أيقونة العملات

العملات

الدولار اليوم
اليورو اليوم
أيقونة الطقس

الطقس

أيقونة الإشعارات

اشعارات

غزة

نازحون على شاطئ البحر.. برد وجوع ورصاص من الزوارق

1 أبريل 2024

لعقود طويلة كان شاطئ البحر غرب قطاع غزة مكاناً لاستجمام العائلات في فصل الصيف، يقصده المواطنون وينصبون خيامهم، في رحلات استجمام تستمر عدة ساعات، يتخللها السباحة والترفيه، وشوي اللحوم.

لكن منذ بدء العدوان البري، وتزايد حالات النزوح من قطاع غزة، واكتظاظ منطقة المواصي، ومناطق غرب رفح وخان يونس، بات الشاطئ مكاناً للجوء آلاف العائلات، التي أقامت خياماً ليس للاستجمام هذه المرة، وإنما للإقامة والعيش.

أما الإقامة على شاطئ البحر في ظل أجواء باردة، وأمطار أحياناً، كان أمراً قاسياً، إذ واجهت العائلات هناك المرض، والجوع، والرطوبة العالية، وفوق كل ذلك، رصاص الزوارق، ونيران المُسيرات، التي لاحقتهم وقتلت وأصابت منهم المئات.

AFP_20240124_34GL8Z2_v1_HighRes_PalestinianIsraelConflictGaza-a9dee278-7091-4f1d-89a0-43583758abd2
 

حياة قاسية

وقال المواطن محمود الشاعر، من سكان وسط محافظة خان يونس، إنه نزح عن منزله بداية شهر يناير الماضي، وتوجه إلى غرب رفح، فلم يجد مكانا يقيم فيه من شدة الزحام، حتى اضطر لنصب خيمة بالية من قطع القماش على شاطئ البحر.

ووفق الشاعر فإنه كان يظن بأنه سيقضي أسبوعين أو شهر على الأكثر، لكنه مازال في خيمته منذ ثلاثة أشهر.

وأكد أنه واجه كل أصناف المعاناة في الخيمة، بدءاً من البرد القارس، والرياح شديدة البرودة، التي فتكت بأبنائه وأصابتهم بالأمراض، مروراً بالأمطار التي أغرقت خيمته أكثر من مرة، ودفعته وعائلته لمغادرتها في جنح الظلام، إضافة للجوع الذي أرهقهم، وهذه المعاناة كلها مضاف إليها رصاص الزوارق الذي يستهدفهم كل ليلة تقريباً.

وأكد الشاعر أنه اضطر لجلب أغطية إضافية، وملابس ثقيلة، ليحمي أبنائه من البرد، موضحاً أن منطقة الشاطئ لها خصوصية تختلف عن باقي المناطق، ففي النهار دافئة، وفي الليل شديدة البرودة، كما أن الرطوبة العالية جداً هناك تتسبب بأمراض صدرية، وتنفسية، ومعوية، وتصيب الهواتف النقالة بالعطل، عدا عن بلل الفراش في الليل.

وأوضح أن تناول جرعات الدواء الذي يحصل عليه مجاناً من عيادات "الأونروا" لا يتوقف في خيمته، فلا يكاد يشفى أحد أبنائه حتى يمرض الآخر وهكذا.

ويضطر النازحون لنصب خيامهم على الرمال والتراب مباشرة، من دون أن تكون هناك أية أرضية تحميهم، أو حتى يجلسون عليها، بحيث ينام المحظوظ منهم على فراش، بينما ينام آخرون على الرمال المبتلة بشكل مباشر.

في حين اضطر المواطن النازح خالد هاشم، لإقامة تلال رملية أمام خيمته من الناحية الغربية، لحماية أسرته من رصاص الزوارق الإسرائيلية، الذي يستهدفهم على مدار الساعة، خاصة خلال ساعات الليل.

ووفق هاشم، فإن الزوارق الإسرائيلية تفاجئ النازحين على الشاطئ بإطلاق النار دون سابق إنذار، وهذا تسبب بسقوط شهداء وجرحى، إذ بات الناس هناك يلجؤون لوضع أكياس من الرمل، أو سواتر ترابية لحماية أبنائهم، لكن هذا لا يجدي نفعاً مع بدء الدبابات بقصف خيام النازحين في تلك المناطق، إذ تعرضت الخيام مرات عديدة للقصف، وارتكبت مجازر في تلك المناطق، عل أبرزها قصف خيمة لعائلة المدهون، ما تسبب بسقوط 10 شهداء وعدد كبير من الجرحى.

وأكد أن الخطر والموت يلاحق النازحين أينما ذهبوا، حتى في المناطق التي زعم الاحتلال انها آمنة، يعيش الناس هناك الخوف والرعب، ويلاحقهم الرصاص والقذائف.

غير أن هاشم أكد أن ثمة أمر إيجابي وحيد نتج عن إقامة النازحين على شاطئ البحر، وهو توفر المياه لغسل الملابس وغسل الاواني، وأحياناً الاستحمام، فرغم أنها مياه مالحة، إلا أنها جيدة لتنفيذ بعض الأعمال المنزلية، التي يفتقدها النازحون في مناطق أخرى.

وكان "أدهانوم غيبريسوس" على حسابه عبر منصة "إكس": "التقارير التي تفيد بأن الخيام التي تؤوي النازحين في رفح قد تعرضت للقصف، وأدى ذلك إلى مقتل واصابة العشرات، بما في ذلك الأطفال، هي أنباء مشينة ويعجز اللسان عن وصفها".

