أيقونة العملات

العملات

الدولار اليوم
اليورو اليوم
أيقونة الطقس

الطقس

أيقونة الإشعارات

اشعارات

تقارير بوست

فلسطين بوست" تنقل مشاهد جديدة من العدوان ومعاناة النزوح وتبعات الحصار على غزة

6 ديسمبر 2023

شهد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة تصاعد كبير في الأيام الماضية، ودخل مرحلة خطيرة بتهجير جديد للمواطنين، بالتزامن مع استمرار الحصار الخانق، وتزايد الأزمات، وفقد الأموال قيمتها.

"فلسطين بوست"، نقلت لقرائها مشاهد جديدة من العدوان وتبعاته، خاصة في مناطق جنوب قطاع غزة، ورصدت مأساة النازحين الجديدة، وتبعات تشديد الحصار على القطاع، مع رصد مشاهد من أدوات الحرب النفسية الإسرائيلية في غزة.

رفح الملاذ الأخير

بين عشية وضحاها تحولت محافظة رفح، التي تعتبر ثاني أصغر محافظات قطاع غزة، وكان يقطنها نحو ربع مليون نسمة، إلى وجهة لمئات الآلاف من النازحين، ممن قصدوها بأعداد كبيرة، بعد بدء الهجوم الإسرائيلي الواسع على محافظة خان يونس.

المدينة الحدودية التي تعتبر الملاذ الأخير لسكان القطاع الفارين من الحرب، استقبلت في غضون أيام معدودة أكثر من 600 ألف نازح جديد، ليضافوا لمئات الآلاف من النازحين القدامى، ما زاد عدد المتواجدين فيها على 1.1 مليون نسمة، ما أحدث ثقل سكاني غير مسبوق.

النازحون الفارون من الموت في خان يونس، تفرقوا في المحافظة، بعضهم لجأوا للمدارس، والتي أعلنت إداراتها أنها لا تستطيع استقبال أعداد إضافية من النازحين، بينما لجأ آخرون لبيوت أقارب وأصدقاء، فيما توجه العدد الأكبر الى منطقة المواصي الساحلية، و هذه منطقة زراعية لا يوجد فيها مقومات للحياة، ويتواجد بها القليل من المباني، وتنتشر فيها المساحات الخالية، ما دفع النازحون لشراء نايلون، وجلب قطع قماش، وأخشاب، وإقامة خيام، وأكشاك صغيرة، ليقيموا فيها، وحتى تقيهم من البرد والأمطار.

وخلال ساعات معدودة، أقيمت مئات الخيام، بعضها بجانب بعض، وأخرى متناثرة، وغصت المنطقة التي كانت في السابق خالية بعشرات الآلاف من النازحين في ظل نقص شديد في الخدمات.

ويقول المواطن إبراهيم جمعة، إنه فر من محافظة خان يونس على وقع القصف والغارات، وبعد تلقيه أكثر من اتصال هاتفي من جيش الاحتلال يطلب منه إخلاء منزله، وعندما وصل لم يجد فيها موطئ قدم يجلس فيه في رفح، فاشترى قطعة نايلون، وجلب بعض البطانيات، وأقام خيمة متواضعة في منطقة المواصي، وسيجلس فيها دون أن يعلم ماذا سيحدث في الأيام المقبلة، وإلى أين سيتوجه هو وعائلته، خاصة بعد أن أصبحت محافظة رفح الملاذ الأخير في قطاع غزة الذي يمكن التوجه إليه.

وأكد أنه فوجئ بمئات الخيام تنتشر في المنطقة، وثمة اعداد إضافية من النازحين تصل في كل ساعة، والوضع يزيد صعوبة مع غياب الخدمات.

أموال بلا قيمة

تزايدت تداعيات العدوان الإسرائيلي الواسع على قطاع غزة، والذي دخل شهره الثالث على التوالي، خاصة مع استمرار تشديد الحصار الإسرائيلي على القطاع، ومنع دخول المواد الغذائية والوقود، عدا كميات محدودة من المساعدات.

ومن أبرز التداعيات الخطيرة للعدوان، نفاذ السلع من الأسواق، وارتفاع أسعارها بشكل كبير، ما جعل الأموال تفقد قيمتها، ومن يمتلكها لا يستطيع شراء شيء.

ويقول المواطن محمود مصباح، وكان يقطن مدينة غزة، ولجأ مؤخراً لمحافظة رفح، إنه توجه للسوق ومعه مبلغ من المال، من أجل شراء مواد غذائية، لكنه لم يجد شيء في السوق، فجميع منتجات الألبان مفقودة، والدواجن ومشتقاتها غير موجودة، والأسماك فقدت كلياً من السوق، وكذلك المواد الأساسية، وما هو متوفر من الخضروات أصناف محدودة جداً واسعارها عالية.

وأكد انه جال السوق وهو يمسك النقود بيده ولم يشتري سوى القليل، حينها أدرك أن المال في غزة أصبح عديم القيمة، ومن يمتلكه لا يمكنه شراء ما يريد.

وقال مصباح إنه وأغلب المواطنين باتوا يعيشون على المعلبات، والرز، فهي آخر شيء تبقى في القطاع حالياً، وقد لا يجدها الناس في الأيام المقبلة.

في حين يقول المواطن خالد رجب، إن أقربائه المتعاطفين معه يقيمون في الخارج، وعرضوا عليه إرسال بعض الأموال كنوع من المساعدة، فرفض وأخبرهم بأن المال حتى وإن وصله لن يفيده في مثل هذه الظروف، فلا شيء في السوق يمكن شرائه، والأسعار عالية، وهناك استغلال من قبل بعض الباعة، والأمور تزيد صعوبة يوماً بعد يوم، وقائمة المفقودات في السوق تزيد بسرعة.

