أفرز العدوان والحصار المشدد، الذي دخل شهره الثاني عشر، سلسلة من المهن الجديدة والمُستحدثة، لم تكن معروفة من قبل.
المهن الجديدة التي سيتناولها تقرير "فلسطين بوست" بشيء من التفصيل، وجدت من أجل التغلب على ظروف الحصار، ومواجهة الفقر الذي يجتاح المواطنين، خاصة القاطنين في خيام النزوح.
صيانة الخيام وتركيبها
ومن المهن الجديدة التي ظهرت مؤخراً، تخصص مواطنين في صيانة وتركيب الخيام، خاصة مع اقتراب حلول الفصل الماطر، وحاجة المواطنين لتجهيز خيامهم، من أجل استقبال فصل الشتاء.
ويقول المواطن أحمد معمر، إن هناك نحو 25 نوع خيمة دخلت القطاع مؤخراً، وبعضها عمليات تركيبها معقدة للغاية، وتحتاج لشخص متخصص كي يقوم بالمهمة على سبيل ذلك ما تسمى محلياً "خيمة القبة"، والأخيرة تحتاج لدقة في التركيب، لأن أي خطأ يعني تلفها، وهو تخصص في تركيب الخيام.
وبين معمر أنه يتلقى اتصالات هاتفية من المواطنين، ويتوجه للمكان الذي يرغب الشخص بتركيب الخيمة فيه، ويتفقون على الأجر الذي يتراوح ما بين 50-100 شيكل، ويقوم بتركيب الخيمة، وتجهيزها، وتسليمها لصاحبها
صالحة للإقامة.
وأكد معمر لـ"فلسطين بوست"، أنه لم يكن يوماً يتوقع ان يعمل في هذه المهنة، التي لم تكن معروفة من قبل، لكن ظروف الحصار، وحاجة الناس دفعاه للتدرب عليها، وإتقانها، حتى بات معروفاً، ويقوم بعمله بشكل شبه يومي.
ولفت إلى أنه وإلى جانب ذلك يعمل على إصلاح وصيانة خيام النازحين، خاصة الخيام التي يتم تصنيعها يدوياً من الخشب، ويطلق عليها "عريشة"، مبيناً انه يقوم بسقفها بالشوادر، واحكام إغلاقها، ويصنع ميل للأمطار.
وبين أن ثمة شح شديد في مواد صيانة الخيام، سواء النايلون، أو الشوادر، أو غيرها، والنازحين في مخيمات غرب خان يونس ودير البلح، يستعدون لدخول فصل الشتاء بخيام بالية، غير مجهزة لتلك الفترة، وسط غياب شبه كلي للشوادر، وقطع الصيانة، وكثير من المواطنين يطلبون منه صيانة خيامهم بأقل الإمكانات، وهو يجتهد ويحاول، لكنه يثق بأن ما يفعله لا يكفي لمنع دخول الأمطار إلى الخيمة.
التصنيع الغذائي
حفزت حالة النزوح والفقر الشديد، التي يعيشها المواطنون، الكثير من النساء على إخراج مواهبهن في الطهي، وصنع الحلوى والمعجنات، وتحويل تلك الموهبة لمصدر رزق للعائلة.
واستطاعت الكثير من النساء تحويل خيامهن في خيمات النزوح، إلا ما يشبه المصانع الصغيرة للتصنيع الغذائي، ورحن يصنعن ألذ الأطعمة، والمشروبات الباردة، والمعجنات، والحلوى، وغيرها من الأصناف.
ويومياً يشاهد فتية وشبان يجولون في الشوارع، وهم يحملون، حاويات، أو "صواني"، يبيعون ما صنعته أمهاتهن في الخيام.
ويقول الشاب أيمن حمد، إن والدته كانت في السابق تصنع لهم الحلوى، والمعجنات في البيت، لكن وبعد النزوح، وفقد والده عمله كسائق مركبة أجرة، باتت العائلة تعاني الفقر والعوز، وقد عرضت على والده فكرة أن تصنع شطائر الشكولاتة "عوقا وسينابون"، لبيعها على النازحين، ووالده تردد في البداية ثم وافق.
وبين أنهم يجلبون لوالدتهم كل مُدخلات الإنتاج، من الكاكاو الخام"، والحليب المجفف، والدقيق، وغيرها من الأمور، وتستيقظ عند الفجر، وتبدأ بتجهيز الوجبات، وتخبزها بواسطة فرن طين صنعه والده قرب الخيمة، وعند السابعة يخرج هو وشقيقه لبيعها على النازحين، اللذين يشترونها كوجبة إفطار يسدون بها جوعهم في الصباح.
وأكد حمد لـ"فلسطين بوست" إلى أنهم يبيعون القطعة الواحدة مقابل شيكل، ووالدته تتفنن في إدخال تحسينات تزيد جودة المنتج، دون تغيير السعر، لدرجة أن بعض الفتية باتوا يشترون منهم كميات لبيعها والتربح بها.
