أيقونة العملات

العملات

الدولار اليوم
اليورو اليوم
أيقونة الطقس

الطقس

أيقونة الإشعارات

اشعارات

غزة

البحر رفيق للنازحين في محنتهم.. مياهه تلبي احتياجاتهم ورماله تحتضن خيامهم

6 أغسطس 2024

بات البحر بمياهه ورماله رفيقاً للنازحين، قدم لهم خدمات لم تقدمها أكبر المؤسسات أو الجهات.

وإلى شاطئ البحر لجأ مئات الآلاف من النازحين الفارين من الموت، ووضعوا خيامهم على رماله الخشنة، واستخدموا مياهه في شتى شؤون حياتهم.

رفيق للنازحين

ويقول المواطن حازم حسونة، وهو نازح من مناطق شرق رفح، ويقيم على شاطئ البحر غرب محافظة خان يونس، إنه وحين نزح جال كل منطقة المواصي فلم يجد فيها موطئ قدم، حتى قرر وضع خيمته على الشاطئ.

وبين أنه قرر أن يستغل محل إقامته الجديد، فوضع خزان مياه سعة 1000 لتر، ويقوم بمعاونة أبنائه بملئه من البحر، لتستخدمه زوجته في الأعمال المنزلية، مثل غسل الأطباق، وغسل اليدين، وغيرها من الأمور، بينما يستخدمون رمال البحر في غسل الأواني في ظل نفاذ مواد التنظيف من القطاع.

وأوضح حسونة أنه يقوم بدفن زجاجات المياه في باطن الرمل، حتى تبرد ويستطيعون شربها، فرمال البحر باطنها المبتل بالمياه بارد نسبياً، كما يجلس كل يوم على رمال البحر، ليطرد الملل، ويشعر أنها تحتضن النازحين.

وأوضح أن شاطئ البحر يكتظ بالنازحين، والخيام هناك متلاصقة، وحياة النازحين على الشاطئ أفضل من باقي المناطق، فيكفي الهواء البارد والعليل، والرمال الذهبية.

البحر حمام مجاني للنازحين

ويومياً يشاهد عشرات الآلاف من المواطنين داخل مياه البحر، يستحمون، أو يغسلون ملابس، أو أواني، إذ يقول المواطن سامي شعبان، إن المياه شحيحة للغاية في المنطقة التي يقطن فيها، ويضطر لشراء كل 500 لتر مقابل 30 شيكل، لذلك يكون حريص جداً في استخدامها، ويعتمد على البحر الذي يبعد عن خيمته أقل من 250 متر لأغراض كثيرة.

وأكد شعبان أنه يصطحب أفراد عائلته بشكل يومي إلى البحر، ليقوموا بالاستحمام لنحو الساعة، قبل العودة للمنزل، إذ يضعون كمية صغيرة من المياه العذبة على أجسادهم بعد ذلك، لإزالة آثار الملح.

وأكد شعبان لـ"فلسطين بوست"، أن الأمر الجيد في الوقت الحالي أن مياه البحر دافئة، وخالية من القناديل، لذلك يتوجه الناس إليها، ويقبلون عليها للاستحمام.

بينما قال المواطن هيثم مصطفى، إنهم يعتمدون على البحر بشكل كبير، فبالإضافة للاستحمام، يملأ كل يوم خزان مياه صغير من البحر، ويغتسل هو وأبنائه في البحر، وتغسل زوجته الملابس والأواني.

وأكد مصطفى لـ"فلسطين بوست" أنه يلاحظ أن الناس يدخلون البحر أفواجاً، يخرج فوج ويدخل آخر، وتصطحب النساء أبنائها برفقة الملابس والمناشف، فبمجرد خروج الطفل من البحر تقوم الأم بوضع كمية قليلة من المياه العذبة على جسده، ثم تجفف جسمه بواسطة المنشفة، ثم يرتدون ملابس أخرى، ويُغادرون.

بينما أكد المواطن شادي جمعة، أن البحر قدم خدمات للنازحين لم تقدمها أية جهة، لكن الناس يجهلون أو يتجاهلون خطر تلوث مياه البحر بالصرف الصحي، حيث تصب عشرات المصارف المياه الملوثة في البحر بشكل مباشر، دون معالجة، وهذا جعل البحر ملوث، والسباحة فيه خطر كبير.

وأشار إلى أنه يعتقد بأن البحر تحول إلى مصدر للإصابة بالكثير من الأوبئة والأمراض، واستمرار السباحة فيه والاعتماد عليه بهذا الشكل قد يفاقم من الوضع الصحي للنازحين، لذلك يجب على جهات الاختصاص تحديد مواقع المناطق الملوثة، وتحذير الناس من السباحة فيها، أو تحويل مصارف المجاري بعيداً عن البحر.

من مكان للنزوح لمرافق استجمام

واستطاع النازحون تحويل البحر من مكان نزوح، إلى مرافق استجمام، إذ يُشاهد عشرات الآلاف على طول الشاطئ، البعض يجلسون ويتسامرون على الرمال، بينما الأطفال يلهون ويلعبون، والآلاف يسبحون في المياه، وهناك من يمارس رياضة الجري، أو لعب كرة القدم، وآخرون يستخدمون الرمال لأغراض علاجية، عبر دفن أجسادهم فيها، بهدف معالجة الأمراض الروماتيزمية.

