لجأ الاحتلال خلال الأشهر القليلة الماضية لاستخدام طرق مُستحدثة خلال اجتياحه مناطق مأهولة في قلب قطاع غزة، بما يضمن للجنود أكبر قدر من الحماية، ويمكنهم من قتل واستهداف المواطنين، حتى من مسافات بعيدة.
ومنذ بدء الاجتياحات للقطاع، اعتاد القناصة على البحث عن المناطق المرتفعة داخل الأحياء والبلدات التي يحتلونها، ويتخفون داخل غرف، بعد إحداث فتحات صغيرة في الجدران، تكفي لإخراج فوهة البندقية فقط، من أجل كشف المناطق، وسهولة استهداف المواطنين اللذين يحاولون النزوح عن منازلهم، أو العودة إليها.
لكن مؤخراً لجأ الاحتلال لطرق جديدة، أبرزها نصب رافعات شاهقة الارتفاع، يتم تحريكها بواسطة شاحنات عسكرية، وهي في الأساس كانت مخصصة للاستخدام المدني، لاسيما في الموانئ، ومواقع البناء، لكن الاحتلال طورها، لتصبح ذات استخدام عسكري.
ووفق أكثر من مصدر مطلع، فإن الرافعات المذكورة عبارة عن برج مراقبة مُتحرك، يتم تحريكه على أي منطقة يرغب الاحتلال فيها، ونصبه خلال دقائق، ثم إنزاله ونقله بكل سهولة، وهي من الطرق المستحدثة خلال حرب الاحتلال على غزة.
وجرى رصد ومشاهدة العديد من الرافعات شرق خان يونس، وفي مناطق جنوب محافظة رفح، وعلى طول محور "نتساريم" وسط القطاع، وفي مناطق أخرى.
بؤر للقتل عن بُعد
والرافعة المذكورة مثبت أعلاها ما يشبه غرفة، فيها بنادق قنص ورشاشات ثقيلة، معظمها غير مأهول، يتم التحكم في إطلاق النار من خلالها عند بعد، عبر كاميرات، والقليل منها مأهول، يتواجد بداخله جندي وأكثر، وهي قادرة على قتل المواطنين على مسافة تزيد على 3000 متر، كما حدث في مناطق خزاعة، وعبسان خلال الفترة الماضية، حيث سقط شهداء على مشارف البلدتين برصاص البنادق التي تم وضعها فوق الرافعات المذكورة.
وقال المواطن عبد الله عاشور، إن الرافعات عبارة عن برج مراقبة متنقل، وهي ترتفع بشكل كبير في الهواء، لمسافة قد تزيد على 40 متراً، وهي من أكبر الأخطار التي تُهدد المواطنين، إذ يتمتع الجندي الذي يُدير ويتحكم في البنادق الموضوعة داخل غرفة المراقبة، وهي بنادق متطورة للغاية، ومزودة بوسائل حديثة، بقدرات عالية على إصابة الأهداف، من على بعد كبير.
وأوضح عاشور لـ"فلسطين بوست"، أن الرافعات المذكورة تعمل بتكامل مع أدوات قتل أخرى، منها طائرات "كواد كابتر"، والطائرات المُسيرة، وهذا يؤدي إلى وقوع عدد كبير من الشهداء والجرحى، في كل مرة يجتاح الاحتلال فيها المناطق السكنية.
بينما قال المواطن أشرف عيسى، إنه كان ينوي العودة لبيته في بلدة بني سهيلا، لجلب دواء نسيه خلال النزوح، وعندما اقترب من شارع صلاح الدين، شاهد "رافعة الموت"، قد نُصبت، حينها غير رأيه، وتراجع وعاد أدراجه، خوفاً من أن يستهدفه القناص المتمركز فوقها.
وبين أنه حين عاد للمخيم، نصح كل من يعرفه من سكان شرق خان يونس، بعدم التوجه لبيته بسبب تلك الرافعات، إذ أكد أن الاحتلال نصب رافعتين في مناطق شرق خان يونس.
القتل الصامت
وعادة ما تتسبب تلك الرافعات بما بات يسمى القتل الصامت، إذ يتساقط القتلى والجرحى برصاصها، دون سماع أصوات إطلاق النار، أو حتى معرفة المصدر، لاسيما إذا كانت الرافعة بعيدة.
