بعد اكتظاظ مراكز الإيواء والمدارس بعشرات بل بمئات الآلاف من النازحين الفارين من ويلات الحرب، لم تجد الكثير من العائلات التي فقدت المأوى، سوى إقامة خيام داخل مستشفيات وفي محيطها، بصورة عشوائية وغير منتظمة.
لكن ومع تردي الأوضاع، قامت وكالة الغوث الدولية "الأونروا" في 19 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بإنشاء أول مخيم للنازحين داخليا في محافظة خانيونس يتكون من 60 خيمة، ويستضيف المئات من النازحين داخليا، لكن المخيم كبر وتوسع، وأضيفت له خيام جديدة، حتى أصبح يغص بالنازحين، أغلب ساكنيه جاؤوا من مدينة غزة وشمال القطاع.
نكبة جديدة
مشهد الخيام المتراصة والمتلاصقة بجوار بعضها، شكلت ما يشبه المخيمات، في مشهد أعاد للذاكرة مآسي نكبة العام 1948، حين هُجر الفلسطينيون من ديارهم قسراً، وعاشوا في خيام مشابهة، إذ كانت هذه المخيمات رمزاً للنكبة، بعد أن لجأ إليها الفلسطينيون الذين فروا من جرائم العصابات الصهيونية، أملا في العودة التي لم تتحقق منذ 75 عامًا.
لكن ومع تشابه الصورة بين اليوم والأمس، ثمة اختلاف كبير في الأوضاع، فقبل 75 عاماً، كان اللاجئون يحصلون على الماء والغذاء بشكل كاف، وتُقدم لهم مختلف أشكال الرعاية، أما الآن فالنازحون يعانون ويلات الجوع، عدا عن نقص المياه وتلوثها، وانتشار الأوبئة والأمراض، والأخطر من ذلك التعرض للبرد والأمطار.
كما أن معظم هذه الخيام أقيمت من قطع قماش بالية، ونايلون قديم، وحتى من قطع خشبية، كانت أضعف من أن تصمد أمام الظروف الجوية، ومعظمها اقتلعت بفعل الرياح، وغُمرت بمياه الامطار، ما عرض القاطنين فيها للغرق، والبرد القارص، ولاحقاً لأمراض، عاني منها الأطفال بشكل خاص.
رفض فلسطيني
مشهد الخيام التي أقامتها وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في منطقة خان يونس جنوبي قطاع غزة، لإيواء النازحين من شمال القطاع، قوبلت برفض وزارة الصحة في القطاع، إذ حذرت من الخضوع لأوامر الاحتلال الإسرائيلي الذي يسعى لتهجير الفلسطينيين، مؤكدة أن دور "الأونروا" ليس إقامة خيام لمن يقتل ويذبّح ولمن ينزح داخل قطاع غزة استعدادا لتهجيره خارج القطاع.
في حين أكد رئيس المكتب الإعلامي الحكومي سلامة معروف، أنهم فوجئوا بإقامة مخيم كبير في منطقة خان يونس تشرف عليه "الأونروا"، وهو ما يشبه مخيمات اللجوء عام 1948.
وقال معروف: "إن المطلوب من وكالة الغوث أن تتحمل مسؤولياتها كجزء من منظومة الأمم المتحدة في حماية هؤلاء النازحين، بالإضافة إلى توفير كل مقومات الصمود والعيش، ليبقوا في منازلهم أو في مناطق قريبة منها، وليس امتثال لأمر الاحتلال بالتهجير والنزوح.
كما طالب معروف "الأونروا" بالعودة إلى خدماتها، واستلام مهامها في مناطق شمال غزة، ومناطق غزة كي تثبت أنها تبحث عن رعاية مصالح الفلسطينيين.
معاناة كبيرة
وتسببت تلك الخيام والحياة القاسية فيها، بمعاناة كبيرة للنازحين، ممن يشغلهم هم توفير الماء والغذاء نهاراً، ويكابدون لتدفئة أنفسهم وأطفالهم في الليل، حيث تتدنى درجات الحرارة، وأحياناً تسقط الأمطار.
وتقول المواطنة "أم محمد حسونة"، إن الإقامة في خيمة بالية وصغيرة في وسط منطقة مفتوحة، في نهاية شهر تشرين الثاني، أمر صعب لا يمكن وصفه، فقد باتت تكره الليل، لما يحمله من معاناة بسبب البرد، وقلة الأغطية قائلة: " كنا نعيش وسط بيوتنا ونتعرض لبرد قارص، فكيف الحال اليوم ونحن نعيش في خيام من القماش الضعيف؟.
