعلى نجاح.
أهالي يحاولون تعليم أبنائهم
وانتشرت في الأسابيع الماضية العديد من المبادرات التعليمية، إما عبر إقامة فصول دراسية في الخيام، أو من خلال قيام أولياء أمور بتدريس أبنائهم داخل الخيام، في محاولة لإبقائهم على تواصل مع الكتب والكراسات.
وتقول المواطنة أم خالد حمد، إنها شعرت بخطورة الأمر بعد أن تيقنت بأن العام الدراسي الثاني سيضيع على أبنائها، وجلست مع زوجها وناقشوا الأمر، واتفقوا على أن يُرسلوا اثنين من الأبناء لفصول دراسة أقيمت في الخيام، والطفلان الصغيران يتولى الأبوان تدريسهما، وأكدت أنها تتابع دروس الكبار، وتُدرس الصغار برفقة زوجها، وقد صدمت في البداية بتراجع المستوى التعليمي لدى الأربعة، لذلك ضاعفت جهودها في محاولة لإنقاذهما.
وأكدت حمد لـ"فلسطين بوست"، أنه من الضروري جداً أن يبقى الأبناء على تواصل مع الكتاب والكراسة، خاصة أن الحرب يبدو أنها ستطول، والعودة لمقاعد الدراسة لن تكون قريبة، داعية أولياء الأمور للحذو حذوهم، ومتابعة الأبناء، وعدم تركهم ضحية لسياسة التجهيل الإسرائيلية المقصودة.
بينما قال المواطن يوسف بركة، إن أبنائه الستة انتظموا في دراستهم بطرق مختلفة، فالكبار يدرسون في الجامعات بواسطة التعليم الالكتروني، والصغار يتوجهون لفصول دراسية في الخيام أقامتها مؤسسات ونشطاء، بينما تتابع والدتهم الدروس معهم.
وأكد بركة لـ"فلسطين بوست"، أن الحرب لا تعني أبداً ترك التعليم، فالعلم سلاح يجب أن يتسلح به الجميع، فهذا تحدي للفلسطينيين، يجب عليهم أن يُثبتوا للعالم من خلاله على تمسكهم بالعلم، ورفض سياسة الاحتلال الهادفة لتجهيلهم.
معيقات وصعوبات
وأكدت وكالة الغوث الدولية "الأونروا"، أنه من الصعب في ظل الظروف التي يعيشها القطاع حالياً، استئناف العام الدراسي للعام الثاني على التوالي، بسبب الحرب المستمرة.
وقال المستشار الإعلامي لـ"لأونروا"، عدنان أبو حسنة، إن هذه الأوضاع تُنذر بخطورة ضياع العام الدراسي للسنة الثانية على التوالي، موضحاً أنّ 600 ألف طالب وطالبة يلتحقون في مدارس "الأونروا" والحكومة، حرموا للعام الثاني على التوالي.
وبين أبو حسنة أن300 مدرسة تابعة للأونروا، تعرض منها 200 لأضرار بليغة، بين دمار كلي وآخر جزئي، فيما خصصّت بقية المدارس أماكن إيواء.
وأضاف: "يبدو أن هناك عام دراسي آخر سيضيع على مئات الآلاف من الطلبة، وهذا يدفعنا لندق ناقوس الخطر مجدداً، ونؤكد ضرورة وقف الحرب، وحماية الأطفال ومنحهم حقهم في الحياة والتعليم".
تدمير ممنهج لقطاع التعليم
وبحسب إحصاءات رسمية صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن قوات الاحتلال دمرت 122 مدرسة وجامعة بشكل كلي، إلى جانب "334 "مدرسة وجامعة دمرها الاحتلال بشكل جزئي.
كما استشهد 110 علماء وأساتذة جامعات وباحثين أعدمهم الاحتلال، إلى جانب 9000 طالب وطالبة قتلهم الاحتلال من جميع المراحل.
واستشهد 500 من المعلمين والهيئة التدريسية بسبب هجمات الاحتلال، فيما حرم الاحتلال 40 ألف طالب وطالبة من تقديم اختبارات الثانوية العامة.
وقالت وزارة التعليم الفلسطينية إن جميع المدارس في غزة أُغلقت، وإن 90 % إما تهدّم أو انهار كلياً جرّاء الهجوم الذي تشنّه إسرائيل على القطاع.
وبالإضافة إلى 625 ألف طالب في غزة مسجّلين بالفعل، ولم يبدأوا العام الدراسي الجديد، تقول وزارة التعليم إنه كان من المفترض أن يلتحق 58 ألف طفل في السادسة من العمر بالصف الأول، ليبدأوا مشوارهم الدراسي.
وأطلقت الأونروا، الشهر الماضي، برنامج «العودة إلى التعلّم» في 45 من مراكز اللجوء التابعة لها، حيث قام معلّمون بإعداد ألعاب وقصص، وأنشطة فنية وموسيقية ورياضية؛ للمساعدة في تحسين الصحة النفسية للأطفال.
كتب: محمد الجمل