"الزنانة" جزء من الحرب النفسية

باتت طائرات الاستطلاع الإسرائيلية أو ما يطلق عليها محلياً اسم "زنانة"، إحدى أهم أدوات الحرب النفسية الإسرائيلية التي تستهدف سكان القطاع.

فتلك الطائرات التي طالما اعتبرها الغزيون نذير شؤم، وتجلب الموات والدمار، باتت تحلق في الأجواء على مدار الساعة دون توقف، وقد أدخل الاحتلال انواعاً جديدة منها، تصدر ضجيج مرتفع خلال التحليق، ما يحرم الناس من النوم والراحة، ويثير مخاوفهم، كون تحليق هذه الطائرات عادة ما يسبق شن الغارات.

ويقول المواطن الغزي عبد الرحمن نصر لـ"فلسطين بوست"، إن أسوأ شيء في الحرب هي طائرات الاستطلاع، فأحياناً يستغل فترة هدوء القصف، ويتوجه لينام وقت قصير بعد سهر وتعب طويل، لكن طائرات الاستطلاع تحرمه من ذلك، لاسيما وأنه يعجز عن إغلاق النوافذ خشية حدوث قصف مفاجئ فتتحطم.

وأوضح أنه اضطر في بعض الأحيان لوضع قطعتي قطن في أذنيه، لتجنب سماع الضجيج الصادر عن الطائرات وهي تحلق، خاصة النوع الذي يصدر أصوات مرتفعة، وضجيج مستمر وهو الأكثر تأثيراً.

وأكد أنه بات يثق بأن الاحتلال يتعمد تكثيف تحليق هذا النوع من الطائرات، ليس بهدف تصوير المناطق ومراقبة ما يحدث على الأرض فحسب، بل من أجل إزعاج الناس، وإرهاقهم نفسياً، وحرمانهم من النوم والراحة، فهذه الطائرات تحولت إلى جزء من الحرب النفسية على سكان القطاع، حتى بات الناس يتمنون عودة الهدنة للخلاص من ضجيجها الذي لا يتوقف.

بينما يقول المواطن خالد عبد الكريم، إنه وأبنائه باتوا يطلقون على الزنانة ذات الصوت الصاخب مصطلح "بومة"، كون صوتها لا يأتي إلا بالخراب والقلق وقلة النوم، فبمجرد سماع صوتها يقول أبنائه "أجت البومة"، وأكد أنه لا يوجد حل لتفادي صوتها، وأحياناً يشعر أنها تحلق فوق منزله بأمتار قليلة، قائلاً  "كل الحرب كوم وصوت الزنانة كوم آخر".

ويعتمد الاحتلال على طائرات الاستطلاع ذات الأحجام والأشكال المختلفة بشكل كبير، فبعضها لها مهام مراقبة واستطلاع، وأخرى لقصف الأهداف، وهناك أنواع صغيرة يمكن تركيب أسلحة رشاشة وقناصة عليها، لاستهداف المواطنين، كما حدث في مجمع الشفاء الطبي.

المدارس لم تعد آمنة

منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، كانت مراكز إيواء النازحين "المدارس"، إحدى أبرز الأهداف الإسرائيلية، إذ جرى خلال أقل من شهرين استهداف ما يزيد على 20 مدرسة تأوي النازحين، خاصة في محافظة غزة والشمال، وسقط جراء ذلك آلاف الشهداء والجرحى.

هذا السلوك الإسرائيلي الخطير، الذي لم يحترم أو يراعي مؤسسات الأمم المتحدة، خلق انطباع عام لدى المواطنين والنازحين في قطاع غزة، بأن المدارس ومراكز الإبواء لم تعد آمنة، وأنها قد تصبح هدفاً للاحتلال في أية لحظة.

المواطن حسام عودة من سكان شمال القطاع، أكد أنه أقام عدة أيام في مدرسة وسط مدينة غزة بعد أن نزح عن بيته في مخيم الشاطئ، وهناك سمع عن استهداف أكثر من مدرسة في مدينة غزة وشمال القطاع، فشعر بالخطر ثم توجه جنوباً إلى محافظة رفح، لكنه لم يجد مكان يقيم فيه، فاضطر مجدداً للجوء لمدرسة "أونروا" رغم قناعته التامة بأنها غير آمنة، فأي عدوان يستهدف رفح، سيتم قصف المدارس، كما حدث في مدينة غزة وشمال القطاع.

في حين يقول المواطن عمر النجار، إنه يقيم في مدرسة تابعة لوكالة الغوث منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، وبات يشعر بأن تلك المراكز غير آمنة على الإطلاق، فعلم الأمم المتحدة لم يعد يحظى بأي احترام إسرائيلي، والكثير من المؤسسات الأممية في غزة قُصفت، بل وإن العشرات من الموظفين العاملين في الأمم المتحدة استشهدوا، حتى مقر برنامج "الأمم المتحدة الإنمائي في مدينة غزة "U.N.D.P"، جرى قصفه بعد لجوء نازحين اليه، واستشهد بعضهم بداخله.

وأكد النجار أنه بات يفكر بشكل جدي بترك المدرسة، وإيجاد مكان أفضل للإقامة فيه، فالمدارس لم تعد مكان جيد للإقامة، فبخلاف عدم الأمان، باتت بؤرة لانتشار الأمراض.

كتب: محمد الجمل