لازال العدوان الإسرائيلي الواسع والمتواصل، يعصف بجميع سكان القطاع، مخلفاً آثاراً صحية، ونفسية، واجتماعية، واقتصادية كارثية خطيرة.
ومن بين ضحايا هذا العدوان، كانت النساء الحوامل ومواليدهن، حيث تعاني الحوامل من مخاطر سوء التغذية، وعدم توفر العلاجات، وندرة المتابعات في المستشفيات، وكذلك الولادات غير الآمنة، بينما يواجه الأطفال حديثي الولادة مخاطر الموت، بسبب نقص التدفئة، وانعدام الاحتياجات، من حليب، وملابس، وحفاضات وغيرها.
أوضاع كارثية
المواطنة منة الله حسونة، من سكان مدينة رفح، أكدت لـ"فلسطين بوست"، أنها عانت صعوبات كبيرة في آخر أربعة أشهر من حملها، من انعدام التغذية، وعدم وجود متابعة لحملها، والأخطر من ذلك حالتها النفسية السيئة، جراء الخوف، وتكرار النزوح، من مكان لآخر.
وقالت أنها فوجئت بآلام المخاض في منتصف الليل، ومستشفى الولادة يبعد عن البيت الذي تتواجد فيه أكثر من 4 كيلو متر، ولم تجد أية وسيلة مواصلات تنقلها، وفي تلك الليلة كان هناك غارات جوية عنيفة، ما حال دون وصول سيارة اسعاف لنقلها.
وأوضحت انها وصلت المستشفى بواسطة عربة كارو يجرها حيوان، وبعد ساعتين وضعت طفلتها، ثم غادرت إلى منزل والدها، لتفاجئ بسلسلة من المشاكل والعقبات تنتظرها، فلا يوجد ملابس كافية للطفلة، ولا تغذية لها، ولا حفاضات، أو فوط نسائية، والأخطر من ذلك أنها تواجه مشكلة كبيرة في تدفئة الطفلة، فالأطفال في هذا السن الحرجة، بحاجة للحفاظ على درجات حرارة أجسادهم، ومن المفترض أن يتوفر لديها مدفأة، لكن لا يوجد أي نوع من الوقود والكهرباء لذلك، ما يضطرها للف الطفلة بقطع من القماش، وأغطية، للحفاظ على حرارة جسدها.
وبينت أنها اجتهدت، وحاولت توفير ما استطاعت من احتياجاتها واحتياجات الطفل، وتشعر أن الأمور ليست على ما يرام، فالطفلة دائمة البكاء بسبب الجوع، ونقص الحليب، وعدم توفر بديل صناعي.
أما المواطنة أميرة عمر، وتقيم في خيمة برفقة عائلتها، فأكدت أنها وضعت مولدها في ظل أجواء من الخوف والرعب، والقصف، وعندما عادت للخيمة لم تجد أي شيء لها ولا لطفلها، ما اضطر والدها لمناشدة بعض الجهات الخيرية، التي وفرت لها بعض الحاجيات البسيطة، لكنها لازالت تفقد الكثير من الأشياء.
وأكدت عمر أنها تحتاج إلى حفاضات، وإلى حليب، فهي غير قادرة على اشباع الطفل بسبب سوء التغذية وشح الحليب في صدرها، كما أنها تحتاج لملابس لتدفئة الطفل، وأدوية لاستكمال علاجها ما بعد الولادة.
وأشارت إلى أن أكثر ما تخشاه بدء الاحتلال هجوماً على محافظة رفح، حينها ستضطر وعائلتها ورضيعها للنزوح، وهي لا تستطيع المشي بسبب مضاعفات الولادة، والطفل لا يحتمل التعرض للمزيد من البرد، ما قد يؤدي إلى مخاطر كبيرة على حياتها وحياة طفلها الرضيع.
مبادرات بسيطة
ودفع الوضع المأساوي الذي تعيشه السيدات الحوامل، والمرضعات، خاصة حديثات الولادة، بعض الشبان والفرق الإغاثية المحلية لمحاولة إطلاق مبادرات صغيرة، من أجل مساعدة السيدات اللواتي وضعن حديثاً.
ويقول الشاب المبادر محمد صلاح، إنه ومن خلال تبرعات محلية، استطاع توفير بعض الاحتياجات للنساء اللواتي وضعن حديثاً، إذ تمكن خلال الفترات الماضية من توزيع حليب للرضع، وكذلك معلبات "حلاوة طحينية"، إضافة لطرد صحي صغير، يمكن أن يساعد السيدات في مثل هذه الظروف العصيبة.
وأكد صلاح أن الاحتياج كبير جداً، والوضع في رفح كارثي، فعشرات السيدات يضعن مواليد جدد يومياً، وهو وغيره من المبادرين يجتهدون للمساعدة، داعياً الجميع للالتفات لمعاناة السيدات الحوامل، والمرضعات في قطاع غزة، خاصة مدينة رفح، التي باتت تعاني الأمرين.
