أيقونة العملات

العملات

الدولار اليوم
اليورو اليوم
أيقونة الطقس

الطقس

أيقونة الإشعارات

اشعارات

تقارير بوست

مهن الحرب.. شبان يخاطرون بحياتهم لتحصيل لقمة العيش لأسرهم

24 ديسمبر 2023

دفعت البطالة المرتفعة، والفقر المتفشي في قطاع غزة، مئات بل آلاف الشبان لامتهان مجموعة من المهن الجديدة، أو العمل في مهن قديمة لكن في ظل ظروف مختلفة، بعض هذه المهن شاقة وخطيرة، في محاولة لتوفير لقمة العيش لعائلاتهم، التي نهشها الجوع والفقر.

"فلسطين بوست"، رصدت مجموعة من تلك المهن، وبعضها مستحدثة لم تكن دارجة قبل الحرب، منها التحطيب في المناطق الخالية، وصيد الأسماك في البحر الممتلئ بالزوارق، والعمل في قطاع الزراعة تحت أعين طائرات الاستطلاع، وكذلك سائقي مركبات الأجرة، ممن ينقلون المواطنين لمناطق وأحياء تتمركز على مقربة منها الدبابات.

التحطيب مهنة الموت

فطن شبان متعطلون عن العمل لحاجة المواطنين في غزة لكميات كبيرة من الحطب والخشب، الذي بات وقوداً قسرياً لطهي الطعام، وإعداد الخبز، خاصة في ظل الحصار الإسرائيلي الخانق، ومنع دخول غاز الطهي بصورة طبيعية.

9998803607
 

ورغم استهداف طائرات الاحتلال عدة مرات للحطابين، وسقوط أكثر من 12 شهيد منهم، إلا أن العمل في تلك المهنة يتواصل، إذ يحمل شبان معدات بسيطة منها فأس ومنشار، ويغادرون منازلهم بصورة يومية، متوجهين إلى مناطق المحررات، والأراضي المفتوحة في منطقة المواصي الساحلية، حيث تنتشر الأشجار الحرجية، ويبدؤون بقص الأغصان، والحفر على الجذور لقطعها أيضاً.

ويقول الشاب محمد شلوف، إن مهنتهم شاقة وخطيرة، لكنهم اضطروا لخوض غمارها، فأسرته تعاني الفقر والعوز، بعد أن فقد هو وشقيقه عملهما حيث كان أحدهما يعمل في مجال البناء، والآخر في طلاء المركبات، ولم يعد هناك أي مصدر دخل للعائلة.

وأكد شلوف أنه وشقيقه يحملان روحهما على كفيهما، ويعملان ما بين 6-8 ساعات يومياً، ينجحان خلالها في قص وتجميع كمية من الحطب، ويعودان للمنزل، لاستكمال تقطيعها، وفي اليوم التالي يعرضانها للبيع في مركز مدينة رفح، وحين تنفذ يتوجهان لجلب غيرها وهكذا.

وبين أن ثمة إقبال كبير على مهنة التحطيب، وهناك العشرات من الشبان ينتشرون في كل مكان، ويقطعون الاشجار في مناطق المحررات، وفي الأماكن العامة، حتى باتت الأشجار شحيحة جداً في مناطق جنوب القطاع.

وأكد أنهم يبيعون كيلو الحطب مقابل 3 شيكل، ويحققان دخل جيد، لكن للأسف أسعار المواد الغذائية عالية، ولا يستطيعان شراء كفاية عائلتهم منها بما يحققانه.

واشتكى مواطنون من سرعة اختفاء الغطاء النباتي في قطاع غزة، بينما حذر  خبراء بيئيون من انعكاسات الظاهرة على مستقبل القطاع، فالأشجار جزء مهم من النظام الحيوي والبيئي، وتسهم في التخلص من غاز ثاني أوكسيد الكربون السام، وتنتج غاز الأوكسجين الضروري لاستمرار الحياة، وقطعها بشكل جائر كما يحدث حالياً له عواقب وخيمة.

