لم تتوقف مجازر الاحتلال في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين أول الماضي، لكن ثمة بعض المجازر كانت كبيرة ومروعة، ويصعب تجاوزها، أو نسيانها، وقد خلفت ردود فعل محلية ودولية كبيرة.
ومن بين تلك المجازر كانت مجزرة "الفجر"، بمدرسة "التابعين"، في حي الدرج وسط مدينة غزة، والتي قتل الاحتلال خلالها عشرات المُصلين، وحفظة كتاب الله، ممن كانوا يستعدون لفعالية سرد قرآني كان مقرراً أن تستمر لعدة ساعات، بمشاركة حفظة كتاب الله، وذويهم ولفيف من النازحين.
فخ لقتل حفظة كتاب الله
وتداول نشطاء رسالة نصيبة أرسلها الشهيد محمد أبو سعدة، مدير أوقاف محافظة غزة، قبيل قصف المدرسة بليلة واحدة، يدعو المواطنين والنازحين من خلالها للمشاركة في جلسة "السرد القرآني"، داخل المُصلي، حيث توافد العشرات إلى المُصلى للمشاركة في الفعالية.
ووفق ما أكده مواطنون وشهود عيان فإن المُصلى كان مكتظاً بالمواطنين أكثر من أي وقت مضى، من بينهم البروفيسور يوسف الكحلوت، أستاذ اللغة العربية في الجامعة الإسلامية، أحد المشرفين على الفعالية القرآنية، إضافة للشيخ الشهيد محمد أبو سعدة.
وبمجرد اكتظاظ المصلي وبدء صلاة الفجر، جرى قصفه بثلاث صواريخ كبيرة، أدت إلى استشهاد جميع المتواجدين فيه، بالإضافة لتدمير الطابق العلوي الذي يتواجد المصلي أسفله، وهذا تسبب بمجزرة كبيرة وغير مسبوقة.
وأكد مواطنون ونشطاء أن المجزرة، كانت مروعة ومقصودة، والهدف منها قتل أكبر عدد من حفظة كتاب الله، ممن تسعى إسرائيل لمحاربتهم باستمرار، وقد عبر قادتها عن غضبهم من تكرار عقد جلسات السرد القرآني، خاصة خلال الحرب، مؤكدين أن مثل هذه الجلسات تُخرج جيل يحارب إسرائيل، وهذا يدل على أن قتلهم كان مقصوداً.
وتُعد مجزرة مُصلي التابعين ثالث أكبر مجزرة ترتكبها قوات الاحتلال في قطاع غزة منذ بدء العدوان، حيث كانت مجزرة المستشفى العربي المعمداني أكبر مجزرة.
مجزرة مروعة
ووفق الدفاع المدني في قطاع غزة، فقد استخدم الاحتلال صواريخ كبيرة وفتاكة خلال قصف مدرسة "التابعين"، إذ أكد شهود عيان أن مُصلى المدرسة تعرض للقصف بثلاث قنابل كبيرة، إحداها جرى تصنيفها على أنها من طراز "MK84"، وهي قنبلة أميركية الصنع، تزن حوالي طن من المتفجرات.
وأدت هذه القنابل الكبيرة وفق الناطق باسم الدفاع المدني محمود بصل، إلى تفحم وتفتت جثامين الشهداء، وتحولها إلى أشلاء اختلطت ببعضها، لدرجة جعلت التعرف على هوياتهم أمراً مستحيلاً.
وقال بصل إن الاحتلال استخدم صواريخ كبيرة وفتاكة، نتج عن انفجارها درجات حرارة عالية تجاوزت 7000 مئوية، ما تسبب بتفحم جثامين الشهداء.
وأكد الدفاع المدني أن فرق الإنقاذ لاحظت تفحم وحروق عميقة، أدت في بعض الأحيان إلى صهر الأجساد أو أجزاء منها، مؤكدة على وجوب التحقيق في نوعية الصواريخ التي جرى استخدامها.
ولليوم الثاني على التوالي تواصل فرق الإنقاذ البحث بين الأنقاض عن مفقودين، ورغم العثور على بعض الجثامين، إلا أنه لم يتم انتشال أي جثمان كامل، وجميع ما جرى انتشاله كانت أشلاء، أو بقايا جثامين متفحمة.
وقال الدكتور فضل نعيم ويعمل في المستشفى العربي المعمداني، إن الجثامين وصلت المستشفى أشلاء، والجرحى كانوا يعانون جروح بالغة، موضحاً أن أحد الجرحى كان طفل يبلغ من العمر 16 عاماً، وصل في وضع صحي حرج، مبتور الأطراف، جسده مليء بالجروح الغائرة، وبينما وضعه الأطباء على طاولة العمليات لاحظوا أن جمجمة أحد الشهداء متفتتة كانت بين قدميه، والأطباء حاولوا انقاذ حياتهم، لكنه استشهد جراء النزيف الحاد، وشح الإمكانات الطبية.
بينما أكد ناجون من داخل المدرسة، أن جميع الأسر التي تعيش داخل مركز الإيواء المذكور، وعددها نحو 350 أسرة، تعيش كارثة، فكل غرفة في المدرسة فقدت شهداء، فأغلب الرجال والفتية وحتى الأطفال كانوا في المُصلى لحظة ارتكاب الجريمة، لذلك لم تخلُ عائلة من فقد.
