استغل الاحتلال حربه الطاحنة على قطاع غزة، وعمل وفق منهجية مدروسة ومخطط لها، تهدف إلى ضرب الكثير من القطاعات الحيوية والهامة، وتكبيد الغزيين خسائر كبيرة.
وبدا واضحاً أن تاريخ غزة وتراثها وحضارتها كان هدفاً مفضلاً لآلة الحرب الإسرائيلية، التي قصفت ودمرت العشرات من المواقع الأثرية، من بينها مساجد، وكنائس، ومقار ثقافية وتراثية، وحتى أحياء تاريخية قديمة مثل حي الدرج.
"فلسطين بوست"، تابعت ملف قصف واستهداف حضارة غزة وتاريخها، ومساجدها وكنائسها الأثرية، إضافة لاستهداف دورها الثقافية، ورصدت أهم المنشآت والمباني التي تم تدميرها.
استهداف دورعبادة تاريخية
وتعمد الاحتلال استهداف وقصف ثاني أقدم كنيسة في العالم في بدايات الحرب على غزة، وهي كنيسة القديس "برفيريوس" للروم الأرثوذكس، وهي أقدم كنيسة في قطاع غزة لا تزال مفتوحة، وتقع بجانب مسجد "كاتب ولاية"، في غزة القديمة، وقد بنيت فوق ضريح القديس برفيريوس.
وتقع الكنيسة على مقربة من المستشفى الأهلي "المعمداني" الذي تعرّض لمجزرة إسرائيلية كبيرة خلّفت 471 شهيداً، ويتبع المستشفى للكنيسة الأسقفية الإنجيلية بالقدس.
وخلف تدمير الكنيسة حالة غضب عارمة في العالم المسيحي، وصدرت بيانات شجب وإدانة واسعة، خاصة أن ثمانية من الفلسطينيين المسيحيين قضوا جراء القصف المذكور.
ولم يتوقف الاحتلال عن استهداف دور العبادة الاأثرية والتاريخية، إذ استهدف المسجد العمري الكبير في مدينة غزة، وهو أحد أهم المساجد وأقدمها في فلسطين، وأول مساجد قطاع غزة وأكبرها وأعرقها، ويقع في حي الدرج، وله تاريخ كبير، يعود تاريخه لأكثر من 100 عام، وهو ملاصق لسوق القيسارية التاريخي، وهو ضخم البناء والقيمة الأثرية، وجميل الشكل والهندسة، تقام فيه الصلوات، ويُدرس فيه المدرسون، وبجانبه مكتبة عامرة منذ القدم.
وأظهرت صور نشرتها وسائل إعلام فلسطينية في غزة أضرارًا جسيمة بالمسجد، إذ سقطت بعض الجدران، وجزء من السقف، وحدث صدع كبير في الجزء السفلي من المئذنة الحجرية.
كما دمر الاحتلال قصر "السيد هاشم" هو من أهم المساجد في مدينة غزة بالبلدة القديمة، حيث يوجد به قبر جد الرسول، صلى الله عليه وسلم، هاشم بن عبد مناف، الذي ارتبط اسمه باسم المدينة، إضافة لتدمير مسجد "عثمان بن قشقار" الأثري في البلدة القديمة بمدينة غزة.
كما قصفت الطائرات "قصر الباشا" الواقع في حي الدرج، إضافة لتدمير مسجد "الظفر الدمري"، الذي يعتبر أحد الأماكن الأثرية في حي الشجاعية، التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي بشكل كامل، ودار السقا الأثرية التي بناه أحمد السقا في القرن السابع عشر للميلاد في عام ،1661 في عهد السلطان محمد الرابع بن السلطان إبراهيم، ويُعتبر أول منتدى اقتصادي في فلسطين، وجرى تدميره أول مرة بقذيفة تعرض لها خلال حرب عام 1948، ثم أعيد ترميمه، ودمر مجددا في العدوان الحالي.