وأكدت أن زوجها يخرج في كل صباح للبحث الطعام، في ظل ندرته وشحه، وأحياناً يأتي بكمية محدودة نتركها للأطفال ونبقى لا طعام طوال اليوم، والمشكلة في حال جلب طعام بحاجة لطهي، فسنضطر للبحث عن الحطب والكرتون، لإشعال نار نطهو من خلالها الطعام.
ووفق متابعات "فلسطين بوست"، فقد استهدفت قوات الاحتلال مواطنين نازحين يقيمون في الخيام ثلاث مرات، خلال محاولتهم جمع الحطب من مناطق حرجية غرب محافظة خان يونس، ما تسبب باستشهاد أربعة مواطنين.
وأضافت حسونة أنه إذا كان لا بد أن يجعلونا نقيم في خيام، فليوفروا لنا خيام جيدة، يتم تثبيتها بقوة، ولا تخدل الماء والهواء عليهم، فثمة خيام حديثة تتوفر فيها مواصفات جيدة، بدلاً من القماش البالي الذي نعيش فيه.
في خيمة أخرى تعيش المواطنة النازحة دارين أبو خليل، التي مر أكثر من 40 يوماً على نزوجها إلى جنوب غزة، هربًا من قصف الاحتلال الإسرائيلي، إذ تركت بيتها، وأغراضها وفرشها حتى ملابسها وملابس أطفالها لم تستطع جلبها، ولم تكن تعلم أنها على موعد مع ليالى شديدة البرودة لا ترحم ضعف أجساد أطفالها الثلاثة.
دارين عانت خلال هطول الأمطار الأخيرة، وعملت لساعات طويلة تنزح وتبعد مياه
الأمطار المتساقطة من "المشمع البلاستيكي" الذى يستخدمه النازحون في تغطية الخيام المصنوعة من القماش، ووقفت تساعدها ابنتها الكبرى "لميس" التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها، في تثبيت مجموعة من الكراتين أعلى سقف الخيمة لحمايتهم من العواصف الباردة والأمطار الشديدة.
واشتكت دارين من عدم توافر الملابس الشتوية للأطفال، الأمر الذى يعرضهم لنزلات برد حادة ويضعف مناعتهم، ويزيد من معاناتهم.
أعباء ثقيلة
وبدا حال الآباء من يقطنون تلك الخيام أكثر صعوبة من الأمهات، فلديهم أعباء ثقيلة بتوفير المياه، والغذاء، والأغطية، والملابس، لعائلاتهم التي تفتقر لكي شيء.
ويقول المواطن أحمد عثمان، ويقيم في إحدى الخيام، إنه فر من شمال القطاع ومعه القليل من المال، وقد نفذت أمواله بالكامل، ويعيش حالياً وضع صعب، يبحث عن تكيات الطعام المجانية، أو المساعدات التي قد توزع، من أجل جلب قوت أبنائه.
وأكد أنه اجتهد خلال الفترات الماضية واستطاع توفير أغطية من متطوعين، وعائلات من جنوب القطاع تبرعت لهم ببعض الأشياء، كما وفر ملابس من البالة، وحاجيات أخرى، لكن مازال ينقصه الكثير.
وأوضح أنه لا ينام الليل وهو يفكر في حاله وحال أبنائه، فمنزله الذي تركه تعرض للتدمير، ولا يعلم ماذا سيفعل في الفترة المقبلة، حتى خلال الهدنة لم يستطع العودة لجلب بعض الاحتياجات الضرورية.
70% من غزة نازحين
وكان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، قال في وقت سابق إن "70% من سكان قطاع غزة، ما يعادل نحو 1.6 مليون شخص، نزحوا قسرياً عن منازلهم بسبب القصف الإسرائيلي، وتوزعوا في 220 مركز إيواء بمختلف المناطق داخل القطاع، مؤكداً أنه "تم حصر ما لا يقل على ربع مليون وحدة سكنية تضررت منذ بداية العدوان الإسرائيلي، و45 ألف وحدة سكنية هُدمت كليا أو باتت غير صالحة للسكن".
وأكد المكتب الاعلامي أن "هذه النكبة الإنسانية تحدث أمام نظر وسمع العالم أجمع، دون أن يحرك ساكناً لوقف العدوان الغاشم وجريمة الإبادة الجماعية بحق شعبنا، أو يستجيب لنداءات الاستغاثة، ويضع حداً لجريمة العقاب الجماعي التي خلفت مشهدا إنسانيا كارثيا".
كتب: محمد الجمل