ويقول المواطن نبيل نصر الله، إنه أُجبر على النزوح إلى شاطئ بحر خان يونس، وأقام وعائلته هناك، ومن أجل احتمال مرارة النزوح، وتخفيف وقعه على العائلة، طلب من أبنائه اعتبار العيش في خيمة بمثابة رحلة تخييم طويلة، وأن يستغلوا البحر وفصل الصيف من أجل الاستجمام، واللعب، وممارسة مختلف الأنشطة.

وأكد أن أبنائه يستيقظون كل صباح، ينقلون المياه، ويجلبون الحطب لإشعال النار، ثم يبدؤون بممارسة الرياضة والسباحة، ومنهم من أصبح يجيد السباحة التي يتدرب عليها كل يوم، ومنهم من يمارس رياضة الغوص الحر وبدأ بإتقانها، وآخرون يلعبون كرة القدم، وكل يوم يستمتع وأفراد أسرته بمنظر "شمس الأصيل"، وهي تغيب في البحر.

وأكد أن جيرانه في الخيام المجاورة أقاموا ملعب للكرة الطائرة، ووضعوا شبكة، ويمارسون تلك الرياضية كل يوم، بينا جلب آخرون شبكة صيد أسماك، ويضعونها في البحر مساءاً ويخرجونها عند الصباح، ويتناولون ما يخرجونه من أسماك.

وأوضح نصر الله لـ"فلسطين بوست"، أن النازحين على شاطئ البحر برعوا في التكيف مع الظروف العصيبة التي يعيشونها، واستطاعوا ببراعة تحويل النزوح لرحلة استجمام، وتعايشوا مع الواقع الجديد، وهي رسالة أن الشعب الفلسطيني شعب مُحب للحياة، قادر على أن يجعل من الأزمة فرح.

مخاوف من الشتاء

بينما قال المواطن أكرم عايش إن البحر خفف على النازحين كثيراً، وقدم لهم الماء، وأجواء الاستجمام، ومنحهم أوقات مرحة رغم الظروف العصيبة، لكن رغم كل هذا فثمة وجه آخر للبحر يتمنى النازحون أن لا يرونه في رحلتهم التي لا يعلمون متى قد تنتهي.

وأكد عايش لـ"فلسطين بوست"، أن الجميع يخشى أن تطول فترة النزوح حتى تصل لفصل الشتاء، فالبحر خلال هذا الفصل لا يمكن أن يستمر أي شخص بالإقامة على شاطئه، نظراً لارتفاع الأمواج، وهبوب رياح قوية، وهطول أمطار غزيرة تلك الفترة.

وأكد أنه حال جاء الشتاء والنازحون مكانهم، فإن جميع الخيام ستغرق، والمعاناة ستتعاظم، لذلك بدأ يفكر جدياً بالبحث عن مكان آخر يضع فيه خيمته خلال الأشهر المقبلة، حال لم يتمكن من العودة لرفح.

وتمنى عايش أن تنتهي العملية العسكرية في رفح في أسرع وقت ممكن، ليعود الناس الى بيوتهم، أو حتى إقامة معسكرات في مناطق في المدينة، سواء وسطها أو شمالها، عبر وضع خيام مقاومة للمطر، وإيصال المخيمات بالمياه.

ولجأ النازحون لإقامة سواتر رملية، وملئ أكياس كبيرة بالرمال، ووضعها أمام خيامهم، لمنع وصول مياه البحر إليها، بينما أحاط آخرون خيامهم بما يشبه التلال الرملية المرتفعة، ووضعوا وسطها الصدف، لتقويتها في صد الأمواج.

وقال المواطن يوسف النجار، إنه اضطر للنزوح من مناطق جنوب خان يونس، وجال كل مناطق المواصي، ولم يجد مكان يقيم فيه خيمة، ما اضطره للتوجه إلى شاطئ البحر، فوجد الخيام منتشرة على طوله، حتى اضطر أخيراً لوضع خيمته على حافة الشاطئ.

وبين أنه يُدرك خطورة إقامة الخيمة في هذا المكان، فأي ارتفاع للأمواج، وحدوث مد بحري سيغرق خيمته، وقد يؤدي ذلك إلى إغراق عائلته في منتصف الليل، لذلك يعمل منذ يومين على وضع سواتر ترابية، ويدعمها بشوالات ممتلئة بالرمال.

وأكد النجار أنه يُدرك بأـن ما يفعله مجرد حلول مؤقتة، وأنه حال بقي في مكانه شهرين فقط، سيكون وعائلته في مضرب الأمواج، لذلك يتخذ من مقر إقامته الحالي مكاناً مؤقتاً، ويبحث في كل يوم عن مكان جديد ينقل خيمته إليه.

بينما قال المواطن ياسر داوود، إنه كان في السابق يضع خيمة على شاطئ البحر للاستجمام عدة ساعات في فصل الصيف، ولم يتخيل في حياته أن تتحول هذه الخيمة إلى مكان للإقامة، فقد أضطر لوضع خيمته في أقرب مكان من الأمواج، ولولا التلة الرملية التي أقامها لغرقت خيمته عدة مرات، وفي كل صباح يستيقظ ويبدأ بمعاونة أبنائه في تدعيم تلك التلة، وزيادة ارتفاعها، حتى تكون سداً منيعاً أمام الأمواج.

كتب: محمد الجمل