وبالإضافة لما ذُكر، دمرت طائرات الاحتلال خلال العدوان الحالي "مقام الخضر" في مدينة دير البلح، وقد تعرض لقصف جزئي، وهو أول دير مسيحي يُبنى في فلسطين، وذلك على يد القديس هيلاريوس، خلال الحقبة البيزنطية، الذي أقام فيه حتى مماته، وهو أقدم دير لا يزال قائماً في فلسطين.
تدمير متاحف ودور ثقافية
وبحسب وزارة الثقافة، فقد قصفت طائرات الاحتلال ثمانية متاحف، منها: متحف رفح، ومتحف القرارة، ومتحف خان يونس، إضافة إلى تدمير معظم أجزاء البلدة القديمة لمدينة غزة، بما فيها عشرات المباني التاريخية.
وتقول مديرة متحف رفح، سهيلة شاهين معلقة على تدمير المتحف الذي تديره، "كانت هناك قطع لا تقدر بثمن، من عملات معدنية، وأحجار كريمة، وألواح نحاسية وملابس.."
كما دُمرت آلة الحرب الاسرائيلية تسعة دور نشر ومكتبات، بالإضافة إلى تضرر عدد من المراكز الثقافية بشكل كلي أو جزئي، عُرف منها 21 مركزاً، كما تعرضت معظم أجزاء البلدة القديمة لمدينة غزة للتدمير بما فيها 20 مبنى تاريخياً، من كنائس، ومساجد، ومتاحف، ومواقع أثرية، وتدمير وتضرر 3 أستوديوهات وشركات إنتاج إعلامي وفني.
كما دمرت آلة الحرب الإسرائيلية بالصواريخ مبنى مركز رشاد الشوا الثقافي غربي مدينة غزة، الذي يعتبر من أهم المعالم التاريخية والثقافية، إذ كان شاهدًا على جلسة للمجلس الوطني الفلسطيني بحضور الرئيس الراحل الشهيد ياسر عرفات أبو عمار، والرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون.
ودمرت الطائرات كذلك "المدرسة الكاميلية"، هي المدرسة التاريخية الوحيدة المتبقية في غزة، وتقع في قلب البلدة القديمة في المدينة، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى الملك الأيوبي الكامل الذي بناها سنة 653هـ 1237م، واستخدمت المدرسة منذ إنشائها لإيواء الفقراء والطلاب والتجار وظلت نشطة حتى عام 1930.
وبحسب المخطط الأفقي، تبلغ مساحة المدرسة 573 مترًا مربعًا، وتتكون من طابقين. وتم تصميم المدرسة بفناء مركزي محاط بغرف تفتح كل منها أبوابها ونوافذها على الفناء الداخلي، والواجهة الرئيسية موحدة وتتميز بقوس مدبب مصنوع من الرخام، تم تشييد المدرسة باستخدام الحجر الرملي، وتتبع أسلوب البناء السائد خلال العصرين الأيوبي والمملوكي.
بينما قالت إسبر صابرين، رئيس منظمة التراث من أجل السلام: "إذا اختفى هذا التراث في غزة، فسيكون ذلك خسارة كبيرة لهوية الناس في غزة".
وأضاف صابرين أن منظمته تخطط لمواصلة أعمال المسح ومراقبة حالة المعالم الثقافية في غزة خلال الأشهر المقبلة، سواء على الأرض بالتعاون مع السكان المحليين، أو باستخدام صور الأقمار الصناعية.
وقال: "إن سكان غزة لديهم الحق في الحفاظ على هذا التراث والحفاظ عليه، وسرد التاريخ وأهمية هذه الأرض".
وقال متحدث باسم "اليونسكو" في وقت سابق، إن الأخيرة تشعر بقلق عميق إزاء التأثير السلبي للقتال المستمر على التراث الثقافي في فلسطين وإسرائيل".