وليس هذه المرة الأولى التي يتم فيها استهداف مُصلين خلال تأديتهم صلاة الفجر، إذ سبق واستهدفت طائرات الاحتلال مصلي في مخيم الشاطئ بمدينة غزة، بينما كان مكتظ بالمصلين اللذين كانوا يؤدون صلاة الفجر، ما تسبب بسقوط عشرات الشهداء والجرحى.
أشلاء في أكياس
ولجأ أطباء وفرق إنقاذ لمحاولة تجميع الجثامين، قدر الإمكان، إذ كانوا يضعون كل جثمان في كيس بلاستيكي كبير، لدرجة أن ذوي أحد الشهداء قالوا إن المستشفى سلمتهم كيس به أشلاء يزن 70 كيلو جرام وطلبوا منهم دفنه.
وأكد مواطنون أن توزيع الجثامين على ذوي الضحايا كان بالوزن، فالطفل كان ذووه يتسلمون كيس به نحو 30 كيلو جرام من الأشلاء، والبالغ 70 كيلو.
وقال المواطن محمد الجعبري، وهو نازح جنوب القطاع، إن اقربائه تسلموا معظم جثامين أبنائهم الشهداء عبارة عن أشلاء وضعت في أكياس، والأمر كان مُحزن وصادم، وقد تحدث إلى بعضهم وكانوا في قمة الحزن والأسى، فقد حُرموا حتى من وداع أبنائهم الشهداء، فالأكياس كانت تحوي أشلاء لشهداء مختلفين، ولم يتسلم أحد جثمان ابنه كاملاً.
وأوضح أنه لم ير أو يسمح مجزرة حولت جميع الشهداء إلى أشلاء، وأذابت الأجساد بشكل غريب، كما حدث في مجزرة "التابعين"، فالاحتلال يحول غزة ومواطنيها لحقل تجارب لأسلحته الفتاكة، والضحايا هم من يدفعون ثمن ذلك.
ووثقت مؤسسات حقوقية قصف الطائرات الإسرائيلية المباشر 10 مدارس تُستخدم مراكز إيواء لآلاف النازحين في مدينة غزة خلال ثمانية أيام فقط، وتدميرها على رؤوس من فيها، وهذا تسببت باستشهاد نحو 180 مواطناً وإصابة أكثر من 300 آخرين، غالبيتهم من الأطفال والنساء، وفقدان أعداد أخرى تحت الأنقاض، ويتعذر انتشالهم لعدم وجود معدات مناسبة لطواقم الإنقاذ.
أهداف للقصف
وباتت مراكز الإيواء خاصة في مناطق شمال القطاع، أهداف للقصف الإسرائيلي المباشر، خاصة في مدينة غزة وشمال القطاع.
وأكد المرصد "الأورومتوسطي" لحقوق الإنسان، أن تكثيف جيش الاحتلال استهدافه المدارس المستخدمة كمراكز لإيواء النازحين، بات سياسة ممنهجة للتهجير القسري وتفريغ مدينة غزة.
وأوضح المرصد أن التصعيد ضد المدارس يتزامن مع إصدار أوامر إخلاء قسري غير قانونية من شمال غزة إلى جنوبها، ضمن سياسة ممنهجة لطرد الأهالي وحرمانهم من أي استقرار لأسباب تبدو انتقامية، وفق المرصد.
في حين أوضح المواطن عماد نصر، إن مراكز الإيواء كانت هدف واضح للاحتلال منذ بداية العدوان، لكن منذ مطلع شهر تموز الماضي كان هناك تركيز كبير على تلك المراكز، خاصة في شمال القطاع، وهذا من وجهة نظره له عدة أهداف، من بينها زيادة الضغط على سكان تلك المناطق، بهدف النزوح نحو الجنوب، وإخلاء شمال القطاع، وهدف آخر هو إشعار سكان القطاع بعدم وجود أمان في أي مكان.
بينما أكد نشطاء ومواطنون أنهم يتابعون الأحداث بشكل جيد، ولاحظوا أن كل يوم سبت يشهد مجزرة جديدة تستهف على الأغلب مركز إيواء، وكأن قادة الاحتلال اصبحوا لا يستمتعون بإجازاتهم دون سفك دماء الأبرياء.
بينما أكد المرصد أن قصف المدارس وتدميرها على رؤوس النازحين فيها، لم يكن له أي مبرر فعلي، وغابت عنه الضرورة الحربية، رغم أن جيش الاحتلال يحاول دائماً التبرير باستهداف أحد النشطاء العسكريين أو السياسيين، دون أن يُثبت صحة هذا الادعاء.
ووفق التحقيقات الأولية للمرصد، فهناك تعمد من قبل الاحتلال لتدمير ما تبقى من مراكز الإيواء، لحرمان الفلسطينيين مما تبقى من أماكن قليلة تؤويهم.
وأكد المرصد أن تتبع منهجية القصف الإسرائيلي يشير إلى وجود سياسة واضحة، ترمي إلى نزع الأمان عن كل قطاع غزة، وحرمان المدنيين من الإيواء أو الاستقرار ولو لحظيًّا، بالتركيز على استهداف مراكز الإيواء بما فيها المقامة في مدارس تابعة لوكالة الغوث الدولية "الأونروا".
ولم تُفلح دعوات الأمم المتحدة، وبيانات الاستنكار الشديدة التي صدرت عن غالبة دول العالم، في منع الاحتلال من تكرار مجازره في مراكز الإيواء.
كتب: محمد الجمل