بينما قال مبادرون آخرون، لـ"فلسطين بوست"، إنهم استطاعوا توفير حفاضات أطفال، وحليب، وبعض الملابس التي تخص الأطفال الرضع.
وأكدوا أن وضع المواليد الجدد سيء وبائس، فالكثير من السيدات اللواتي وضعن حديثاً بتن عاجزات عن إرضاع أطفالهن، بسبب سوء التغذية، والحاجة للحليب الصناعي كبيرة، كما أن هناك شح في وسائل التدفئة التي باتت ضرورية للأطفال الرضع في هذه المرحلة، خاصة مع استمرار تدني درجات الحرارة.
سيدات وأطفالهن يواجهن الموت
وفي بيان مشترك صدر مؤخراً، حذرت منظمة اليونيسف ووكالة الغوث الدولية "الأونروا"، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ومنظمة الصحة العالمية، أكدوا جميعاً تعطل كبير في الخدمات الصحية للأمهات والأطفال حديثي الولادة، بسبب عمليات القصف، وتضرر المرافق الصحية أو وقوفها عن العمل، ومستويات النزوح الهائلة، وانهيار إمدادات المياه والكهرباء، فضلاً عن القيود على الوصول إلى الغذاء والدواء.
وتوقعت الوكالات أن ترتفع وفيات الأمهات في غزة، وحذرت من أن الآثار النفسية الناجمة عن "الأعمال العدائية" لها أيضاً عواقب مباشرة على الصحة الإنجابية، "بما في ذلك ارتفاع حالات الإجهاض الناجم عن التوتر، وحالات الإملاص، والولادات المبكرة".
من جهتها قالت المتحدثة باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" تيس إنغرام -بعد عودتها مؤخراً من زيارة إلى غزة "هناك طفل يولد كل 10 دقائق، وسط هذه الحرب المروعة".
وأضافت أن "الأمومة يجب أن تكون مناسبة للاحتفال، أما في غزة، فإنه طفل آخر يخرج إلى الجحيم"، مشددة على ضرورة القيام بتحرك دولي عاجل.
وتابعت "رؤية أطفال حديثي الولادة وهم يعانون، بينما تنزف بعض الأمهات حتى الموت، يجب أن يقض مضاجعنا جميعاً".
وقالت "تواجه الأمهات تحديات تفوق الخيال، للحصول على الرعاية الطبية الكافية، والتغذية، والحماية، قبل، وأثناء، وبعد الولادة".
وأضافت أن "وضع النساء الحوامل والأطفال حديثي الولادة في قطاع غزة لا يمكن تصوره، ويتطلب إجراءات مكثفة وفورية".
ولفتت المتحدثة باسم اليونيسيف إلى أن معدل وفيات الأطفال حديثي الولادة في غزة غير معروف حتى اللحظة.
أوضاع خطيرة
ووفق ما أكدته بعض القابلات، العاملات في مستشفيات جنوب ووسط القطاع، فإن الحوامل وحديثات الولادة يتعرضن لمشاكل صحية، بسبب النزوح والتوتر، بالإضافة إلى نقص المياه والطعام، فتقول القابلة ، سحر عبد السميع: "من أكثر المشكلات التي تواجهنا هي التهابات البول بسبب النقص الشديد في شرب المياه لأن المياه غير متوفرة، وأيضا حالات النزيف لعدم وجود المواصلات حيث تضطر الأمهات للمشي مسافات طويلة، مثلا من غزة إلى خان يونس، فيُسبب لها الارهاق الشديد والتعب نزيف."
بينما قالت مؤسسة "أكشن إيد" فلسطين إن عشرات الآلاف من النساء الحوامل يعانين من الجوع الشديد بسبب الأزمة الغذائية المتصاعدة في غزة، كما تعاني الأمهات من سوء التغذية، ما يحد من قدرتهن على إرضاع أطفالهن حديثي الولادة من خلال الرضاعة الطبيعية.
وأضافت "أكشن إيد" في بيان صدر عنها، إن 71% من سكان غزة يعانون حاليا من الجوع الحاد، في حين أن 98% من السكان ليس لديهم ما يكفي من الطعام حسب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان.
وأشارت إلى أن هذه الأزمة تؤثر على النساء الحوامل والأمهات وأطفالهن الصغار بشكل حاد، مبينة أن هناك 50,000 امرأة حامل، و68,000 مرضع في غزة وفقا لبيانات الأمم المتحدة الأخيرة، وهن بحاجة إلى تدخلات وقائية وعلاجية وغذائية فورية منقذة للحياة، كما يعاني 7685 طفلا دون سن الخامسة من الهزال الذي يهدد حياتهم، ما يجعلهم عرضة لتأخر النمو والمرض والوفاة في الحالات الشديدة، في حين يتم تصنيف أكثر من 4000 طفل يعانون من حالات الهزال الشديد، وهم بحاجة إلى علاج منقذ للحياة.
كتب: محمد الجمل