مزارعون تحت النار

بعد أسابيع طويلة من العدوان، أُجبر مزارعون فقراء على العودة لأراضيهم، بهدف استصلاحها مجدداً وزراعتها بما أمكن من محاصيل شتوية، خاصة وأن أسعار الخضروات كافة ارتفعت ما بين 300-700%، وهذا جعل المزارعين يخاطرون بحياتهم أملا بنجاح دوراتهم الزراعية، وصولاً لمرحلة الجني وبيع المحصول.

NbQbn.jpeg
 

وبدأت تشهد الأراضي الزراعية خاصة في مناطق جنوب ووسط القطاع، نشاط محدود، إذ يتوجه مزارعون وعمال إليها، ويباشرون عملهم عدة ساعات، وبعضهم يرفعون رايات بيضاء، وآخرون يعملون وهم يرددون الأدعية، وينطقون الشهادتين عدة مرات.

الشاب بلال حسونة، أكد أنه كان يعمل في قطاع الزراعة قبل العدوان، وكان يتقاضى على كل ساعة عمل 5 شيكل، لكنه فقد عمله، ويجلس في البيت، مبيناً أنه فوجئ بصاحب مزعة عمل فيها سابقاً، يأتي إلى المنزل ويطلب منه العمل معه، فرفض كون الأرض الزراعة شرق رفح، لكنه عرض عليه 25 شيكل مقابل كل ساعة عمل، فقبل رغم عمله المسبق بالخطر الشديد.

وبين أنه يعمل يومياً ما بين 4-5 ساعات، ويقطفون ثمار الباذنجان، والفلفل الأخضر والملفوف، ويجهزون مساحة من الأرض لزراعتها بمحصول البازيلا، لكن الوضع خطير، فطائرات الاستطلاع تحلق فوقهم على مدار الساعة، والانفجارات التي يسمعونها لا  تتوقف، وأحيانا يصلهم الرصاص سواء من الدبابات المتمركزة على الحدود الشرقية أو تلك المتواجدة في مناطق التوغل.

وأكد حسونة أنه ولولا الحاجة الماسة للمال، لجلب الطعام والأساسيات لأسرته، لما فكر بالمغامرة بحياته مطلقاً، ولما توجه للعمل في تلك الظروف الخطيرة، مبينا أنه سيعمل لأسبوع آخر، ثم يتوقف، فكل يوم يشعر بالخوف والقلق، وأسرته تبقى قلقة عليه حتى يعود من العمل.

الصيد في بحر ممتلئ بالزوارق

منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين أول الماضي، فرض الاحتلال حصاراً بحرياً مشدداً على قطاع غزة، ودفع بعدد كبير من الزوارق الحربية، والبوارج إلى بحر القطاع، إذ تنتفد تلك القطع البحرية عمليات قصف وإطلاق نار متواصلة على مدار الساعة.

وفي خضم هذه الأخطار الكبيرة، يغامر بعض الصيادين بحياتهم، ويدخلون البحر خلسة، عبر مراكب صغيرة تتحرك بواسطة مجدافين، في ساعات المساء ويضعون الشباك على مسافة تتراوح ما بين 500-1200 متر من الشاطئ، ويغادرون سريعاً، ثم يعودون في الصباح التالي، ويراقبون البحر من بعيد، ويتحينون الفرصة المناسبة بعد ابتعاد الزوارق قليلاً، ويدخلون البحر لجمع الشباك وإخراجها وما بها من أسماك، ثم ينظفونها، ويبيعون الأسماك للمواطنين.

ويقول الصياد أحمد زعرب، إن العمل في مهنة الصيد في ظل العدوان أمر خطير جداً، لكنه بات أمراً اضطرارياً بعد أن فتك الجوع بمعظم الصيادين، وأصبحوا شبه متسولين.

