عشرات الشهداء، مئة شهيد، ألف شهيد، حتى وصل العدد إلى أحد عشر شهيداً وما يزيد، أرقام تناقلتها وسائل التواصل الإجتماعي عند حديثها عن شهداء العدوان الهمجي على غزة، تناقلتها لبيان حجم المأساة التي وصل إليها قطاع غزة.
المشاهد برغم تعاطفه، ولكن بات يتلقى الخبر وهو على مائدة طعام ، أو في زيارة عائلية وكأن هؤلاء الشهداء لم يكن لديهم حياة من قبل.
شهداؤنا ليسوا أرقاماً.. فلكل شهيد اسم وحلم وعائلة وأحباب.. لكل شهيد منهم كان هناك حياة ، فالشهداء هم آباء وأمهات وأجداد وجدات، هم مهندسون وأطباء وصحافيون ، وغالبيتهم لازال طالباً لديه حلم بأن يكون شيئاً عظيما في يوم ما.
كيف لا وهم أبناء غزة ! فلكل شخص منا حلم ولكن غزة تختلف.. غزة رغم حصارها ومعاناتها المختلفة والمتزايدة عن بقية البلاد العربية على وجه العموم وعن بقية المناطق الفلسطينية على وجه الخصوص، كانت هي الأولى والسباقة في كل شيء.. في علمها.. في اختراعاتها.. حتى في مقاومتها وتضحيتها ودفاعها عن شعبها كانت هي الأولى والأفضل.
وثقت كاميرات الصحافيين في غزة مشاهد لعوائل شهداء أدمت قلوب كل من شاهدها، فكيف للمشاهد أن ينسى الأم التي تبحث عن طفلها في ازقة المشفى قائلة :" يوسف شعره كيرلي أبيضاني وحلو" ، وأخرى تبكي بحرقة أن أطفالها ماتوا جياعاً، وقصص كثيرة، فالشهيد أو الشهيدة هم أفراد من عائلة تغيرت حياتها رأساً على عقب باستشهاد الابن أو الابنة أو الأب أو الأم أو الأخ أو الأخت.
الكارثة في غزة كبيرة للغاية.. حتى وسائل الإعلام بأحدث أجهزتها لا تستطيع تصويرها عن قرب للمشاهد، فكيف لرقم أن يعبر عن ما بقلب عائلة الشهيد، كيف لرقم أن يعبر عن ما بداخل طفلة فقدت والدها السند، كيف له أن يعبر عن قلب زوجة أو أم فقدت عائلتها؟
وهنا سأتطرق للحديث عن بعض الشهداء الذين منعهم الاحتلال من إكمال بقية حلمهم وحياتهم ، واستشهدوا في القصف الإسرائيلي الهمجي على منازل المواطنين المدنيين في العدوان المتواصل على غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي:
المحامية دانة السقا وزوجها طبيب الأسنان توفيق الفرا، اللذين تزوّجا في بداية العام وكانا في انتظار مولودهما الأول، وحرمهما الاحتلال من استقبال طفلهما الأول واستشهدا معا في أكتوبر.
الشهيد ميسرة عزمي الريّس، وهو طبيب، خريج منحة تشيفنينج البريطانيّة، تزوّج منذ أشهر.

طفلة تصرخ بأعلى صوتها "بدي ماما" يحاول الأطباء منعها قائلين هذه ليست أمك ، فترد عليهام بأعلى صوتها:" هاي أمي أنا بعرف أمي من شعرها" ، فكيف لهذه الطفلة أن تكون حياتها بعد الآن.. هل تخيلتم جزءاً بسيطاً من معاناتها؟

الطفل حمزة نصّار (11 عاما) كان في طريقه لإحضار خضروات لأهله من أجل الإفطار، فعاد إليهم شهيداً ، فكيف حال والداه الآن؟ هل نامت أمه من يومها ليلةً واحدة أو ساعة واحدةً على الأقل دون أن تبكي كثيراً؟

لن أستطيع هنا الحديث عن قصص كل رقم من هؤلاء الشهداء، ولكن كل شهيد هو عالم من القصص، دفتر حكايا، وتاريخ إنسان، ومن المخجل أن نمر عليهم هكذا دون معرفة قصتهم، دون البكاء طويلا.
عندما تمرون على أسماء الشهداء، قفوا قليلاً وابحثوا عن قصصهم لتبقى مخلدة في الذاكرة، فنحن شعب لا ينسى.