بالتوازي مع استمرار العدوان والحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، برزت الكثير من الظواهر السلبية على الساحة، منها ما يعرف بـ"السوق السوداء للسلع الغذائية".
وهي عبارة عن سوق تظهر على شكل بسطات صغيرة، يتم فيها عرض السلع الشحيحة والمفقودة، لكنها تباع بأسعار عالية جداً.
فقد ظهر في السوق المذكورة الدجاج المجمد إذ تباع الدجاجة الواحدة ما بين 60-70 شيكل، علماً أن ثمنها في نقاط البيع يتراوح ما بين 18-22 شيكل، كما يباع السكر مقابل 70 شيكل للكيلو جرام الواحد، وقائمة طويلة من السلع المفقودة.
وتنبهت الجهات المعنية في القطاع لتلك، الظاهرة، وبدأت بالعمل على مواجهتها، من خلال تشكيل لجان شعبية، للحد منها.
ظاهرة سلبية
ووصف مواطنون ظهور الأسواق السوداء في غزة بأنها من أسوأ وأخطر الظواهر، وتمس بشريحة كبيرة من المواطنين، وتشكل تهديد للأمن الغذائي، وتسحق الفقراء.
ويقول المواطن إبراهيم رجب لـ"فلسطين بوست"، إنه بحث عن السكر المفقود في غزة مطولاً، ولم يجده إلى في السوق السوداء بأضعاف ثمنه الأصلي، موضحاً أنه وقبل العدوان كان يشتري كيلو السكر مقابل 3 شيكل، أما الآن فالسعر يزيد على 30 شيكل.
وأكد أن أبنائه ألحوا عليه في طلب الدجاج الذي لم يتناولونه منذ قرابة الثلاثة أشهر، فخرج مبكراً إلى إحدى نقاط البيع التي حددتها وزارة الاقتصاد، ووقف في طابور طويل، لكنه لم ينجح في شراء الدجاج، حيث كانت الدجاجة تباع مقابل 25 شيكل.
وبين أنه توجه للسوق فوجد الدجاج يعرض على البسطات، ويباع بثلاث أضعاف قيمته الحقيقية.
وتساءل رجب كيف تم تسريب الدجاج من نقاط البيع للسوق السوداء، ولماذا لا يوجد ضابط للسوق، داعياً لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة.
حين يقول المواطن محمود عودة، وهو نازح من شمال القطاع ويقطن في محافظة رفح، إنه يبحث منذ أسبوع عن السكر المفقود في القطاع ولم يجده إلا في السوق السوداء بأسعار عالية، وكذلك زيت الطعام، وجده بأسعار مرتفعة.
وأكد أن ظهور السوق السوداء جعل السلع المتوفرة في القطاع حكراً على الطبقة الثرية والغنية، فأكثر من 90% من المواطنين لا يمتلكون القدرة المالية على شراء السلع بأسعارها العالية، ويضطرون للاستغناء عن قائمة طويلة من السلع، ويعيشون فقط على تناول المعلبات، التي انهكتهم وأرهقتهم، وتسببت في تناقص أوزانهم.
وبين أنه سمع بمبادرات شعبية من أجل مقاطعة تلك الأسواق، ومحاربة الاستغلال، ويتمنى أن ترتقي تلك الدعوات لدرجة التنفيذ، وأن يكون هناك دور شعبي فاعل لمحاربة الظواهر السلبية، التي تضر بالمواطنين، خاصة أن الأسواق السوداء باتت مكشوفة ومعروفة، ويمكن محاربتها بسهولة، واجتثاث القائمين عليها، ومنعهم من استغلال حاجة الناس.
ونجمت الأسواق السوداء عن تكدس أكثر من 1.4 مليون نسمة في محافظة رفح، في ظل شح كبير وغير مسبوق في السلع الغذائية، ما جعل مواطنون كثر يطاردون سلع قليلة، وهذا تسبب في تنامي الأسواق السوداء، وارتفاع أسعار السلع بشكل غير مسبوق.
سوق سوداء للوقود
ولم يقتصر وجود الأسواق السوداء على السلع الغذائية فقط، بل تعدى ذلك ليصل إلى مشتقات الوقود، الذي بات مفقوداً في المحطات، إذ يشاهد شبان وفتية يقفون أمام عبوات بلاستيكية تحوي على كميات من وقود السولار، وأحاناً البنزين.
ويباع لتر السولار الواحد ما بين 30-40 شيكل، بينما يزيد ثمن لتر البنزين على 100 شيكل، علماً أن سعره في السابق لم يكن يتجاوز 7 شيكل.
وقال السائق أيمن صلاح، إنه بات مجبراً على شراء الوقود من السوق السوداء، حتى يتمكن من تحرك مركبة الأجرة التي يمتلكها، ويعمل من أجل إعالة عائلته التي نهشها الجوع والفقر، مبيناً أنه يشتري زيت الطعام، ووقد السولار، ويقوم بخلطهما، لاستخدامهما كوقود، ويعمل ساعات طويلة، حتى يعود لبيته ببعض الأموال.