وبين أنه ورغم قلة الأسماك في المساحة الصغيرة التي يمكنهم الوصول ليها، في بعض الأيام، إلا أن خلو البحر من المراكب، وتوقف الصيد يدفع الأسماك للاقتراب من الشاطئ، ما يسهل صيدها، وبالتالي قد يحظى الصيادون بصيد جيد في بعض الأحيان.

وأوضح زعرب أن كثرة النازحين في مناطق المواصي، وقرب شاطئ البحر، يسهل على الصيادين بيع ما تمكنوا من صيده من أسماك، فيشترون بما حققوه من دخل بعض المعلبات والسلع الأساسية والهامة لأسرهم.

وقال زعرب: "مهنة الصيد في الوقت الحالي باتت مغمسة بالدم، فالصياد إذا ما دخل البحر قد لا يعود، فالزوارق من أمامه، والطائرات المسيرة من فوقه، لكن إطعام الاسرة الجائعة أمر يستحق المغامرة من قبل رب الأسرة"

وتمنى زعرب لو تتوقف العدوان وعاد وغيره من الصيادين لممارسة حرفتهم بحرية، رغم أن مواسم مهمة كان ينتظرها الصيادون انتهت دون أن يتمكنوا من استغلالها.

سائقون في فم الموت

ومن بين المهن الخطيرة والشاقة، كانت مهنة سائقي مركبات الأجرة، خاصة أولئك ممن يقومون بتوصل المواطنين بين المحافظات، ويضطرون لعبور طرقات خطرة، أو الوصول لأحياء تتمركز الدبابات والآليات العسكرية في محيطها.

وأكد سائق مركبة الأجرة عبد الله جابر، إنه ينقل الركاب من محافظة رفح إلى خان يونس المجاورة، التي تتعرض لعدوان متواصل منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، ويشعر أنه يعمل في ظل ظروف خطرة للغاية، فيضطر في معظم الأيام لإنزال الركاب على مدخل المحافظة الجنوبي "مفترق العلوم والتكنولوجيا"، ويطلب منهم السير باتجاه مستشفى ناصر، نظراً لوجود طائرات "كواد كابتر" في مناطق وسط المدينة تحلق باستمرار، وتطلق النار تجاه كل ما هو متحرك.

وبين أنه يضطر أحياناً للتوجه لمدينة دير البلح أو أطراف مخيم النصيرات، ومن أجل ذلك يسلك طريق البحر الخطرة، التي تتعرض لإطلاق نار سواء من الزوارق الحربية أو من دبابات متمركزة على طريق المطاحن، لكن في سبيل لقمة العيش يجب أن يخاطر.

وأكد جابر أن العديد من زملائه السائقين تعرضوا لإطلاق نار، أو حدث قصف بجوارهم، والكثير منهم استشهدوا او أصيبوا، لكنهم لا يستطيعون الجلوس في بيوتهم بسبب شعورهم بالخطر، فهم بحاجة للعمل من أجل إطعام أبنائهم.

وأكد أن مهنة السائقين خطيرة وشاقة وغير مجدية، فالسائق يواجه مصاعب كبيرة في تحصيل الوقود، سواء السولار أو زيت الطعام، بسبب ارتفاع أسعاره وندرته، ويواجه خطر كبير خلال تحركاته، إضافة لتعرضه لمضايقات واتهامات من الركاب، بالاستغلال والمغلاة، حين يطلب منهم تعرفة أعلى للمواصلات، وهم لا يعلمون أن ثمن لتر الوقود الذي كان يباع بأقل من 7 شيكل، وصل الآن إلى 40 شيكل، وثمن عبوة الزيت 3 لتر التي كانت تباع مقابل 17 شيكل الآن تباع ب 55 شيكل.

يذكر أن آلاف المركبات توقفت بسبب شح الوقود، في حين دمرت المئات خلال العدوان الإسرائيلي المتواصل على القطاع.

كتب: محمد الجمل