وقال المواطن خالد ياسين، وهو من سكان شرق خان يونس، إن الاحتلال نصب رافعة على مشارف بلدة بني سهيلا، وقد أوضح لـ"فلسطين بوست"، أنه خلال إلـ 6 ساعات الأولى من نصب الرافعة، استهدفت خمس رصاصات محيط منزله، فلا يسمع صوت إطلاقها، فقط كل ما يسمعه صفير ثم صوت ارتطام الرصاصة في الجدار، وأحياناً انفجارها، موضحاً أن أحد جيرانه كان يسير في الشارع وفجأة صرخ وسقط، بعد أن اصابته إحدى رصاصات الرافعة المذكورة.
بينما قال الشاب عبد الكريم عايش، إنه قرر وصديقه العودة لمنزليهما وسط محافظة رفح، وتوجها إلى منطقة "كف موراج"، شمال المحافظة، وبعد ان تيقنا أن المنطقة خالية من الدبابات وبدءا بالتقدم تدريجياً إلى أن وصلا إلى منطقة مخيم الشابورة، وتقدما باتجاه مركز المدينة.
وأكد عايش لـ"فلسطين بوست"، أنهما كانا متيقنين من خلو السماء من الطائرات، وفجأة صرخ صديقة وسقط على الأرض، فنظر إليه وإذا ببقعة دم كبيرة على صدره، فحاول إخلائه من أجل نقله للمستشفى، لكنه فارق الحياة.
وذكر أنه وخلال محاولته إخلاء صديقه سمع صفير رصاصة وارتطامها في الأرض بجانبه، حينها تأكد أنه مستهدف، واختبأ تحت بناية، دون أن يعرف مصدر الرصاص، حتى شاهد من بعيد رافعة منصوبة، على محور صلاح الدين الحدودي، حينها أدرك أنها مصدر الرصاص.
وأكد أن العائدين لبيوتهم سواء في رفح أو شرق خان يونس، أصبح لازماً عليهم عدم الاكتفاء بالتأكد من عدم وجود دبابات، أو طائرات، فعليهم أيضاً النظر في كل مكان للتأكد من عدم وجود رافعات الموت في مناطق بعيدة، فقد أثبتت التجربة أنها تستطيع قتل المواطنين من مسافات بعيدة جداً.
وسبق واستخدم الاحتلال الرافعات المذكورة في أكثر من منطقة جرى اجتياحها، وفي كل مرة كانت سبباً في قتل المواطنين، حتى من كانوا يتواجدون في مناطق بعيدة عن بؤر الاجتياح، ولا يتوقع أحد أن يصلها الرصاص.
رعب ونزوح
بينما قال المواطن يحيى رضوان، إنه بقي في منزل بمناطق شرق خان يونس لمدة تزيد على أسبوع، رغم إصدار أكثر من أمر نزوح، فلم تخيفه القذائف، ولا طائرات الكواد كابتر، لكنه وبمجرد نصب الاحتلال رافعة جديدة تكشف منزله ومحيطه، حينها قرر النزوح، لأنه يُدرك خطورة هذه الأداة.
واكد رضوان لـ"فلسطين بوست"، أن الاحتلال لم يترك وسيلة قتل إلا واستخدمها ضد الغزيين، وأينما يتوجه الناس يلاحقهم الموت بطريقة بشعة، وكأن الاحتلال أصدر حكم بالإعدام على جميع سكان القطاع، وفي كل يوم ينفذ دفعة من هذه الاحكام بطرق مختلفة.
ولفت إلى أنه حزم أمتعته، وقرر الرحيل عن المنطقة، والتوجه إلى منطقة مواصي خان يونس، رغم أنه كان يرفض النزوح، لافتا إلى أن الرافعات المذكورة، كانت سبباً في توسيع عمليات النزوح، ونشر الخوف والهلع بين المواطنين، ودفعهم لترك المناطق.
ونوه رضوان إلى أنه يصعب الهرب أو التخفي عن تلك الرافعة، فهي تختلف عن طائرات "كواد كابتر"، التي تحلق فترات من الزمن ثم تختفي، كما أنها مزودة بكاميرات متطورة، تستطيع رصد الأهداف ليل ونهار، لذلك تعتبر من أخطر وسائل القتل التي استخدمها الاحتلال منذ بداية الحرب.
كتب: محمد الجمل