مطاردة المساعدات

ويعيش النازحون على شاطئ البحر في رفح ظروف صعبة للغاية، حيث يفتقرون إلى المسكن اللائق والمرافق الأساسية، ويُواجهون صعوبة في الحصول على الغذاء والدواء.

وأمام هذا الوضع الصعب للنازحين عامة، والمقيمين على شاطئ البحر على وجه الخصوص، يضطر عشرات الآلاف منهم لمطاردة المساعدات الشحيحة، خاصة المظلات التي يجري اسقاطها بين الفينة والأخرى.

واضطر مواطنون لدخول البحر في ذروة الشتاء، والمخاطرة بأرواحهم من أجل الحصول على المساعدات التي سقطت في البحر بعد إلقائها من طائرات، وقد استشهد العديد منهم جراء ذلك.

وقال المواطن يوسف نعيم، إن النازحين على شاطئ البحر من أكثر الفئات فقراً وهشاشة، وحياتهم بالكامل تعتمد على المساعدات، لذلك يُرسل أبنائه إلى حي تل السلطان، ومنطقة "الطيارة"، للبحث عن الطعام والمساعدات.

وبين أن أحد أبنائه نجح بالحصول على طرود سقطت من الطائرة، وابنه الآخر أحضر طرد غذائي وزعته جهة خيرية في حي تل السلطان، وتكاد حياته تكون قائمة بالكامل على هذه المساعدات.

وأكد نعيم أن الجوع والفقر بات ينهشه وباقي النازحين، ويكررون مناشداتهم بشكل يومي، من أجل إمدادهم بالحاجيات الأساسية.
تواجه عمليات نقل المساعدات إلى القطاع مجموعة من العراقيل بسبب اشتداد الحرب، وإغلاق حدود غزة من قبل إسرائيل ومصر، إضافة إلى عمليات التفتيش الصارمة، والقيود التي تفرضها إسرائيل على البضائع المتجهة إلى القطاع المحاصر.

ويتفاقم نقص المساعدات، أيضاً بسبب أعداد النازحين الكبيرة وعدم قدرة المنظمات المتحدة لتلبية كل الاحتياجات، إضافة إلى عوائق أخرى ترتبط بالفوضى وانتشار أعمال النهب في قطاع غزة، بحسب الصحيفة.

تفاصيل يومية شاقة

وبخلاف المرض، والجوع، ومخاطر القصف، ثمة وجه آخر بائس لحياة الخيمة على شاطئ البحر، إذ يمتلئ يوم النازحين في الخيام هناك بتفاصيل مرهقة وشاقة، تبدأ من شروق الشمس، ولا تنتهي بإسدال الليل ستاره.

إذ يقول النازح عبد الله صلاح، إن البحر أصبح رفيقه في النزوح، فينام على صوت أمواجه المتلاطمة، ويصحوا على صوتها، ومنذ استيقاظه يبدأ رحلة العناء اليومية، إذ يقسم نفسه وأبنائه الى ثلاث مجموعات، الأولى مهمتها البحث عن المياه العذبة، وتعبئة ولو جالون واحد يكفيهم شرب ليوم.

والمجموعة الثانية متخصصة بجمع الخشب والحطب، وكل ما هو صالح للإشعال، ليتم تجهيزه لتقوم زوجته بطهو الطعام، وإنضاج الخبز، وتسخين المياه، وغيرها من الأعمال اليومية.

أما الفرقة الثالثة وهي تنقسم لقسمين، الأولى متخصصة بالبحث عن مصدر كهرباء لشحن الهواتف النقالة، وبطارية صغيرة تستخدمها العائلة للإنارة ليلاً، والفرقة الثانية متخصصة بالبحث عن تكيات الطعام المجانية، والطرود والمساعدات، التي باتت مصدر العائلة الوحيد للطعام.

وأكد صلاح أنه كان يعلم أن حياة الخيمة قاسية وصعبة، لكنه لم يتخيل أن تكون بهذه القسوة، فحين كان يسمع قصص حياة الخيام من جدته التي هُجرت قسراً عام 1948، كان يظن أنها قصص مضت وانتهى زمانها، ولم يتوقع أبداً أن يعيشها هو في العام 2024، لكن للأسف ها هو يتجرع مرارة الخيمة، ويستنشق وأسرته الهواء المشبع بالرطوبة، ويستقبلون الرصاص المنطلق من الزوارق، في حياة قاسية وبائسة.

وأكد صلاح ومواطنون آخرون، أنه وفوق المعاناة التي يواجهونها يومياً، هم يعيشون حياة الخوف والرعب، خشية اجتياح الاحتلال مدينة رفح، ولا يعلمون إن حدث ذلك ما هو مصيرهم، وأين سيتوجهون.

وكان "مارتن غريفيثس" منسق الأمم المتحدة للإغاثة الطارئة قال إن مدينة رفح، أقصى جنوب قطاع غزة، هي مركز العمليات الإنسانية في القطاع، فالمدينة التي كان عدد سكانها 250 ألف نسمة، تكتظ الآن بـ1.5 مليون شخص اضطر غالبيتهم إلى النزوح إليها سعيا للأمان، وقد حذر مسؤولو الأمم المتحدة من احتمال تنفيذ عملية هجومية واسعة النطاق بالمدينة وآثارها المدمرة على المدنيين.

وأكد غريفيثس أن العمليات العسكرية في رفح قد تؤدي إلى مذبحة في غزة، وقد تترك العملية الإنسانية الهشة بالفعل- على أعتاب الموت".
واستقبلت مدينة رفح منذ بدء العدوان قرابة مليون نازح من مختلف مناطق قطاع غزة، غالبيتهم العظمى يقيمون في خيام، وسط مخيمات عشوائية، خاصة في مناطق غرب وشمال غرب المدينة.