بينما أوضح المواطن يوسف شلوف، إنهم حين نزوحوا من محافظة رفح، قاموا بتفكيك نظام الطاقة الشمسية، وركبوه بجانب خيمتهم، وهو ينتج كهرباء بطاقة تصل إلى 1300 وات عند الذروة، وبما أنهم يمتلكون مجمد "فريزر"، قرر والدهم أن يقوموا بتصنيع الشراب المثلج "براد"، وبيعه على النازحين اللذين باتوا يبحثون عن المشروبات الباردة.
وأكد شلوف لـ"فلسطين بوست"، أنه يشتري الأطعم والروائح من أحد المحال، سواء طعم الفراولة، أو المانجا، وكذلك الليمون، والتفاح وغيرها، وتقوم زوجته بتصنيع الشراب وإضافة السكر، والأصباغ إليه، ثم يضعونه في أكياس نايلون صغيرة، ويقوم بتثليجه، ويبيع الواحد مقابل 2 شيكل.
وأشار إلى أنه حول خيمته إلى ما يشبه المصنع، إذ تجتمع العائلة لتجهيز الشراب كل يوم، وعندها يصبح جاهز، يخرج أبنائه لبيعه على خيام النازحين، وثمة إقبال كبير عليه، خاصة في ساعات الظهيرة، حين ترتفع درجات الحرارة، ويصبح الناس بحاجة لما يستبردون به.
ولفت إلى أنه سيستمر في مشروعه حتى انتهاء فصل الصيف، وبعدها سيبحث عن مشروع آخر، يضمن استمرار عمله، لتوفير قوت أبنائه في ظل الوضع الصعب الذي يعيشه النازحون، وإن كان الأمل الأكبر لدى الجميع، بانتهاء العدوان، وعودة الجميع لبيوتهم.
إصلاح العملات
ظهرت في الأسابيع الماضية مهنة جديدة، لم يسبق ظهورها من قبل، وتتمثل في صيانة وإصلاح العملات النقدية المتهالكة والتالفة، والتي رفض الباعة والتجار أخذها من المواطنين.
ويعمل مواطنون على صيانة وإصلاح العملات الورقية، وإخفاء عيوبها، بحيث تصبح قابلة للتداول بشكل طبيعي.
ويقول الشاب خالد رمضان، إن الأمر بدأ لديه بإصلاح ورقة نقدية لوالده في البيت، ثم بدأ يفعل الامر خدمة لجيرانه، حتى قرر ان يجعلها مهنة، وبات معروفاً، ويقوم بإصلاح كل ورقة مقابل 2 شيكل، شرط أن تكون قابلة للإصلاح، وغير ناقصة، أو ممسوحة.
وبين انه يقوم بتعديل الورقة بطريقة معينة، ثم يجلب لاصق بلاستيكي شفاف، ويجمع طرفي الورقة الممزقة، ويضع عليها القليل من اللاصق، حتى تبدو جيدة.
وأكد رمضان لـ"فلسطين بوست"، أنه يحاول في بعض الأحيان صيانة العملات المعدنية، خاصة فئة الـ10 شيكل، التي يواجه المواطنون صعوبات في تصريفها، خاصة تلك التي تعرضت حوافها للصدأ، إذ يقوم بمعالجة الحواف والصدأ باستخدام فرشاة معدنية، وتعود العملة وكأنها جديدة، وتصبح قابلة للتداول، لكن الأمر لا ينجح دائماً.
ولفت إلى أنه يعلم بان مهنته مؤقتة، وستنتهي بمجرد دخول أول دفعة من عملة الشيكل للقطاع، وسحب العملات البالية من قبل المصارف.
بينما يقول المواطن خليل عبد الحميد، إنه يمتلك ورقة نقدية من فئة 100 شيكل، قديمة وبها مزع صغير، ولم يقبل أي بائع أن يأخذها منه، حتى فقد الأمل في تصريفها، إلا أن وجد شخص متخصص بمهمة إصلاح العملة، فقام بتسليمها له، وراقب ما فعله.
وأوضح عبد الحميد لـ"فلسطين بوست"، أنه قام ففرد الورقة على الطاولة، وتفحصها جيدا، ثم أمسك بقطعة من اللاصق البلاستيكي الشفاف، ووضعها على مكان المزع، ثم أجرى بعض الصيانة للورقة، باستخدام ما يشبه المكوي، حتى عادت الورقة وكأنها جديدة، وقبلها الباعة، لافتاً إلى أن إصلاح العملات في ظل الوضع الحالي أمر مبتكر، لكن بشرط أن يكون العاملون فيها محترفون، لأن أي خطأ يتسبب بتخريب العملة.
وأكد عاملون في هذه المهنة، أن بعض العملات التي تصلهم لا تكون بحاجة لصيانة، ويكون أصابها بعض الاهتراء مع كثرة التعاملات، ورغم ذلك يخبره أصحابها بأن الباعة رفضوا أخذها منه، مستغرباً تعمد بعض الباعة خلق أزمة، وهم يعلمون ظروف الحصار المالي، وعدم إدخال عملة جديدة منذ نحو العام.
كتب: محمد الجمل