وأكد أن "منظمتنا تدعو جميع الأطراف المعنية إلى الالتزام الصارم بالقانون الدولي، ولا ينبغي استهداف الممتلكات الثقافية أو استخدامها لأغراض عسكرية، لأنها تعتبر بنية تحتية مدنية.
وتحمي اتفاقية لاهاي لعام 1954، التي وقع عليها الفلسطينيون والإسرائيليون، المعالم التاريخية من ويلات الحرب، وتعتبر أن المساس بها مخالفات جسيمة للقانون الدولي.
تدمير مبنى الأرشيف
وقصفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي مبنى الأرشيف المركزي التابع لبلدية غزة، وأعدمت آلاف الوثائق التاريخية التي تعد إرثاً لأهالي القطاع.
ووفق بلدية غزة، فقد طال القصف طابقين من المبنى المؤلف من خمسة طوابق، ما تسبب بتدمير وحريق كبير في المبنى في المقر الرئيس للبلدية في ميدان فلسطين وإعدام آلاف الوثائق التاريخية التي توثق مبني المدينة ومراحل تطورها العمراني.
وأفادت البلدية أن الاحتلال تعمد قصف المبنى وإعدام الوثائق بهدف إدخال المدينة في حالة من الفوضى، وتدمير كل ما يرمز إلى تاريخ المدينة وحضارتها، لاسيما أن الأرشيف يضم وثائق تاريخية يزيد عمرها عن 100 عاماً.
عرض التقرير الصادر "مبادرة التراق من أجل السلام"" قائمة بأسماء المعالم الأثرية والتراثية في قطاع غزة التي تعرضت للدمار كلياً أو جزئياً بسبب الحرب، وشملت حوالي 23 معلماٍ، بالإضافة إلي أكثر من 70 منزلاً أثرياً، فضلاً عن مركز المخطوطات والوثائق القديمة الذي تم تدميره كلياً.
حرب على التاريخ والتراث
ووفق أستاذ التاريخ في جامعة القدس المفتوحة البروفيسور مروان جرار، فإن الهدف الإسرائيلي من العدوان على المعالم التاريخية والسيادية في غزة، هو "كي الوعي الفلسطيني، موضحاً أن ما يجري هو محاولة لمحو التاريخ الفلسطيني، وجزء من إستراتيجية تهويد المنطقة، من خلال قطع الصلة بين السكان وتاريخهم وتراثهم، فإسرائيل تسعى إلى ضرب الشعور الوطني والقومي والتاريخي والديني المرتبط بالمكان".
ومضى موضحا أن "الاحتلال يريد مسح المكان حتى تنقطع الصلة التاريخية والمعنوية به، ومن ثم ينتهي التواصل الفكري والحضاري والثقافي تدريجياً، وهو جزء من عملية التهويد".
وحول استهداف النصب التذكاري للجندي المجهول، لفت جرار إلى أن إسرائيل تريد "إبادة كل ما يذكّر بالحالة النضالية والسيادية الفلسطينية، التي كانت موجودة في غزة عبر فترات تاريخية.
في حين قال الناطق الرسمي باسم بلدية غزة حسني مهنا، إن "إسرائيل تتعمد استهداف المعالم التاريخية والرموز الخاصة بالشعب الفلسطيني بغرض استكمال مسلسل جرائمها ضد الأطفال والمدنيين والمرافق المدنية.
وأوضح مهنا أن الاحتلال دمر كليا النصب التذكاري للجندي المجهول والحديقة الخاصة به، حيث تم تجريفها بالكامل. وهي تُعد "من أهم معالم قطاع غزة، وذات مكانة كبيرة، حيث ترمز لنضال الشعب الفلسطيني".
وكشف مهنا عن أن الاحتلال دمر منزلين أثريين، هما "السقا" و"ترزي"، اللذين يرجع بناؤهما إلى نحو 400 عام، بالإضافة إلى دائرة المخطوطات في وزارة الأوقاف التي تضم لوحات حجرية وبعض المخطوطات التاريخية.
كتب: محمد الجمل