وقال إن أسوأ ما في الأسواق السوداء الخاصة بالوقود، قيام بعض الباعة بغش الوقود، بإضافة الماء إليه، ما يعرض المركبات للتلف، موضحاً أنه ورغم ذلك مضطراً لشرائه.
كما ظهرت أسواق سوداء لتعبئة أسطوانات الغاز، إذ يتم تعبئة الأسطوانة التي تباع مقابل 75 شيكل، بأكثر من 120 شيكل.
باب للرزق
ورغم مساوئ السوق المذكورة، إلا أنها كانت باباً للرزق للكثير من صغار التجار، ممن يحصلون على السلع المفقودة من هنا وهناك، ويعيدون بيعها بهامش ربح متفاوت.
ويقول الفتى سعيد منصور، إنه يعمل بائعاً على سبطة وسط رفح، ويبحث عن السلع الأكثر طلباً لشرائها والمتاجرة فيها، مبيناً أنه يشترى السكر، وزيت الطعام، والدجاج.
وأكد منصور أنه وأمثاله من صغار الباعة ليسوا مسؤولين عن تشكل ظاهرة السوق السوداء، فهم يشترون السلع من مصادر غير معروفة، وفي الغالب من مواطنين، ويبيعونها بمربح بسيط، فإذا أرادت جهات الاختصاص محاربة هذه الظاهرة، عليها تتبع مصادر وصول تلك السلع للسوق، وإن كان يعتقد أن معظمها يجلبه مواطنين حصلوا عليه من خلال تسلمهم مساعدات، أو اشتروا السلع ويرغبون بإعادة بيعها بهدف الربح، أو بعض التجار يسربونها للسوق، وفي كل الأحوال فإن ارتفاع الطلب على حساب شح العرض، يؤدي الى تلك الظاهرة، التي توقع أن تستمر، حتى يتم إغراق القطاع بالسلع، حينها فقط ستنتهي.
أسباب الظاهرة
وقال مصدر مطلع لـ"فلسطين بوست"، إن ظاهرة الأسواق السوداء انتشرت بسبب شح السلح، وتلاعب بعض التجار بطريقة خفية، موضحاً أن ما يحدث عن دخول السلع التجارية من المعابر، بـأن وزارة الاقتصاد بتحديد نقاط بيع في بعض المناطق، وتطلب من المواطنين التوجه لشراء احتياجاتهم منها، ويبدأ التجار ببيع السلع بسعر معلن، لكن بطريقة أو بأخرى، يُسرب التاجر كميات من السلعة، ويبيعها في السوق السوداء.
وأوضح نفس المصدر أن بعض التجار الصغار، يصطفون في طوابير الشراء، ويجلبون أقاربهم وأصدقائه، ويعطونهم الأموال لشراء أكبر كمية من السلعة، مع العلم أنه يتم تحديد سقف مشتريات لكل شخص، وهؤلاء التجار ينجحون من خلال الأشخاص الكثر بشراء كمية كبيرة من السلع، ثم يعيدون بيعها على البسطات في سوق سوداء، بأضعاف ما تم شرائه.
وفي محاولة لإضعاف دور جهات الاختصاص، وتغذية الفوضى، وتفشي ظاهرة السوق السوداء، استهدف الاحتلال في العاشر من شهر فرير/شباط الماضي، مركبة مدنية كانت تسير في حي تل السلطان غرب مدينة رفح، ما أسفر القصف عن استشهاد أحمد محمد يوسف اليعقوبي، مدير مباحث محافظة رفح، وأيمن سمير محمود الرنتيسي، نائب مدير المباحث، وإبراهيم عبد الله فوزي شتات، مدير مباحث التموين، والثلاثة كانوا يتولون مهمة ضبط الأسواق، ومنع تسريب السلع.
لجان حماية لضبط الأسواق
وخلال الأيام الماضية، انتشر العشرات من الشبان المتطوعين في أسواق محافظة رفح، جنوب قطاع غزة، في محاولة لضبط الأسعار، ومنع تفاقم ظاهرة السوق السوداء، التي أرهقت المواطنين في ظل الحرب.

وشوهد شبان يضعون على وجوههم أقنعة، وعُصب مكتوب عليها "لجان الحماية الشعبية"، ينتشرون في الأسواق، ويراقبون عمليات البيع، ويضبطون الأسعار.
وقال عدد من هؤلاء الشبان، إن تحركهم جاء تلبية لمطالبات شعبية، لضبط الأسواق، ومنع الاحتكار والاستغلال، ومنع أية محاولة لاستغلال معاناة الناس، في ظل تفاقم الأوضاع المعيشية.
وأكدوا أن جزء منهم متخصص بحماية شاحنات المساعدات التي تتعرض باستمرار للسلب والنهب من قبل بعض اللصوص.
وأكد شبان أن وجودهم في الأسواق سيتواصل خلال الفترة المقبلة، حتى يشعر المواطنون بالاطمئنان، ويمتنع التجار عن الاستغلال والاحتكار.
وتباينت آراء المواطنين حول تلك الخطوة، ففي حين رحب معظمهم بها، طالب آخرون بخطوات أخرى لخفض الأسعار في الأسواق، خاصة في نقاط البيع الرسمية المعلنة.

كتب : محمد الجمل